مقابلة معي على إذاعة الجزائر برنامج دنيا العلوم

speaker_icon disk
ipod

مقابلة معي على إذاعة الجزائر برنامج دنيا العلوم

هذه الحلقة ليست كعادة الحلقات الأخرى، إنما هي مقابلة معي أجريت على قناة الجزائر على الهواء مباشرة من خلال برنامج دنيا العلوم، وهذا تسجيل لها. قابلني في هذه الحلقة السيد مراد حمدوش. تحدثنا في الحلقة عن السايوير بودكاست، وكيفية تحضيري للحلقة، وعن العالم العربي وعلاقته بالعلم.

Posted in Biology, Evolution | 1 Comment

نظرية التضخم الكوني مع د. نضال قسوم

speaker_icon disk
ipod

نظرية التضخم الكوني مع د. نضال قسوم

أتحدث مع د. نضال قسوم الفيزيائي الفلكي من الجامعة الأمريكية بالشارقة عن نظرية التضخم الكوني، والتي أثبتت تجريبيا من خلال رصد الموجات الجاذبية المطبوعة على الخلفية الإشعاعية الماكرويفية. إعلان هذا الاكتشاف قد يؤدي إلى حصول عدة علماء – أسسوا لهذه النظرية قبل ثلاثين عاما – على جائزة النوبل.

Posted in Biology, Evolution | 3 Comments

مقابلة مع الدكتور الفلكي نضال قسوم

speaker_icon disk
ipod

مقابلة مع الدكتور الفلكي نضال قسوم

مقابلة مع د. نضال قسوم، نتحدث عن عمله في ناسا، وكيف يمكن للشخص العمل هناك، وأيضا نتحدث عن تطوير الفلك في العالم العربي والإسلامي من خلال إنشاء مراصد، وكذلك من خلال تطوير المناهج في الجامعات لتشتمل على الفلك، ونتحدث عن نشر العلم عن طريق القنوات الإعلامية المختلفة.

في نهاية الحلقة أصحح خطأين وقعت فيهما في الحلقة السابقة: “ما هي الحياة؟”

Posted in Biology, Evolution | 2 Comments

ما هي الحياة؟

speaker_icon disk
ipod

ما هي الحياة؟

في سنة 1943 قام العالم الفيزيائي الكبير إيروين شرودنجر بسلسلة من المحاضرات عن الحياة، كانت المحاضرات بعنوان: ما هي الحياة؟ حضر لهذه المحاضرة ما يقارب 400 شخص، وفي سنة 1944 ألف كتابا صغيرا بنفس العنوان اعتمادا على تلك المحاضرات، لم تكن لمحاضراته في حينها شعبية أو انتشارا واسعا، ولكنها وتعتبر واحدة من أكثر المحاضرات تأثيرا على العلماء للتفكير في الحياة من باب الكيمياء والفيزياء معا، وقد ذكر واتسون وكريك العالمان الحائزان على جائزة النوبل لاكتشافهما شكل الدي إن إي الإهليجي أنهما مدينان لكتاب إيروين شرودينجر لاستلهامهما منه الفكرة لتركيب الدي إن إي اللادوري.

محاولة فهم ما هي الحياة هو بحث قديم، ولكنه تجدد في العصر الحالي مع التقدم العلمي الهائل، ومع فهم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والأحافير والفلك وغيرها من العلوم، بدأت الأمور تتضح شيئا فشيئا حنيما بدأ العلماء باكتشاف تفاصيل دقيقة لبيولوجية وكيميائية وفيزيائية الكائنات الحية، ولكن لم يستطع أحدا إلى يومنا هذا أن يجيب على السؤال: “ما هي الحياة؟” بوضوح.

في هذه الحلقة سأستعرض مجموعة من المعلومات التي تتعلق بمعرفة الحياة وتعريفها، ومكونات الحياة والغلاف الحيوي، وتجارب خاطئة لفهم الحياة، وأيضا عن تجربة ميلر ويوري، وكيفية ابتداء الحياة. ربما لن تجد ضالتك في هذه الحلقة، ولن تعرف بالتحديد ما هي الحياة، ولكنها ستعطيك انطباعا لبعض ما توصل إليه العلماء، وربما تفتح الحلقة لك المجال للنقاش مع الآخرين حول الموضوع.

كيف نعرف الحياة؟

اذهب إلى حديقة، وانظر إلى ما حولك، هناك رمال وصخور وماء وخشب، وستجد أيضا أن هناك نباتات بأنواع مختلفة، وستجد طيورا تطير السماء، وربما بعض الحشرات كالفراش والنحل، وبعض العناكب، أغرف من الماء غرفة بيدك، وضعها تحت المجهر، ستجد أن هناك أجساما صغيرة تتحرك فيه. كيف تفرق بين ما هو حي وما هو غير حي؟ هل الطير حي؟ هل النبات حي؟ ماذا عن الصخرة، هل هي حية؟ ماذا عن التراب هل هو حي أيضا؟ هل الماء حي؟ كيف علمت أن الأجسام الصغيرة التي تتحرك في الماء هي حية؟ هل لأنها تحركت فإذن هي حية؟ ماذا لو أنها كانت تتحرك ولكن بعد أو ضعتها على المجهر وسلطت عليها الضوء توقفت فجأة عن الحركة، فهل هي كائنات حية؟ أنت لا تعلم أنها كانت تتحرك في السابق، كل ما شاهدته على المجهر هي أجسام لا تتحرك.

ماذا لو أنك عالم في الأحافير، وبعد حفرك للأرض وجدت أجساما معينة لم ترها من قبل، فهل ستعتبرها كائنات كانت حية ثم بعد ذلك نفقت؟ ماذا لو أنك وجدت أن بداخل الصخور التي حفرت حولها قنوات صغيرة منتظمة جدا، فهل ستعتبر أن هذه القنوات كانت بيوتا لكائنات حية؟ كيف ستعرف ذلك؟ وإذا كان وجود نظاما معينا في الجسم هو الدليل على وجود حياة، فهل يعني ذلك أن كرسالات الثلج المنتظمة الجميلة الشكل هي أيضا حية؟ حينما نظر العلماء إلى المريخ باستخدام المناظير في السابق رأوا قنوتا منتظمة على السطح، فاعتقدوا أن هناك حضارة ذكية عليه، ولكن اليوم نحن نعلم أن المريخ لا يحتوي على حياة ذكية ناهيك عن وجود حضارة.

ناسا استطاعت أن ترسل مراكب كثيرة إلى المريخ، وواحدة من الأهداف الرئيسية التي تتبناها هو هدف البحث عن الحياة، فلو أنهم وجودوا أثرا لها سيقولون أن المريخ كان مؤهلا لها، قد لا تتوفر الحياة على السطح الآن، ولكنها ربما كانت متوفرة في الماضي. إذن، كيف ستعرف ناسا أن تلك الآثار تدل على وجود الحياة في السابق؟ وإن وجدت حياة أخرى تختلف عن الحياة على الأرض، فهل بإمكانها أن تقول أن تلك هي حياة؟

لنذهب إلى أبعد من ذلك، كيف يمكن للعلماء معرفة ما إذا كانت الظروف المناخية تسمح بتكون الحياة في الأساس؟ ما هي تلك الظروف المناخية المناسبة التي تسمح للحياة بالتكون؟ فكم هي درجة الحرارة الدنيا القصوى التي لا يمكن للحياة بالتكون فيها؟ ماذا عن الضغط الجوي المناسب؟ هل الأشعة الكونية تسمح للكائنات بالعيش؟ ماذا عن مكونات الأجواء من غازات، ما هي تلك الغازات التي تسمح للحياة بالبقاء؟

كيف بدأت الحياة على الأرض؟ العلماء يعلمون اليوم أنه ابتداء من أبسط أنواع الكائنات الحية إلى أكثرها تعقيدا فإن كلها تتكون من جزئيات، وهذه الجزئيات تتكون من ذرات، الذرات المشتركة بين الكائنات الحية معروفة، ولكنهم يتساءلون، كيف بدأت الحياة؟ كيف بدأ الخلق؟ الإجابة على مثل هذه الأسئلة يوفر فرشة تسهل على العلماء اكتشاف الحياة على الأرض أو في كواكب أخرى، ومن غيرها ربما لا تكتشف الحياة حتى لو أنها بين أيديهم وفي قلب أجهزتهم. وستسهل مثل هذه المفاهيم في معرفة ما إذا كانت هناك إمكانية لتكون الحياة على كواكب أخرى.

حتى أن مفهوم الحياة له أثر كبير في حياتنا الاجتماعية، فهناك صراع في اعتبار الجنين في بداية تكونه هو حي أم غير حي، فهل يمكن مثلا أن نسقطه حتى يستخدم العلماء الخلايا الجذعية التي فيه في إنقاذ حياة المرضى المحتاجين لها؟ مثل هذه الأسئلة تحتاج لإجابات دقيقة، حتى ترشد الفلاسفة ورجالات الدين في تكوين تصورات أكثر دقة في الأخلاق.

تعريف الحياة

إلى يومنا هذا لا يمتلك العلماء تعريفا واضحا للحياة، والسبب يعود لصعوبة تعريفه، فكلما وجدوا تعريفا مناسبا، كلما وجودوا شيئا مناقضا للتعريف، لذلك ستجد أن هناك الكثير من التعاريف، كل منها يمتلك جانبا من معاني الحياة أو جانبا من الصحة، ولكنه ينكسر بسرعة حينما يتم التمحيص فيه. ليس هناك اتفاق على أي من تلك التعاريف ليكون المؤشر النهائي لها.

الكل يعرف ما هو تعريف الماء، ويستطيع أن يصفه بدقة متناهية، فمن الممكن تعريف الماء على أنه ذرتي هيدروجين مرتبطتان مع ذرة من الأكسجين، ويمكن وصف الماء أيضا على أنه سائل شفاف بلا رائحة، ويمكن أيضا أن نقول أنه يتبخر عند درجة حرارة 100 سيليزية، ويتجمد عند درجة صفر سيليزية، وهناك صفات أخرى يمكن وصف الماء فيها، حتى إذا ما رأى أحدهم الماء يوما ما، ولم يكن ليره قبل ذلك، لتمكن من معرفة ما هو، فلا يحتاج لأن يراه مسبقا حتى يتعرف عليه لاحقا.

وهنا تكمن أهمية التعريف، الكثير من الفلاسفة والعلماء لا يحبون الحديث أو البحث في الشيء حتى يتم تعريفه بشكل جيد، لنفترض أننا أردنا أن نتحدث عن الحب، فلو أنك كنت تعتبر الحب هو مجموعة من المشاعر والعواطف من شخص تجاه شخص آخر، وأنا أعتبر أن الحب هو عطاء يقدمه طرف لطرف آخر، فلن يمكن لنا أن نميز المحب بطريقة نتفق عليها، فبإمكانك أن ترى رجلا منغمسا في تفكيره اليومي في امرأة، فتقول لي أنه يحبها، وفي المقابل الممكن أن ترفض أن تفكير وشغف شخص بلوحة فنية أو قصة جميلة حبا لعدم وجود الطرف الآخر في الحب، بينما في التعريف الآخر، لو أنني أرى أبا يحضن ابنه ويقدم له الهدايا يوميا فسأعتبر ذلك حبا، حتى وإن لم يكن يشعر بأي عاطفة ناحية الابن، وسيكون هناك اختلافا بينك وبيني فهم الحب، وبالتالي في فهم طبيعة البشر في التعامل مع الآخرين والأشياء من حولهم.

وتنطبق فكرة التعريف على الحياة، فلو عرفنا الحياة مثلا على أنها الجسد المتحرك ذاتيا، فهو يبحث عن الطاقة بنفسه، ويتحرك بنفسه. فسيكون مثل هذا التعريف منطبقا على الكثير من الكائنات الحية، فالصرصور يتحرك بنفسه، ويبحث عن الطعام ليبقي نفسه متحركا، وكذلك بالنسبة للكثير من الكائنات الحية بما فيها الإنسان، وكذلك أيضا فإن البكتيريا تتحرك، وتبحث عن الطعام، ولكن بالإمكان ندخل في هذا التعريف بعض انواع الروبوتات ليخل به، فمثلا أنا أمتلك آي روبوت (iRobot)، وهو روبوت منظف للسجاد والأرضيات، تشغله ليكنس السجاد، وحينما تشارف طاقته على الانتهاء يتوجه هو بنفسه إلى محطة الطاقة ليقف فوقها وتتصل أسلاك الكهرباء بوصلاته، ويعيد شحن نفسه. فهل الروبوت حي؟ لا يوجد من يدعي أن المكنسة الكهربائية – الآي روبوت – هي حية. وأيضا قد نقول أن بحسب هذا التعريف إن النبات غير حي، فهو لا يتحرك بالمعنى المتعارف عليه من الحركة، وإن كان ينمو، وبنموه يصل إلى مكان الغذاء فيتغذى عليه. إذن، بهذا يكون التعريف قاصرا، غير قادر على تصنيف الحياة بأسلوب معقول.

ماذا لو عرفنا الحياة على أنها الأجسام التي تنمو أو تتكرر (تتكاثر) ذاتيا؟ الآن نستطيع أن نقول أن النباتات ينطبق عليها هذا التعريف، وأيضا الحشرات والثديات والإنسان وحتى البكتريا، وهكذا اقتربنا من تعريف الحياة، قد يبدو أن هذا التعريف صحيح ودقيق لأول وهلة، حتى أن الآي روبوت لا يمكن إقحامه في هذا التصنيف، فهو لا ينمو ولا يكرر نفسه أو يتكاثر. ولكن المشكلة أنه لا يشمل الفيروس، فالفيروس لا يتكاثر ذاتيا، بل يحتاج لخلايا أخرى لكي تصنع من الدي إن إي أو الآر إن إي نسخ منه، فهل الفيروس هو غير حي؟ وكذلك ذكر البغال لا يستطيع أن يتكاثر، وبهذا التعريف يصبح البغل غير حي.

وإذا قلنا أن الأحياء تتكاثر ذاتيا، فلابد أن نقول أن معظم الأحياء غير حية، لأنها لا تتكاثر ذاتيا، فصحيح أن البكتيريا تتكاثر ذاتيا وتنقسم على نفسها، ولكن الحشرات والثديات والمعظم الكائنات الحية تحتاج لأزواج لكي تتكاثر، فذكر الغزال يحتاج للأنثى، وكذلك ذلك الطيور والحشرات، وحتى الإنسان لا يتكاثر ذاتيا، فالإبن لا يأتي من غير التزاوج. أما لو قلنا أن الفيروس الطبيعي لا يتكاثر ذاتيا فهو ليس بحياة، ماذا عن الفيروسات الكمبيوتر؟ هذه لديها القدرة على التكاثر بنفسها، فهي برامج قادرة على نسخ نفسها في البيئة التي تعيش فيها، فبما أنها تتكاثر فهي بحسب التعريف هي حية، لن يصدقك أحد إن قلت فيروسات الكمبيوتر كذلك.

حتى نتفادى بعض مشاكل التعريف السابق نستطيع أن نضيف للتعريف أن الكائنات الحية هي الأيضية، أي أنها قادرة على حرق الطعام، أنت حينما تأكل الطعام فإن جسمك يقوم بحرق الكربوهيدرات باستخدام الأكسجين لتحويلها إلى طاقة حرارية، إذن الحياة تنمو وتكرر نفسها باستخدام الأيض (Metabolism)، المشكلة في هذا التعريف أن يسمح للنار بالدخول في قائمة الحياة، فالنار تحرق وتستخدم الأكسجين، وهي أيضا تنمو وكذلك تكرر نفسها. بل لو أننا قلنا أن الأحياء تموت، فكذلك النار تنطفئ، ويمكن القول أنها تموت أيضا. فهل النار حياة؟

بإمكاننا أيضا أن نقول أن الكائنات الحية هي التي تستعشر ما حولها وتتفاعل معه، فالكائنات بإمكانها مثلا أن تستشعر الضوء، لترى ما حولها، وتتحرك في الإنارة بدلا من الظلام، أو أنها تستشعر الحرارة فتتعرق لتخفض حرارة الجسم، أو أنها تسمع الأصوات المخيفة لها وتهرب، أو الميكروبات تتغير في تفاعلها مع محيطها إذا تغير تركيز الأملاح فيها، أو إن عرضت البكتيريا للحمض فإنها تهرب منه، إذن الكائنات تستشعر مؤثرات في محيطها وتستجيب لهذه المؤثرات بشكل أو بآخر. بهذا التعريف بالإمكان إقحام بعض أنواع الروبوتات التي تستخدم الكاميرات لترى وتتفاعل مع الأجسام من حولها، أو حتى الثيرموستات الذي يتحكم بدرجة حرارة المكيف، فهو أيضا ينطفئ حينما تنخفض الحرارة، ويعود ليشغل حينما ترتفع الحرارة مرة أخرى.

هناك من يعرف الحياة على كل ما هو يتطور عن طريق الانتخاب الطبيعي، ذلك يعني أن الكائن الحي هو الذي يستطيع أن يتكيف مع البيئة ويتطور في كل جيل بناء على الانتخاب الطبيعي، ولكن حتى مع هذا التعريف سيبقى الإشكال مترافقا معنا، المشكلة هنا أيضا تكمن في أن هناك برامج كمبيوتر قادرة على التطور والتكيف في بيئة حاضنة لها، ولكنها لا تعتبر حياة.

قد يقول البعض أن الشيء الحي هو الشيء الذي يمتلك الروح، المشكلة في هذا التعريف أن حتى الروح غير معرفة بتعريف واضح متفق عليه، فلا يمكن بناء تعريف الحياة على الروح غير المعرفة، فمن الممكن أننا نقول أن الإنسان فيه روح، وكذلك الحيوان يمتلك الروح مثلا، ولكن ماذا عن البكتيريا، أو حتى الفيروس؟ هل لهما أرواح؟ ماذا عن النبات؟ هل للنباتات أرواح؟ وكيف يمكن لنا التوصل لوجود الروح فيها إن لم تكن هناك أي وسيلة لمعرفة الروح ذاتها، أنا أنظر للفيروس تحت المجهر وأقول لك أنه بلا روح، وأنت تنظر له وتقول أن له روحا، كيف لنا أن نفصل النزاع بيننا؟ إذن حتى الروح لا يمكن استخدامها في تعريف الحياة.

حتى التعريف الذي ألفه الفيزيائي شرودنجر عن الحياة في محاضراته، والذي يعتبر ربما من أغرب وأكثر التعاريف اختصارا وجمالا لا يعد تعريفا مناسبا، فقد عرف الحياة على أنها تلك التي تقاوم الفوضى، هنا شرودنجر يعتمد على القانون الثاني للديناميكا الحرارية، فمبدأ هذا القانون يقول أن الأنظمة في الطبيعة تتجه لزيادة في سوء التنظيم (ربما أنا حاولت أن أبسط القانون، وقد أكون غير دقيق في ذكره، ولكن هدفي هو إيصال الفكرة). تخيل مثل لو أنك تركت حديقة المنزل من غير اهتمام منك، مع الأيام ستزداد الحديقة سوء، وستموت النباتات، وتطول، ثم بسبب انقطاع الماء عنها ستصفر، ثم ستتجمع الأوساخ التي تطايرت إلي داخل الحديقة، وستتاقط أوراق الشجر، وهكذا شيئا فشيئا ستتحول من حديقة منتظمة إلى غير منتظمة، قارن هذا مع الحياة، فهي شيء منتظم، فهي تمتص الطاقة من حولها وتقوم بعمليات منتظمة شأنها التقليل من سوء النظام. طبعا لابد أن نراعي أن النظام في الكون بشكل عام يزداد سوء، فحتى وإن كانت الحياة منتظمة، إلا أنها تزيد في سوء النظام خارج محيطها، في مقابل تخفيظها بداخل محيطها. حتى تعريف شرودنجر غير مناسب لتعريف الحياة بدقة، لأن بعض الكريستالات المختلفة تعتمد على أخذ الطاقة من المحيط لتصبح أشكالا منتظمة، ولكنها لا تعد هي في ذاتها حياة.

العلماء حذرون من انتقاء تعريف قد لا يتناسب مع المكتشفات التي ستأتي من خارج الكرة الأرضية، فماذا لو أنهم عرفوا الحياة بطريقة تتماشى مع ما يرونه على الكرة الأرضية دون فتح المجال لإمكانية أن تكون الحياة بشكل آخر؟ ذلك سيؤثر على الآلات التي سيصنعونها لاكتشاف الحياة خارج الأرض، فإذا بعثوا مراكب فضائية مجهزة فقط بأجهزة تكتشف الحياة كما عرفوها، فلربما لن يكتشفوا حياة تختلف عما يعرفونه، أو لو أنهم قرروا أن الحياة لا يمكن لها أن تعيش في بيئة معينة ذلك يعني أنهم قد يغضوا الطرف عن كواكب قد تعيش عليها حياة في بيئات مختلفة.

وربما مع المكتشفات خارج الكرة الأرضية في المستقبل سيتمكن العلماء من وضع تصور أفضل وتعريف أكثر شمولية للحياة، خصوصا أن كل ما لدى العلماء اليوم هو نموذج واحد للحياة على الأرض، كل تراكيبها تتشابه في العموم من مواد كيميائية وهي تعيش في ظروف بيئية واحدة.

إذن ما الحل؟ الحل في أن العلماء وبغض النظر عن التعريف يقومون بمحاصرة الحياة بأساليب أخرى، فمنها محاولة إضفاء أوصاف مختلفة عليها، وكذلك فهم يحاولون أن يحددوا مكونات الحياة التي تجمع بين كل أنواع ما يعتقد أنها حياة، بالإضافة لذلك فهم يقومون بتحديد الظروف البيئية التي من الممكن أن تنشأ فيها الحياة. وبذلك يصبح عملهم كعمل النحات الذي ينحت في الصخور محاولا الوصول إلى الشكل النهائي تدريجيا. أو مثل عالم الآركيولوجي الذي يبحث في الأرض عن آثار لفخار قديم، فيزيل التراب تدريجيا حتى يكتشف شكل الفخار على هيئته الحقيقة.

في المحصلة النهائية، يصف العلماء على أن الحياة هي التي تحتوي على الأمور التالية، هذه الأوصاف ضرورية، ولكنها كافية (Necessary but insufficient):

1. منتظمة في تراكيبها وهيكليتها تنظيما عاليا.

2. تقوم بعمليات الأيض، حصاد الطاقة من حولها (Metabolism)

3. تتكاثر (أو تستنسخ) ذاتيا سواء أكان ذلك جنسي أو لا جنسي.

4. تستشعر ما حولها في البيئة وتتفاعل معه.

5. تنمو، ربما تزداد خلاياها وتكبر.

6. تتطور بالانتخاب الطبيعي للتأقلم مع بيئتها عبر الأجيال.

مكونات الحياة والغلاف الحيوي

ما هي المكونات الأساسية للحياة، أي ما هي الذرات التي تتكون منها جميع أنواع ما يطلق عليه العلماء بالأحياء؟ هناك تراكيب معينة مشتركة بين كل الكائنات الحية، بعض الحياة تحتوي على مركبات لا تحتوي عليها الكائنات الحية الأخرى، ولكن العلماء حددوا المركبات الدينا التي تشترك فيها جميع الكائنات، يمكن اختصار حروفها بكلمة تشنوبس (CHNOPS)، وفي حروف هذه الكلمة جميع الذرات المشتركة: الكربون، الهيدروجين، النيتروجين، الأكسجين، الفسفور، والكبريت، أو باللغة العربية بالإمكان استخدام كلمة “ككهفنا” للتعبير عن المواد المشتركة (استخدمت برنامج يعطي جميع التباديل للكلمات، ثم وضعت الكلمات في الميكروسوفت ورد، ومسحت جميع الكلمات التي لم تكن في قاموسه، ثم اخترت كلمة مناسبة للحفظ). لو أنك أخذت كل كائن حي على وجه الأرض اليوم، لوجدت أن كلها تشترك بهذه المواد، فقد يحتوي جسدك على الحديد، ولا يكون ذلك متوفرا في البكتيريا، ولكن على الأقل نحن نشترك مع البكتيريا بالمواد الأخرى التي ذكرتها قبل قليل.

اكتشفت عالمة الميكروبيولوجي فليسا ولف سايمون (Felisa Wolfe-Simon) من ناسا حياة تختلف مكونتها عن باقي الكائنات، فبدلا من أن تحتوي على CHNOPS، كانت تحتوي على مادة الزرنيخ Arsenic، الزريخ مادة سامة وتقتل معظم الكائنات على وجه الأرض، إلا أن الاكتشاف الذي اكتشفته ناسا هي أن بعض الميكروبات تتكون تركيباتها الكيميائية منه، فالزرنيخ هي مادة قريبة كيميائيا من الفسفور، وهذا يعني أن الكائن الحي المكون من هذه المادة يختلف اختلافا مهما عن كل الكائنات المعروفة، وخصوصا أن الدي إن إي هو الذي احتوى على المادة السامة.

انتشر الخبر كالنار في الهشيم على الإنترنت، وتناقلته وسائل الأخبار حول العالم، وصرحت ناسا به في مؤتمر صحفي ضم مجموعة من العلماء، وفهم الناس عمق مثل هذا الاكتشاف، فلو أن الحياة تتكون من مواد أخرى تختلف عن كل بعض مواد الرئيسية في الكائنات الموجودة في شجرة الحياة، ذلك يعني وجود شجرة حياة أخرى بصفات جديدة، وهذا يعني أن الحياة من الممكن أن تتكون بطريقة أخرى تختلف عن المتعارف عليه على الأرض، فإذا كانت هناك حياة مختلفة هنا، فلماذا لا تكون هناك حياة مختلفة على كواكب أخرى، وبالتالي سيكون تعريف الحياة أكثر شمولية واتساعا.

ولكن سرعان ما تدارك علماء الميكروبيولوجي الخبر، وبدأوا بالبحث في هذه الميكروبات، واكتشفوا أن الادعاء الذي ادعته (فليسا) لم يكن صحيحا، بل إن الميكروبات هذه كانت مجرد قادرة على تجميع الزرنيخ بداخل الخلية في بعض الجزيئات بدلا من الفسفور، ولكنها لم تستبدل الفسفور في الدي إن إي. ونشر العلماء ورقتين علميتين العلمية في مجلة ساينس الشهيرة (Science) تنفي صحة الخبر، ولم يعد لهذا الاكتشاف أي سحر، وفقد قدرته على توسعة المواد التي تتكون منها الحياة. إذن، الحياة كما نعرفها اليوم لا تتكون من مواد أكثر من الستة في الاختصار CHNOPS أو ككهفنا.

ذلك كان بالنسبة للمواد المشتركة، ماذا عن البيئة الحاضنة أو الغلاف الحيوي (Biospace or Biosphere)؟ أحضر كوبا (مثل كوب القهوة الكبير)، اقلبه على ورقة، احضر قلم رصاص نحيف جدا، ثم خط بالقلم بمحاذات فوهة الكوب لترسم دائرة، لو افترضنا أن الدائرة هذه تمثل محيط الكرة الأرضية، لكان الخط هذا يعبر عن أماكن تواجد الحياة عليها، بل إن سماكة خط قلم الرصاص ستكون أكبر بكثير من المساحة الكلية التي تعيش فيها الكائنات الحية، فهي موجودة على السطح وكذلك في السحب وأيضا في باطن الأرض والبحار، ولكنها لا تذهب إلى أعماق كبيرة، ولا تصعد إلى خارج الغلاف الجوي. والسبب يعود لكون الحياة محصورة في مجال بسيط من الظروف البيئية. فلا هي تتحمل الحرارة العالية، ولا الضغط الكبير، ولا الأشعة الكونية، ولابد أيضا لوجود الماء والمواد المختلفة الكيميائية التي تُكوِّن الحياة.

ما هي الحدود القصوى والدنيا لإمكانية تكون الكائنات الحية أو بقاءها حية لفترة طويلة من الزمن؟ لو أنك تأتي بخلية حية مثل خلية البكتيريا وتعرضها للحرارة العالية، فإنها ستموت، العلماء يعتقدون أن الحد الأقصى حراريا لبقاء الكائنات على قيد الحياة هو 122 درجة مئوية بحسب ما هو مكتشف من كائنات حية قادرة على التأقلم مع مثل هذه الدرجة العالية، مثل هذه الحرارة تمنع الكائنات الحية من التواجد بداخل الأرض في أعماق غزيرة جدا، فكلما اقتربنا من مركز الأرض، كلما ارتفعت درجة الحرارة مما لا يسمح للكائنات بالبقاء حية.

أو لو أنها تعرض للأشعة الكونية ربما لن تعيش أيضا، أقام العلماء تجربة لتعرف ما إذا كانت الكائنات الحية تستطيع العيش في الفضاء الخارجي حيث تتعرض لأشعة قاتلة تأتي من الشمس، الأرض تحمي سكنها من هذه الأشعة بعدة أمور منها الغلاف الجوي ومنها المجال المغناطيسي، فهل تستطيع الكائنات الحية أن تعيش في خارج البيئة التي تحميها من هذه الأشعة؟

أرسل العلماء 300 نوع من الميكروبات إلى المحطة الدولية الفضائية، ووضعت هذه الميكروبات خارج المركبة. فتعرضت لعدة ظروف قصوى منها: الأشعة الفوق بنفسجية، وأشعة أخرى مؤينة، والفراغ الخالي من الأجواء، ودرجات حرارة تتراوح بين 20 إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر، وكذلك جاذبية مخففة جدا، بالإضافة لعدم وجود أي غذاء تتغذى عليه. وضعت هذه الميكروبات في غبار نيزكي مصنع، ربما تستطيع أن تتخيل السبب لمثل هذه التجربة، فهل يمكن أن تحمل النيازك حياة على متنها ونقلها إلى كواكب أخرى؟ أو من الممكن أن نتساءل هل يمكن أن تنقل ناسا ميكروبات إلى المريخ؟ لو أن ناسا نقلت ميكروبات من الأرض إلى المريخ، وهي تحاول البحث عن حياة هناك فكيف ستميز ما إذا كانت الحياة هذه أصلها من الأرض أم من المريخ؟ ماذا لو أن هذه الميكروبات لوثت سطح المريخ، فهل يعني ذلك أنها ربما ستبدأ بالانطلاق هناك لتتطور ثم لتتكون حياة جديدة؟

بعد سنة وعشرة أشهر من التجربة أعيدت الميكروبات إلى الأرض للفحص، اكتشف العلماء البكتيريا أن برسيلاس ستاليس (Bacillus subtilis) نفذت بجلدها في الفضاء الخارجي، حيث اتجهت للسبات وانتظرت إلى أن توفرت الظروف والغذاء ثم عادت للتكاثر مرة أخرى، لكن لا يعني ذلك أنها لم تتأثر، لا ننسى أنها تحتوي على دي إن إي، وهو يتكون من جزئيات مترابطة مع بعضها، وحينما تتعرض جزيئاته للأشعة فإنها قد تتلف، لذلك عمل العلماء لمعرفة مدى التأثر والتغير الذي طرأ على هذه البكتيريا.

العديد من التجارب أقيمت على الكائنات لمعرفة الظروف القصوى أو المجال المسموح به للبقاء حية، أهمية هذه التجارب تكمن ليس فقط في معرفة ما إذا كانت هي قادرة على أن تعيش في ظل هذه الظروف، بل هي لمعرفة ما إذا كان بالإمكان أن تنشأ في أماكن أخرى في الكون، بحيث تكون أجواء تلك الكواكب مختلفة عن الأرض، فهل تستطيع أن تتكون هناك؟ فمواد ككهفنا التي تُكوّن الدي إن إي مثلا مترابطة بقوة ضعيفة كيميائيا، الظروف المحيطة القاسية تستطيع أن تكسرها بسهولة، فبمعرفة هذه الظروف بإمكان العلماء بسهولة معرفة الكواكب الآهلة لحياة مشابهة للأرض، وذلك بمجرد معرفتهم من بعيد لمناخ تلك الكواكب.

تجارب خاطئة لفهم كيف تنشأ الحياة

في القرن السابع عشر انتشرت فكرة تكون الحياة من خلال “التوليد التلقائي” (Spontaneous Generation)، أي أن بعض الكائنات الحية تنشأ تلقائيا من خلال وجود حياة أخرى تولدها، فمثلا من الممكن لو أننا قطعة من اللحم في مكان دافئ، وتركنا اللحم لفترة من الزمن، فستنشأ عليه كائنات حية مثل الديدان أو اليرقات، أو من الممكن أن تنشأ الفئران بالتوليد التلقائي من خلال وضع القليل من قشور القمح وملابس داخلية بداخل حاوية مغلقة، ونأتي لتلك الحاوية بعد 21 يوما سنجد أنها تحتوي على الفئران، قد تكون مثل هذه الفكرة غريبة، ولكن الناس كانوا يعتقدون بإمكان حدوثها. بل أقام البعض التجارب “العلمية” لإثباتها، فمن الممكن أن نجرب أن نضع قطعة من اللحم في مكان دافئ وإذا بالحياة مثل الديدان تدب على سطحه، ونحن نعلم أن مثل هذا الشيء يحدث في الحياة اليومية.

لم تتغير فكرة التوليد التلقائي حتى قام العلماء بتجارب علمية دقيقة ومنضبطة، وبعد التحليل المنطقي لتلك التجارب الغير منضبطة اكتشف الناس أن مثل تكون فئران في حاوية قشور القمح لم يكن إلا سوء ملاحظة، حيث أن القمح المنقول للحاوية كان يحتوي على الفئران الصغيرة بداخل القمح قبل نقلها، وأن الملابس الداخلية ليس لها أي تأثير في توليدها. أضف لذلك التجارب العلمية الدقيقة التي قام بها الطبيب والشاعر الإيطالي فراسيسكو ردي (Francisco Redi)، لم تدع مجالا للشك في أن الديدان التي نشأت على اللحوم كان تحتوي على بيض الذباب وبعد ذلك فقست لتصبح يرقات.

لكشف حقيقة التولد التلقائي قام ردي بإحضار 6 قناني، قسمهم إلى مجموعتين، كل مجموعة تحتوي على ثلاث قناني، في كل قنينة من المجموعتين وضع سمك ميت ولحم ني وجسم غير معروف، قام بتغطية المجموعة الأولى بغطاء شبكي بحيث لا يسمح للذباب بالدخول فيها، ولكنه سمح للمواد المختلفة بالتعرض للهواء، أما المجموعة الثانية فلم يغطيها، وإذا بعد أيام بدأ الدود بالتكون على اللحم المكشوف فقط، وأما المجموعة المغطاة بالشبك فلم يتكون عليها شيء، ومنها ومن تجارب عديدة أكدت له بلا أدنى شك أن الذباب هو السبب في تكون اليرقات، حتى أنه أخذ اليرقات، وتركها لتكبر وإذا بها تتحول إلى ذباب.

هذه الأفكار القديمة حول التولد التلقائي للحياة ألغيت بعد مثل هذه التجارب، ولم تعد محل اعتبار في نظر العلماء اليوم.

تجربة يوري وملير

واحدة من أكثر التجارب العلمية شهرة على نشوء الحياة من المكونات الكيميائية هي تلك الملقبة بتجربة يوري وملير، تعتمد فكرة التجربة على تكوين الأجواء الطبيعية التي كانت موجودة في بدايات نشأة الأرض، ومنها محاولة معرفة إن كان بالإمكان تكوُّن التراكيب الموجودة في الكائنات الحية كما نعرفها، وقد أساء الكثير من الناس فهم أهداف هذه التجربة، فهناك من يعتقد أن العلماء الذين قاموا بها كانوا يهدفون لخلق الحياة بداخل وعاء، ويدعي البعض أن التجربة فشلت في تكوينها، ولكن الحقيقة أن التجربة نجحت فيما كان مخططا لها. بل لا يزال العلماء يراجعون نتائج التجربة لمعرفة ما إذا كانت هناك مواد عضوية أخرى لم تكتشف في ذلك الوقت.

التجربة التي أقامها العالمان ستانلي ميلر (Stanley Miller) وهارولد يوري (Harlod Urey) في سنة 1953 هي تجربة بسيطة، كانت تحاول اكتشاف ما إذا كانت الأرض في حالتها الأولى وقبل تكون الأكسجين وثاني أكسيد الكربون بإمكانها أن تكون موادا عضوية، هذه المواد العضوية تعتبر المكون الأساسي للتركيبة الكيميائية للحياة. قبل أن يكون هناك أكسجين وثاني أكسيد الكربون على الكرة الأرضية، كانت السماء مليئة بالسموم، ولو أننا نعيش في نفس الأجواء في تلك الأيام لما استطعنا أن نتنفس، ولنفقت معظم الكائنات الحية على الأرض. وبالرغم من ذلك فإن مثل تلك الأجواء السامة، ستكون بيئة مناسبة لتكون التراكيب الابتدائية.

كان الاعتقاد السائد بين العلماء آنذاك أن الأرض كانت تحتوي على الماء والميثان والهدروجين والأمونيا ولم تحتوي على ثاني أكسيد الكربون أو الأكسجين، ولو أن هذه المواد عُرِّضت لظروف مناخية سائدة في تلك الفترة ستتركب الجزيئات على بعضها في عمليات كيميائية لتتكون موادا عضوية والتي هي أساس ما تحتويه الخلايا في أي كائن حي. وقد أسس لهذه الفكرة العالم الروسي أليكساندر أوبارين (Alexander Oparin)، وكتب كتابا يشرح فيه فرضيته. واعتمد العالمان على هذه الفكرة لإقامة التجربة.

وضع العالمان يوري وميلر قنينة بها ماء، وفي أعلى القنينة أوصلوا أنبوبة ترتفع إلى الأعلى ثم تعود لتنزل في قنينة أخرى، وهذه القنينة الثانية تحتوي على الغازات: الميثين، والأمونيا، والهيدروجين. واحتوت القنينة أيضا على سلكي كهرباء، لتوليد الشرارة الكهربائية بينهما، قد تكون شاهدت تولد القوس الكهربائي بين طرفين من الأسلاك، حينما يكون فرق الجهد بينهما عال، هذه الشرارة تماثل البرق الطبيعي. يسخن الماء من أسفل القنينة فيتبخر، ويمر عبر الأنبوب إلى أن يصل إلى القنينة الأخرى، فيجتمع مع الغازات المختلفة، ثم تعرض هذه المواد للشرارة، ثم تهبط هذه الخلطة التي تكونت في الأسفل خلال أنبوب متصل بالقنينة الثانية وتترسب في الأسفل.

حينما نظر ميلر إلى المواد المترسبة اكتشف أنها تحتوي على الأحماض الأمينية، وهي المكون الأساسي للبروتينات. كانت هذه التجربة دليلا على أن الأرض لو كانت بهذه الظروف وبهذه الغازات لتمكنت من إنتاج الجزيئات المناسبة لنشوء جزء أساسي من البروتينات.

تجربة ميلر ويوري

نشرت مقالة قصيرة جدا في مجلة الساينس الشهيرة، وإلى يومنا هذا يضرب المثل بهذه التجربة، ولكن هناك جانبان أساسيان يجب الانتباه لهما بالنسبة للنتائج. صحيح أن بعض المواد المستخدمة كانت موجودة في الأرض في سنواتها الأولى، وصحيح أن التجربة نجحت في إنتاج المواد العضوية، إلا أن الظروف التي اعتقد العلماء أنها كانت موجود في المليار سنة الأولى لم تكن دقيقة، فقد اكتشفوا أن الأرض كانت تحتوي على نسبة متدنية منها، بل كانت هناك غازات أخرى في الأرض كثاني أكسيد الكربون والأكسجين (بنسب مختلفة عما هي عليه الآن).

النقطة المهمة الأخرى هي أن الكثير من الناس يدعي أن التجربة لم تنجح، وهذا غير صحيح بتاتا، بل أن التجربة أنتجت موادا عضوية كما تصور العلماء، الخطأ الشائع بين الناس أن التجربة كان هدفها هو تكوين حياة في المختبر، الصور الذهنية التي يتخيلها البعض أن ميلر ويوري كانا يعتقدان أنه بمجرد إجراء هذه التجربة ستتكون حياة بكتيرية أو كائنات حية تتحرك بداخل القنينة، لم يكن هذا هو الهدف.

ولكن من الواضح أنه لو كان الهدف هو هذا الشيء (إنتاج الحياة) لكان بالإمكان القول أن التجربة فشلت، مثل هذه الإشاعة لم تكن إلا استهدافا للأبحاث التي يعمل بها العلماء لفهم الحياة، الإشاعة المفبركة هي التي تتهم التجربة بأهداف خاطئة حتى تدعي أن التجربة فاشلة، وهذه هي مغالطة رجل القش، والتي يختلق فيها المجادل حجة ضعيفة ثم يحاول أن يفند الحجة الحقيقة بها.

كيف بدأت الحياة؟

تحدثنا عن تجربة يوري وملير، هذه التجربة وإن كانت بسيطة إلا أنها تبين شيئا مهما، وهو أن طبخ المواد مع بعضها قد تَنتج منه المكونات الأساسية للحياة، المشكلة في الحقيقة ليست فيما إذا كانت التجارب تُنتج المكونات الأساسية للحياة، لأنه من المعقول جدا أن تتكون جزئيات أو تراكيب أولية من عمليات كيميائية، المشكلة الكبرى هي كيف تشكلت هذه المكونات لتكون البروتينات والدي إن إي والآر إن إي؟ ثم كيف دخلت كل هذه المكونات بداخل جدار الخلية؟ ربما تكون الإجابة على هذا السؤال من الصعوبة بدرجة التي جعلت الفيسلوف “آنتوني فلو” الشديد الإلحاد في التحول إلى الإيمان بوجود خالق كما ذكر في كتابه: “هناك إله” (There is a God).

هناك مشكلتان أساسيتان في الموضوع، المشكلة الأولى هي أن الخلية الحية تحتوي على مجموعة من المكونات المعقدة، ففيها الدين إن إي، وفيها البروتينات، وفيها أيضا الغلاف المحيط بالخلية الذي يغلف جميع المكونات (بالإضافة لإمور أخرى، ولكن لنركز على هذه الأشياء بالخصوص)، السؤال الأول: ما هو الجزيء الذي تكون أولا، هل تكون الدي إن إي أولا أم البروتينات؟ البروتينات يمكن مماثلتها بجهاز الكمبيوتر، والدي إن إي بالبرمجة أو الشفرة، لا يمكن الاستفادة من جهاز الكمبيوتر إن لم يكن هناك برامج بداخله، ولا يمكن الاستفادة من البرمجة إذا لم يكن هناك كمبيوتر يعالجها خطوة بخطوة. فلا يمكن أن يتم تكرار الدي إن إي من غير البروتين، حيث أنه هو الآلة التي تمسك بالدي إن إي وتعمل على نسخه، ولا يمكن إنتاج بروتينات إن لم يكن هناك دي إن إي، فالدي إن إي هو الذي يحتوي على المعلومات التي تشفر لتصنيع البروتينات. مشكلة البيضة والدجاجة مرة أخرى.

أضف لذلك، كيف دخل الإثنان إلى داخل الخلية؟ هل جدار الخلية كان موجوا أولا، ثم بعد ذلك تكون الدي إن إي والبروتين بداخلها، أم أنهما تواجدا أولا ثم أحاط بهما جدار الخلية؟ ما هو الاحتمال الذي يسمح لمثل هذه الثلاث أشياء أن تجتمع؟ الاحتمالات كبيرة جدا.

بل إن الاحتمالات في تكون الدي إن إي ذاته هي معضلة أكبر، وهذه هي النقطة الأساسية في رحلة آندروا فلو للتحول من الإلحاد إلى الإيمان، حيث أن المأزق الأساسي يتعلق بالمعلومات، فالدي إن إي هو حامل لشفرة تشكيل الحياة، بمجرد أن يمسك البروتين بالشفرة يتحرك لصناعة المكونات بداخل الخلية، ثم تنقسم، وتتكر العملية، كيف يمكن لهذه الشفرة المعقدة أن تتشكل؟

تخيل لو أعطيتُ لك الحروف الأبجدية، وطلبت منك أن تعيد كتابة القرآن الكريم، لنبدأ من أول كلمة في القرآن وهي “بسم”، اكتب الحروف الأبجدية على أوراق متفرقة، ثم ضعها في كيس، واسحب ثلاثة أوراق منه، ما هو الاحتمال أن تخرج لك الكلمة الأولى؟ بحساب التوافيق الرياضية نكتشف أن الاحتمال هو 1 من 3276، هذا فقط لكلمة واحدة، الآن ما هو الاحتمال لأن نسحب حروف الكلمة الثانية وهي “الله”؟ نكتشف أن الاحتمال هو 1 من 20475، الاحتمال أن تنتقي هذين الكلمتين بالتوالي هو 1 من 67,076,100، هذا فقط لكلمتين، فكيف إذن بجميع كلمات القرآن؟ إذا كان هذا بالنسبة لكلمات القرآن، فكيف إذن تسلسلت الجينات لتحتوي على شفرة أو معلومات كاملة لتكوين الكائنات الحية كما نراها اليوم، مثل هذه المعلومات لا يمكن أن تنشأ بالصدفة أو من خلال العشوائية.

دعنا من الدي إن الإي الذي تطور باستخدام نظرية التطور ليصبح أكثر تعقيدا كما هو في الإنسان مثلا، لقد ذكرت في حلقات سابقة أن نظرية التطور هي نظرية يتفق عليها العلماء، ليس النقاش في الدي إن إي البالغ التعقيد، بل حتى في أبسط تركيباته، السؤال يرجع لبداية تكون الدي إن إي لأول كائن حي، حتى أبسط الكائنات الحية تحتوي على الآلاف من الأحماض الأمينية في الدي إن إي، فكيف لها أن تتراكب بطريقة يمكن لها أن تشفر للحياة؟ فالاحتمالات الهائلة تعني أن المطبخ الأرضي لم يكن باستطاعته تكوين هذه التسلسلات في الفترة الزمنية المناسبة، حتى لو كان الطبخ لمليارات السنوات.

هذه لا تزال مشكلة لم يستطع العلماء علاجها، وربما ستأخذ سنوات عديدة لحلها، وقد لا يصل العلماء إلى حلها أبدا، فالظروف التي بدأت فيها الحياة غير معروفة بالكامل، وكذلك الطرق التي تؤدي إلى تكون الدي إن إي متعددة، أُشبهها بالإهرمات أو بعض الأبنية القديمة، لم يدون الصناع طريقة البناء، ولا تركوا خرائط لنراها، لذلك في محاولة العلماء لاكتشاف الطريقة التي أنشأت بها هذه الأبنية يقترحون عدة احتمالات، ولكن لا يُعرف أي منها كانت هي الطريقة الصحيحة. فهل سيكتشف العلماء كيف تكوت الحياة؟ هذا السؤال ندعه للمستقبل، وخصوصا أن هناك تحركات كبيرة لحل السؤال، العلماء في المختبرات والمفكرون يعملون ليل نهار، فكما علموا أن الحياة اليوم تطورت تدريجيا لتصل إلى ما هي عليه من تعقيد، وكذلك كما اقترحوا عدة طرق لإنشاء الإهرامات، فلربما يأتي اليوم الذي تُكتشف فيه الطريقة التي نشأت فيها الحياة في البداية.

قصة الحياة من البداية

انفجر الكون انفجارا عظيما، وتكونت النجوم والمجرات والكواكب على مدى مليارات السنوات، واحدة من هذه المجرات كانت مجرة درب اللبانة، وبداخل هذه المجرة تكونت الشمس قبل 4.5 مليار سنة، ومع تكون الشمس تكونت مجموعة من الكواكب من حوله، واحدة من هذه الكواكب كانت هي الأرض، كانت الأرض حارة جدا في البداية، وبدأت حرارتها بالانخفاض، كانت مليئة بالغازات التي تختلف نسبها عن نسب الغازات الحالية، بعد فترة من الزمن بعد حوالي 800 مليون إلى مليار عام منذ بداية تكون الأرض (أي قبل 3.5 مليار سنة تقريبا) ظهرت أول كائنات حية بسيطة جدا، كانت مجرد خلايا من نوع بروكاريوت (Prokaryote)، ثم بعد ذلك وقبل 3.4 مليار سنة تكونت الحياة القابلة للتمثيل الضوئي، ثم بعد 2 مليار سنة تكونت الحياة المعقدة الملقبة بيوكاريوت (Eukaryotes)، وقبل مليار سنة في الماضي ظهرت الحياة المتعددة الخلايا، ثم حدث الإنفجار في تنوع الكائنات الحية، حيث أن قبل 542 مليون سنة في الماضي تنوعت الكائنات على مدى 80 مليون سنة بسرعة هائلة، تسمى هذه الفترة بالإنفجار الكامبري (Cambrian Explosion)، لم يكن لها مثيل لا في الماضي ولا في الحاضر، ثم ظهرت الديناصورات قبل 230 مليون سنة، وبقيت هي المهيمنة على الأرض حتى 65 مليون سنة، ثم بعد ذلك انقرضت فيما يظن العلماء بسقوط نيزك هائل قضى عليها كلها تقريبا، ولكن بقيت بعض الحيوانات تحت الأرض وبعض الطيور، وإلى أن بدأت حقبة الثديات، وهكذا إلى أن ظهر البشر قبل حوالي 6 ملايين سنة وإلى يومنا هذا مع باقي الثديات.

العلماء يعرفون هذا التدرج من خلال الدراسات العلمية، ابتداء من الإنفجار العظيم إلى يومنا هذا، من الواضح أن هناك تدرج منطقي لما يحدث في الكون من البداية إلى الوقت الحالي، الصورة مجزأة، ولكنها مؤشر واضح على أن الكائنات أخذت هذا المنحى في الحركة من البسيط إلى المعقد كما نراه اليوم، نشوء الكون وتكون النجوم والمجرات والكواكب في مجمله واضح بالنسبة للعلماء الفيزيائيين، وكذلك نظرية التطور التي تحكي قصة انتقال الكائنات من حالة إلى حالة إلى وصولها إلى يومنا هذا، النظرية أيضا واضحة وصريحة في تدرج الكائنات الحية، بين هذين التدرجين تبقى هناك معضلة، وهي تكون الكائنات في بداية انطلاقها، لا يزال البحث قائما في هذا المجال، العلماء لا يعلمون كيف بدأ الخلق، ولكنهم لا يشكّون في أن هناك تدرج طبيعي له.

من الواضح أن العلماء في الغرب والشرق يبحثون عن فهم لبداية تكون الحياة، ولكن في هذه المنطقة التي أعيش فيها فحتى التساؤل شبه معدوم، بحثت على الإنترنت عن جملة “ما هي الحياة؟” فلم أجد إلا إجابات لأسئلة نفسية ودينية، لم أجد شيئا في الجانب العلمي إلا ما ندر، وحتى إن تحدثت عن الكائنات الحية، لم أجد سوى بساطة في محاولة فهمها، بحثت أيضا عن جملة “كيف بدأ الخلق” استنادا على الآية الكريمة التي تقول: ” قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ”، فوجدت أن جل الإجابات على السؤال تعتمد على الدين، ليس هناك من يجلس في المختبر ويبحث بحثا علميا في الموضوع، وبعض الإجابات تحاول أن تجيب على السؤال حول تكون الكون والانفجار العظيم، كل الإجابات تأخذ النتائج التي خرجت من مختبرات الغرب والشرق للإجابة، بينما من الواضح أن السير هو في الأرض لمعرفة كيف بدأ الخلق هنا وليس الكون كله. أرجو أن بهذا الطرح البسيط عن الحياة أن تستثار العقول ونخرج للبحث عن الحياة على باستخدام أصول العلم الطبيعي.

الدلائل على تكون الحياة كثيرة، ولكننا نحتاج لشخص يوحد هذه المعلومات في ملاحظات دقيقة جدا للوصول إلى معرفتها بشكل صحيح، وإلى طريقة تكونها في البداية، ربما تكون أنت الشخص الذي يجد الحل، وستكون بمثابة نيوتن أو آينشتاين أو داروين، ويخلد اسمك في التاريخ.

ما الذي لم أتحدث عنه في هذه الحلقة؟

هناك العديد من الأمور التي كنت أود التحدث عنها في هذه الحلقة، ولكن قررت أن أدعها لحلقات أخرى. وهي

1. من سبق؟ الدي إن إي أو البروتين أو الآر إن إي؟ وكذلك تجربة سبيجلمان الملقبة بـ”الوحش الصغير” وهي تجربة مثيرة جدا.

2. هناك العديد من التجارب الأخرى غير تجربة ملير يوري لفهم كيف نشأت الحياة، لم أذكر أي منها.

3. هناك أيضا عمل كريج فنتر في تخليق أو تصنيع خلية في المختبر، أو بالأحرى تكوين الدي إن إي في المختبر وزرعة في خلية ثم إحياءها.

4. البحث عن أقصر دي إن إي بحيث يكون قادرا على أن يشفر للحياة.

5. البحث عن الحياة في كواكب أخرى، هذا بحد ذاته يحتاج لحلقة كاملة.

المصادر

  1. Life at the Speed of Light: From the Double Helix to the Dawn of Digital Life, J. Craig Venter.
  2. What is life?, Erwin Schrodinger.
  3. Origins of life, Freeman Dyson.
  4. A Production of Amino Acids under Possible Early Earth Conditions, Stanely Miller.
  5. There is a God, Antony Flew.
  6. Astrobiology and the Search for Extraterrestrial Life, University of Edinburgh, Charles Cockell, lectures at Coursera, 2014
  7. Astronomy 141: Life in the Universe, The Ohio State University, Richard Pogge, 2009, Audio Lectures.
  8. NASA-Funded Research Discovers Life Built With Toxic Chemical, Nasa.
  9. Scientists say NASA’s ‘new arsenic form of life’ was untrue, Kerry Sheridan, 2012.
  10. Are Viruses Alive, Scientific American, December 2004

 

Posted in Biology, Evolution, Science | Leave a comment

السايوير 2012-2013

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

لقد قمت في نهاية سنة 2011 بطرح حلقة مراجعة للسنوات التي قبلها، وذكرت أن في العادة تقوم البودكاستات بمراجعة السنة السابقة بحلقة في نهاية كل سنة، لم أستطع أن أقدم حلقة نهاية السنة في سنة 2012، ولكني أعود مرة أخرى الآن لأجمع بين السنتين 2012 و 2013. سأقوم بذكر أفضل 10 حلقات على مدى السنتين السابقتين.

كذلك طلبت من المستمعين الأحباب أن يرسلوا رسائل وتسجيلات صوتية يستعرضون آراءهم في السايوير بودكاست، وأرسلت لي بعض التسجيلات، وكذلك بعض الرسائل، للأسف قدمت هذا الطلب قبل يومين لذلك لم أجمع الكثير منها، البعض علق على صفحة الفيسبوك وقدم الشكر من خلال الفيسبوك، ولكني سألتزم بطرح من أرسل لي الرسائل عن طريق الإيميل.

هناك رسالة واحدة غريبة جدا، سأقدمها في كآخر رسالة أرسلت لي، رسالة لم أكن أتوقعها، الرسالة من أمريكي لغته الأم هي اللغة الإنجليزية، شككت في الرسالة في البداية، ولكن اتضحت الأمور بعد أن طلبت من الأمريكي طلبا خاصا. وربما ستجد الرسالة غريبة أيضا، ولكنها بلا شك واحدة من أفضل الرسائل التي أرسلت لي.

هناك رسائل أخرى عادة ما ترسل لي في الإيميل (لم تكن من تلك التي طلبتها في خلال اليومين الماضيين)، بعضها كان من القوة في التعبير لدرجة أنني لم أتمالك نفسي ودمعت عيني، ولكني للأسف لا أستطيع قراءتها لأن أصحابها لم يأذنوا لي بقراءتها.

في هذه الحلقة أيضا سأضيف بعض النشاطات الأخرى التي أقوم بها من ضمن التوعية العلمية العامة، فصحيح أنني بدأت بالسايوير، ولكن العمل شيئا فشيئا يتسع، ربما سيصل إلى المستوى الذي يمكنني أن أفتخر به.

الرسائل

في البداية أود أن أستعرض الرسائل الصوتية، وبعد ذلك سأقرأ الرسائل المكتوبة، وأنا أقدم شكري لكل المستمعين سواء أرسلوا لي هذه الرسائل أم لم يرسلوها، أنا أعرف – من عدة قنوات - كم هو اهتمامهم بسماع السايوير بودكاست، أجد هذا الصدى على الفيسبوك أو التويتر أو الرسائل الخاصة أو حتى من خلال أرقام إنزالات السايوير بودكاست، وهذه كلها صورة كافية لي ودلالة على الاهتمام في إكمال مسيرة السايوير.

(أصوات المستمعين الأحباب)

(رسائل المستمعين)

بالنسبة للرسالة التي قرأتها ربما ستستغرب أن الذي أرسلها هو أمريكي لغته الأم هي اللغة الإنجليزية، وأنا معك، ما دعاني للاستغراب هو أن الشخص الذي أرسلها كتب في البداية كلمة “دوكتور” ولكن بقية الرسالة كانت من دقة في التعبير أنني شككت في المرسل، فكيف يمكن لشخص أن يتعلم العربية ويكتب بهذه القوة بمجرد دراسة اللغة خلال سنة ونصف، وخصوصا أنه ليس عربيا في الأصل، عبقري أو مازح! كنت أعتقد أن المرسل يريد أن يقوم بمقلب، ربما كان يتظاهر أنه أمريكي. لكن المشكلة أنني لا أحب أن أقلل من شأن أي شخص، ولا إهانته.

فأرسلت له رسالة طلبت منه أن يتحدث السايوير بودكاست باللغة الإنجليزية في تسجيل، فأرسله، وصدمت صدمة إيجابية بكل تأكيد، وأرسلت له رسالة بينت فيه شكي في البداية، وشكرته كثيرا على رسالته. فله جزيل الشكر، وللجميع أيضا الشكر الكثير، لا يقل امتناني لهم عن Alex، ولا حتى بقدر نيوترينو.

(صوت أليكس في الرسالة)

من خلال الرسائل التي أرسلت لي أريد أن أوضح بعض النقاط الأساسية التي أعتبرها بصمة للسايوير بودكاست، وهي واضحة من ملاحظات المستمعين.

1. تسهيل المعلومات: أقضي الوقت الكثير في محاولة تبسيط المعلومات بحيث أستطيع أن أوصلها لعامة الناس، الكثير من الوقت يذهب للتفكير والتحضير لها، وأحاول في الكثير من الأحيان إما انتقاء أفضل الأمثلة أو أن أكوّن أمثلة من عندي تتناسب مع الفكرة المطروحة. ولكن في نفس الوقت، لا أريد أن أبسط المعلومات أكثر من ذلك بحيث تفقد محتواها العلمي، وكذلك لا أريد أن أبسطها بحيث لا يتطور المستمع، واحدة من الأمور التي تعلمتها خلال حياتي من المطالعة هي أن أي موضوع أقرأه في البداية أجد صعوبة في فهمه، ولكن مع الاستمرار في قراءته على مر الزمن من عدة مصادر أجد نفسي تصعد مع مستوى المعلومات، فبدلا من أن يتم تخفيض المادة لتتناسب مع مستواي العلمي كنت أنا الذي يرتفع معها، ولذا أفضل أن يرتفع المستمع مع مستوى العلم تدريجيا بدلا من أن ينخفض العلم لمستواه. وأفضل أن يتابع الموضوع من عدة مصادر ليفهمه بدرجة أكبر، ويرتقي بنفسه.

2. الدقة في المعلومات: تلاحظون أنني أكرر كثيرا اهتمامي في دقة المعلومة، لا أدعي أنني أستطيع أن أكون في منتهى الدقة، ولكني بالتأكيد إذا اكتشفت أي خطأ أعالجه في حلقات لاحقة دائما، وهذه واحدة من أهم – ما أعتقد – يتميز به السايوير بودكاست، وربما هذا هو انعكاس لشخصيتي في التعاملات اليومية، فأنا أبحث عن المعلومة من عدة مصادر في الكثير من الأحيان، وحينما أواجه أقل شك في المعلومة أنفر منها بسرعة، بل أكثر من ذلك، أحاول أن أفهم المعلومة بالشكل الصحيح إن أمكن من غير المؤثرات الإعلامية، فالكثير من المواقع تستعرض المعلومات بتبسيط وبمالغة شديدتين إلى درجة أن المعلومة تصبح غير صحيحة، أو أنها تستخدم مصطلحات جاذبة بحيث تتغير المعاني، فتفقد المعلومة صدقها، كشف حقيقة الخبر أمر صعب الإحاطة به بدقة، ولذا أنا أبذل جهدا لا بأس به في محاولة إزالة المكياج عن وجه الخبر إلى أن أصل إلى الجلد.

3. التنوع: أحاول بقدر الإمكان التنويع في الموضوعات، كثيرا ما أبدأ بحلقة أولى لموضوع معين، ثم أترك الموضوع لأعود له مرة أخرى في أسبوع بعيد أو شهر أخر، هناك سببان لذلك: الأول هو المستمع، والثاني هو أنا، لأني لا أريد أن يمل المستمع من طرح الموضوع بتكرار أتفادى تتابع الموضوع ذاته (هناك اسثناءات لهذه القاعدة، فأحيانا أكون في مقابلة مع ضيف، ولا أستطيع أن أفصل المقابلة). والسبب الآخر هو أن بعض المواضيع المطولة تحتاج لجهد كبير في الإعداد، وبما أني أريد أن تكون الحلقة بمستوى يكون مناسب مع تطلعات المستمع أقضي الوقت الطويل في إعدادها. فأقحم بينها مواضيع صغيرة أستيطع إعدادها في وقت أقصر.

4. الامتناع عن طرح رأيي الشخصي بقدر الإمكان: لا أقول أنني لا أذكر رأيي في البودكاست، ولكن ستجد أن آرائي تكاد تكون معدومة، وهذه أيضا ميزة خاصة في البودكاست ومهمة جدا في نظري، لعدة أسباب، منها أولا أني أتصور أن المستمع لا يريد أن يعرف ماذا أعتقد شخصيا عن موضوع معين، بل يريد أن يستمع لرأي متخصص في الموضوع: رأي شخص قام بتجربة علمية دقيقة، وحللها وأجهد نفسه للوصول إلى رأي صحيح أو رأي قد يكون صحيحا، فماذا أستطيع أن أقدم أنا شخصيا في مقابل رأي ذلك العالم المجتهد إن لم أكن متخصصا في الموضوع؟ أتصور القليل أو اللا شيء أبدا.

كثيرا ما أذكر لطلبة الدكتوراة أنه إذا أردت أن تكتب معلومة في ورقة علمية أو في بحث فلابد أن تكون هذه المعلومة أتت بإحدى طريقتين، الأولى أن يكون هناك من قام بالبحث والتفكير والتجربة والتحليل والنقد لهذه الفكرة ثم نشرها وأنت نقلتها عنه بثقة، أو أنك قمت أنت بالتفكير والتجربة والتحليل والنقد لفكرتك ونشرتها ثم ذكرتها في بحثك، عدا ذلك تصبح المعلومة هزيلة القوائم، ضعيفة الأركان.

ثانيا، إذا قمت بطرح آرائي أنا فكيف للمستمع أن يفرق بين المعلومة الصحيحة الدقيقة وبين الرأي (الذي قد يكون صحيحا أو قد يكون خاطئا)؟ وربما هذا سيفقدك الثقة في المعلومات ولن تعتمد عليها كمصدر موثوق به. وتهمني ثقة المستمع بالدرجة الأولى.

ثالثا، الآراء تحتوي على مزيج من الأهواء والانتماءات الشخصية، ربما سيؤثر هذا على صدق الطرح، العالم حينما يفترض فكرة معينة عليه أن يتجرد من أهوائه حتى يصل إلى الحقائق. لا يعني أنه سيصل،  فهل من حقي أن أحكم على التجربة وأبدي فيها رأيي؟ لا طبعا، أنا بعيد عن التجربة، وأحتاج لأن أطلع عليها وعلى الأبحاث المختلفة لأصل إلى رأي معقول ومقبول. ثم إن هناك علماء آخرين مختصين قد يختلفون مع البحث العلمي، فلماذا لا أطرح هذه الآراء بدلا من رأيي؟ وهذا ما أفضله شخصيا.

5. الحيادية: في الحقيقة أنا غير محايد تماما، أنا منحاز للعلم، والسايوير بودكاست عن العلم والتكنولوجيا وبعض الفلسفة والخيال العلمي، فتوقع أن أنتقي المواضيع التي تتناسب مع الطرح بشكل داعم، ولكن ذلك لا يعني أنني حينما أطرح الموضوع لا أذكر الآراء المضادة والمختلفة – والتي تريك جوانب متعددة للموضوع. فمثلا حتى وإن كنت منحازا للعلم لا يعني أنني لن أقوم بحلقة تبين مساوئه، وهذا الموضوع (موضوع مغالطات العلم) أيضا موجود في قائمة المواضيع التي سأطرحها، لماذا؟ لأنك حينما تعرف الآراء العلمية المختلفة ستستطيع أن تتجنب السلبي منها، وستستطيع أن تعدل منها، وستستطيع أن تفهم الأمور بشكل الحقيقي، وكشف الأخطاء هو جانب فلسفي عميق كلنا نحتاج لمعرفته.

6. النقاشات: أمر من أهم الأمور التي أصبو إليها، هو خلق جو للنقاش في المواضيع العلمية، أمنية وحلم كبير بالنسبة لي، أصادف الكثير من المستمعين والأصدقاء ممن يذكرون لي استخدامهم للمعلومات في النقاش، حتى أن البعض من المدرسين والدكاترة يستخدم بعض موضوعات السايوير من ضمن الدروس والمحاضرات، بالطبع فأني أتشرف بذلك، وأشكرهم كثيرا، ولو أن الشرف الأساسي يرجع للعلماء الذين قاموا بالتجارب، فلست إلا ناقلا وصائغا لتلك الصور العلمية الزهية الجميلة، أتمنى أن يستمر الناس في النقاش.

المشكلة أن النقاشات الإنسانية والسياسية والإقتصادية والدينية تأكل الأجواء الاجتماعية أو الجماعية، الود كل الود لو ينشق مجرى جديد في النقاش، ويجري فيه نهر العلم، لماذا؟ لأن الدول الكبرى – بالإضافة لكونها تتحرك بما نتناقش فيه نحن من سياسة ومال ودين وغيره من المواضيع – فهي أيضا تتحرك وتتغير شعوبها وقوانينها وثقافاتها بالعلم، فبالإضافة لكون العلم جارفا لمنتجات مادية ومحسوسة ومؤثرة ومغيرة للإنسان، إلا أن خرير الفكر العلمي يحسن من اتخاذ القرار في الدول على المستوى الجماعي وأيضا على المستوى الفردي.

هل استمعت لحلقة “التصنيف والجماعات”؟ هل غير العلم نظرتك لكيفية تصنيفك لنفسك، هل أنت تنظر للجماعات بنفس الطريقة القديمة بعد أن أجريت عملية ليزك على بصيرتك؟ ماذا عن حلقة “لماذا نعد النجوم؟”؟ هل كنت تعتقد أن الصرف الهائل على الفضاء لا فائدة منه؟ ماذا تعتقد الآن بعد أن علمت بعوائد هذه المبالغ على تحسين حال البشر جميعا على الصعيد المادي والنفسي؟ ماذا عن مغالطة الانحياز التأكيدي التي أقيمت عليها الدراسة تلو الدراسة؟ هل أصبحت تعرف من ينتقي المعلومات لصالحه ويهمل التي ليست من صالحه؟ ماذا عن الصراع بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي؟ هل تعتقد اليوم أن الكمبيوتر قد يتغلب على الإنسان، فلربما نحتاج لأن ننتبه من أن يتسيد علينا. ماذا لو رأيت نمطا معينا، هل لا تزال تضفي عليه المعاني الخاطئة بعد أن اكتشفت المغالطة من حلقة “لماذا نرى الأنماط؟”؟ هل لا تزال تقبل السرد القصصي في الاستدلال على فكرة أم أنك تستخدم الأدلة الدقيقة لذلك بعد أن سمعت حلقة “الدليل بين السرد القصصي والعلم التجريبي”؟ كل هذه العلوم تغيرك، وتغير نظرتك للعالم، وحينما تغير نظرتك للعالم ستغير أصدقاءك، وجماعتك، وبلدك، والعالم بأسره.

نشاطات أخرى للسايوير

لا يزال المشوار في البداية، ولكني أحاول أن أنوع في النشاطات، حتى يكون الناس على اطلاع دائم على العلم، فبالإضافة للبودكاست ومدونة السايوير (https://sciwarepod.wordpress.com)، لدي صفحة السايوير على الفيسبوك (http://www.facebook.com/sciware)، لها أكثر من 100,000 متابع، ربما تكون أنت واحدا منهم، في هذه الصفحة أضع أحدث المعلومات العلمية والتكنولوجية والفنية والفلسفية وما إلى ذلك، هناك حركة دائمة على الموقع، بدأت الصفحة قبل عدة سنوات لوحدي، ولكن قبل حوالي الشهر حولت الموضوع إلى عمل جماعي، والآن يكتب في الصفحة 3 أشخاص أخرين وهم: حسن البلوي من السعودية وهو يدرس الدكتوراة في الولايات المتحدة الأمريكية، إبراهيم الدرعاوي وهو من سوريا ويعيش في الكويت، وكذلك عبد العزيز القرني من السعودية، كل شخص يتميز بطريقة في طرح المعلومات، والتعليق عليها. وأتمنى أن يستمر العمل الجماعي على الصفحة ويتطور إلى أكثر من ذلك.

وكذلك لدي التويتير الشخصي والذي أخصصه للمواضيع العلمية، أضع الموضوع مع الرابط للمتابعين، تستطيع أن تتابع التويتر على @mqasem. أضف لذلك أنا أقوم أيضا بإلقاء محاضرات في قاعات عامة وكذلك محاضرات في المدارس، وهذه مهمة بالنسبة لي لأني أري الصور مقاطع الفيديو وأقرب المعاني المفقودة في البودكاست، وغالبا ما يكون الإقناع أكبر من الصوت لوحده، بسبب هذه المحاضرات تعرفت على الكثير من المتابعين وتحدث معهم وجها لوجه. وذلك يسعدني كثيرا.

بالإضافة لبعض المقابلات التلفزيونية السابقة، قبل أيام كنت في راديو الكويت إذاعة البرنامج العام في مقابلة ببرنامج صناع المستقبل، كانت المقدمة للبرنامج الأستاذة باسمة الشمار، المقابلة سجلت وسيتم عرضها خلال الأسبوعين القادمين، وحالما يتم إعلامي بالحلقة سأخبركم بالمواقع من خلال السايوير أو التويتر أو الفيسبوك.

لدي أيضا قناة السايوير على اليوتيوب، هذه أيضا أضع فيها لقطات بين الحين والآخر، فيها لقطات مراجعة لبعض المنتوجات التكنولوجية، وكذلك حلقتين علميتين عن العوالم المتعددة والعوالم المتوازية، وأيضا عن النظرية النسبية الخاصة، صورها وأخرجها ومنتجها المندس هاني بهي الدين، ومن غرائب الصدف أن هاني أمه الكريمة هي ناعسة الجندي التي كانت تقدم البرنامج العلمي المتنوع “أخبار جهينا” مع  أحمد سالم، وهو واحد من البرامج التي أثرت بي في الصغر وحببتني في العلم.

عرضت علي العديد من الفرص لعمل برنامج تلفزيوني علمي، ولكني تنزالت عنها كلها، ليس لأني لا أريد برنامجا تلفزيونيا، وخصوصا أنني ظهرت على التلفزيون عدة مرات، ولكن المشكلة أني لا أريد أن أكون جالسا على الكرسي وأمامي طاولة وأحدث الناس وكأني في السايوير بودكاست الصوتي، البرامج التلفزيونية العلمية اليوم بصرية بالدرجة الأولى، أمنيتي أن يكون البرنامج على مستوى البرامج العالمية، مثل الديسكفري أو البي بي سي أو غيرها، أسافر إلى العلماء وأدخل إلى مختبراتهم، وأريكم كيف يعمل العلماء عن كثب، أريد أن أدخل إلى المصادم الهدروني الكبير وأصوره لأخبركم عن الهيجز بوزون وبجانبي المغناطيسات المهولة، وأريد أن أذهب إلى كريج فينتر إلى داخل مختبره المتنقل لأريكم الدي إن إي والبكتيريا التي صنعها، أريد أن أدخل، وأتحدث مع ميشو كاكو ونيل دري جراس تايسون والعديد من العلماء الممتازين أثناء عملهم، ليشرحوا العمل من أفواههم. أضف لذلك مثل هذه البرامج تحتاج إلى متخصصين في المؤثرات الصورية، بحيث إذا ما تحدثت عن الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة يستطيع الشخص أن يرسم رسمة ثلاثية الأبعاد تلتهم القلوب. هذا ما أتمناه. وربما يتحقق يوما ما.

أكثر الحلقات إنزالا في السنتين الماضيتين

هذه الإحصائية تقوم على الأعداد لشهر واحد من صدور كل حلقة. ستعرف الآن إذا كانت أذواق الناس تتناسب مع ذوقك الشخصي. ها هي بالعد التنازلي

10. SW078 مغالطات في التفكير النقدي

9. SW086 التنافس الكبير بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي 3 : نهاية البشر

8. SW081 المادة الداكنة والطاقة الداكنة في الكون 1

7. SW076 الدليل بين السرد القصصي والعلم التجريبي

6. SW080 2 المركبة كيوريوسيتي والبحث عن الحياة على المريخ

5. SW088 كيف تعمل نظرية التطور

4. SW075 كيف تكشف المغالطات

3. SW077 الهيجز بوزون

2. SW073 مستقبل البشرية 1: الطب

1. SW074 لماذا نعد النجوم؟

مع ملاحظة أنني لو جمعت الحلقتين الأوليين من مقابلة الدكتور فيصل الصايغ وعن نظرية التطور، لحازت هي على المركز الأول، لأن الحلقتين في الحقيقة هي حلقة واحدة.

أما بالنسبة لأكثر الدول استماعا لهذه السنة بالترتيب التنازلي: السعودية لا تزال هي المتصدرة الدول كلها بفارق هائل، ثم الولايات المتحدة الأمريكية، ثم الكويت، ومصر، والمغرب والجزائر، والإمارات والعراق والمملكة المتحدة وعمان، الفارق عن 2011 أن المغرب تقدمت على الجزائر بعد أن أتت بعدها بالمرتبة، وتنحت البحرين بسبب عمان في المركز العاشر.

وأخص بالذكر أحد أسلحتي الكبرى في إنجاح مواضيع البودكاست، وهو المهندس عايد العجمي (والذي يدرس في الولايات المتحدة الأمريكية الآن للحصول على الدكتوراة) لنقاشاته التي لا يمكن استبدالها بأي بديل يضاهيها في المستوى العلمي، كثيرا ما قدم نصائح ومعلومات وانتقادات بناءة لا يمكنني الاستغناء عنها، وكذلك فيصل المهدي الذي من غيره لم يكن لنشاط البودكاست أي وجود، فاستشاراته في شتى المجالات الإدارية كانت كالدفة بيد ربان السفينة.

بالطبع فإن أهم مكون للسايوير بودكاست وكل نشاطاته هو أنتم المستمعون، باهتمامكم بالاستماع للحلقات، ونشرها، وذكرها والمناقشة في مواضيعها، والتعليق عليها وإرسال الرسائل الشخصية قام الأساس الداعم الأكبر لهذا النشاط، فمن غيركم أنتم لم يكن ليستمر البودكاست، واقتراحاتكم أيضا ساهمت بشكل مباشر في التحسين من البودكاست وتطوير المواضيع.

Posted in Review | 2 Comments

كيف تكشف المغالطات 2

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

لقد طال انتظار هذه الحلقة، بعد أن قدمت حلقتين قديمتين عن المغالطات في الجدل المنطقي وكان لهما صدا إيجابيا، نعود مرة أخرى مع حلقة جديدة تساهم في نشر وعي النقاش أو وعي الجدل.

من المهم أن أذكر أن معرفة المغالطات تساهم في فهم كيف يمكن لشخص أن يمرر على الآخرين بعض الأفكار الخاطئة بلا دراية منهم ولا انتباه. فيتم تناقل معلومات خاطئة أحيانا تكون متعمدة،  وأحيانا بحسن نية، فإذا ما عرفت كيف تكتشف هذه المغالطات ستكون جرعة التطعيم لديك كافية لدرئك من هذه الأفكار الخاطئة. وستكون جاهزا للمناقشة بأسلوب أفضل، وتصل إلى نتائج أكثر دقة.

أنصح بمراجعة المغالطات السابقة لأهميتها الكبيرة، وأنصح بالعودة لها بين الحين والآخر، لأننا ننساها في العادة فتضعف القدرة على اصطيادها، وأنصح كذلك أن تستخدم فهمك للمغالطات كتمرين يومي، فحينما تستمع إلى نقاشات الآخرين حاول أن تتصيد هذه الأخطاء وأنت تستمع للنقاش بينك وبين نفسك، لا يعني بالضروة أن تقفز في النقاش لتفضح أخطاء الآخرين، فلربما ذلك سيغيض غيرك، ولكن استخدمها بحكمة وفي الوقت المناسب.

مغالطة “التوسل بالسلطة أو بالمرجعية” (Argument from Authority)

مغالطة “التوسل بالسلطة أو بالمرجعية” هي مغالطة يقع فيها الكثير من الناس، وغالبا ما تستخدم لإسكات الآخرين من غير الحاجة للرجوع للأدلة. فإذا ما كنت تتحدث في موضوع معين يقال لك: “ولكن السلطة الفلانية أو المرجع الفلاني قال غير ذلك،” فتسكت لأن الشخص ذو السلطة أو المرجعية يقول خلاف ما تذكر، وأحيانا تستخدم هذه المغالطة بالعكس، فيقال لك أن الشخص الذي تذكره ليست له مرجعية أو سلطة، فيعني ذلك أن أنه مخطئ.

لابد أن أنوه لنقطة مهمة، وهي أن كلمة السلطة والمرجعية لا أعني بهما المصطلحات الدارجة في مجتمعاتنا فقط، لا أقصد بالسلطة هنا سلطة البلد أو نفوذ الدولة فقط، ولا أقصد في المرجعية المرجعية الدينية فقط، بل الكلمتان شاملتان لأي شخص لديه سلطة أو مرجعية، فمن الممكن أن يكون شخصا (مثل عالم أو نجم في التمثيل أو رجل دين أو سياسي) أو محطة تلفزيونية (مثل سي إن إن أو قناة الديكسوفري)، أو مؤسسة أو شركة (مثل جوجل أو ماكنزي) وما إلى ذلك.

القاعدة العامة لهذه المغالطة: المرجع أ يعتقد أن ج صحيح. إذن ج صحيح. أو الشخص أ الذي هو ليس مرجعا  يعتقد ج صحيح، وبما أنه ليس بمرجع إذن ج خطأ.

شن: هل تعلمين يا طبقة، أن الفيتامين C إن أخذ بجرعات عالية يقضي على السرطان؟

طبقة: غير معقول، هل هناك دليل علمي على ذلك؟ مرض السرطان أنواع متعددة، فكيف للفيتامين سي أن يقضي عليها. لا أستطيع أن أصدق هذا الكلام من غير دراسات علمية.

شن: هل تعلمين من قال هذا الكلام؟

طبقة: من؟

شن: إنه العالم الكبير لاينس بولنج (Linus Pauling)، وهو الحائز على جائزتي نوبل، واحدة في الكيمياء، والثانية في السلام، لابد أن ما قاله صحيح.

 هذا النقاش الذي دار بين شن وطبقة مقتبس من معلومات حقيقة، لاينس بولنج كان عالما كبيرا جدا، وحاز على جائزتي نوبل، ويعد من كبار علماء الكيمياء وهو من أهم العلماء في القرن العشرين، وقد ادعى بقوة بتأثير الفيتامينات على صحة الجسم، ذكر أن الفيتامين C – إن أخذ بجرعات كبيرة – بإمكانه أن يشفي السرطان، ولكن هناك لغط كبير على الموضوع، والدراسات لم تصل إلى الحد الذي تثبت أو تنفي صحة تأثير الفيتامين C على السرطان، وانتقد الكثير من العلماء ما ذكره لاينس بولينج بتصريحه، وخصوصا أنه غير مختص بالسرطان. قد لا نعلم صحة أو خطأ لاينس، ولكن الفكرة الأساسية ليست إن كان ما ادعاه صحيحا أو خاطئا، الفكرة الأساسية أنه لا يمكن تأكيد صحة ما قاله لانيس لمجرد أنه حائز على جائزتي نوبل. صحة مثل هذا الموضوع تعتمد على التجربة العلمية المكررة والتي يتفق عليها مجموعة مع العلماء.

أو مثلا حينما تفتح القنوات التلفزيونية، وتجد أن ممثلا يمسك بفرشة أسنان، وبعد أن ينتهي من غسيل أضراسه ترى بريقا لامعا يموض من ضرسه الناصع البياض، ثم ينصحك باستخدم معجون أسنان من شركة كولجيت، الكثير من الناس تتجه لاستخدام هذا النوع من معجون الأسنان لأنها تأثرت بنجومية الممثل، من غير الانتباه إلى أن نجومية الممثل لا علاقة لها بحقيقة ما إذا كان معجون الأسنان هذا أفضل من غيره. فالممثل غير متخصص بصحة الأسنان، ولا المعجون كولجيت.

لابد أن ننتبه إلى أنه صحيح أن التوسل بالمرجع لا يعني بالضرورة صحة المعلومة، ولكن لا ننسى أن المختص يُعتمد على رأيه في يختص به، فهو ذو خبرة دقيقة في الموضوع الذي يعمل عليه، وهو متمرس فيه لفترة طويلة، فمثلا أنت تذهب للطبيب للعلاج بدلا من أن تعالج نفسك، أو أنت تذهب للمختص في الهندسة الإلكترونية ليصنع لك دائرة كهربائية، أو تتجه للعالم في البيلوجيا ليشرح لك كيف تعمل الخلية، وهكذا، المختص رأيه محترم فيما هو مختص فيه، ويمكنك أيضا الاعتماد على تصريحاته، ولكن لا يعني ذلك بالضروة أنه معصوم من الخطأ.

القصد الأساسي من مغالطة التوسل بالسلطة أو المرجعية، هو أن تدعي أن الرأي صحيح لمجرد صدوره من مرجع إن لم يكن مختصا بذلك العلم، فبذلك أن تستخدم سلطته الشخصية لإثبات صحة مبدأ معين، المشكلة أنه قد يكون ذلك المرجع مخطئا لأنه غير متخصص في المعلومات التي ذكرها، وكذلك قد يكون مخطئا أيضا عموما، لأنه إنسان غير معصوم. صحة المعلومة يجب أن تكون صحيحة بغض النظر عن المدعي، وإن كانت صحيحة فلا تحتاج لأن تعتمد على سلطة الشخص أو المرجعية لتثبيتها.

مغالطة التبسيط حتى السخف (Reductio Ad Absurdum)

التبسيط حتى السخف أو الاستحالة هي قاعدة منطقية صحيحة، وإن استخدمت بالشكل الصحيح يمكنها أن تفند معلومات خاطئة، ولكن المشكلة تحدث حينما يكون هناك استخدام خاطئ وشعبي لها. ماذا تعني هذه المغالطة؟ إنها تعني تحويل الجدلية المنطقية إلى نتيجة سخيفة أو مستحيلة بتبسيطها بحيث تثبت أن الجدلية خاطئة. لنأخذ مثالا بسيطا على الاستخدام الصحيح، ثم ننتقل للاستخدام الخاطئ لها.

شن: لقد صنعت روبوتا يستطيع أن يهزم أي منافس له في مصارعة الروبوتات.

طبقة: هل يعقل ذلك يا شن؟

شن: بالتأكيد، فالروبوت صنعته بدقة متناهية، ومن مواد غير قابلة للكسر، والطاقة التي تغذي الروبوت طاقة طويلة الأمد، وهو ذكي جدا، وهناك تفاصيل دقيقة أخرى تقنية سرية لا أريد أن أكشف عنها، ولكن من المؤكد أنه سيفوز على أي روبوت على الإطلاق.

طبقة: لو أن ما تقوله صحيح، وأن روبوتك رابح بأي حال من الأحوال، فذلك يعني أن لو صنعنا إثنان طبق الأصل منهما لما استطاع أي روبوت آخر أن يغلبهما، ولو أن ذلك صحيحا، فذلك يعني أنه لو أن الروبوتين  المتطابقين تباريا معا في مباراة، فإما أن يتعادلا، وهذا يعني أن جدلك خاطئ لأن روبوتك لم يغلب، وإذا تغلب أحدهما على الآخر فيعني ذلك أن أحدهما خسر، وأنت تدعي أن روبوتك حتما سيفوز، وبما أن كلاهما متطابقان، فيعني ذلك أن روبوتك يمكن التغلب عليه.

هذه الطريقة في تهشيم الجدل الذي طرحته طبقة إنما يعتمد على منطق التبسيط حتى الاستحالة، فما قامت به طبقة هو طرح مناقض للجدل المنطقي بحيث أصبح شيئا مستحيل الحدوث، فلا يمكن للروبوت أن يغلب آخر مطابق له، لأن أي خسارة لأي من الروبوتين هو نقض للمبدأ الذي طرحه شن. اختزلت طبقة الجدلية إلى تناقض، فربحت النقاش. وهذا يعد تحليلا منطقيا لا اعتراض عليه.

نحن نستخدم هذا الأسلوب في حياتنا اليومية، وكثيرا ما نستخدمه في بطريقة ساخرة، أسلوب مؤثر وقوي جدا، من غير أن نحس به، ولكن المشكلة أن الكثير من الاستخدامات الشعبية لا ترقى إلى النقض الفلسفي المنطقي، حتى وإن كانت تكسر حجج الطرف الآخر وتستسخف بآرائه، وتضحك الناس منه، ثم تسكته. حينما تحول القاعدة الفلسفية إلى سخرية وتهمل كل الأدلة حينها تصبح مغالطة.

لنأخذ بعض الأمثلة على هذا النوع:

شن: أنا لا أعتقد بنظرية التطور.

طبقة: لماذا؟

شن: لأنها لو كانت صحيحة لرأيت السمكة تتطور إلى سحلية، أو السحلية إلى قرد، أو القرد إلى إنسان، ولكني على مدى عمري كله لم أر هذا الشيء يحدث أمامي.

ما المشكلة في مثل هذا التحليل لشن؟ شن لم يكترث لأي دليل أو إثبات على نظرية التطور، وألغاها بافتراض كيفية عمل مختلفة للنظرية، ففند طريقته هو بالتفكير عن النظرية وليس النظرية ذاتها، فنظرية التطور، لا تفترض أن الحيوانات تنتقل من فصيلة إلى فصيلة خلال أعوام قليلة، ولا تفترض النظرية أن السمكة تتحول إلى سحلية، ولا السحلية إلى قرد، ولا القرد إلى إنسان، هنا قام شن بافتراض ما لم يكن موجودا إلا في مخيلته، وقام بتبسيطه واختزاله، ثم سخر من مبدأ التطور، الطريقة هي مؤثرة، ومن يستمع لشن ربما يعتقد أنه منطقي وصحيح، ولكن ما قام به ليس إلا مغالطة، وقد تُدرج هذه المغالطة أيضا تحت باب رجل القش، حيث أن شن لم يهاجم النظرية ذاتها، بل اخترع تصورا خاصا به عن النظرية (رجل القش)، ثم هجم على التصور، موهما طبقة بأنه هاجم النظرية.

حتى يصحح شن من طريقة التبسيط، عليه أن يعمل من خلال الفرضيات التي تقوم عليها مبادئ التطور، ثم يبسطها هي، ثم يبين التناقض، وبعد ذلك يفند النظرية. لاحظ الفرق بين نقاش الروبوتات ونقاش نظرية التطور، طبقة في الروبوتات استخدمت نفس افتراضات شن للوصول إلى تناقض، وتدرجت نقطة بنقطة، حتى وصلت إلى نقيض منطقي، أما في الحالة الثانية، شن أتى بافتراضات من عنده، وحتى أكون أكثر دقة، التفنيد الذي قامت به طبقة يمكن تحويله إلى قواعد رياضية بحتة في المنطق يمكن من خلالها تفنيد ادعاء شن، أما في نقاش نظرية التطور، لا يمكن استخدام القواعد الرياضية بنفس الطريقة.

مغالطة “البرهان من الجهل” (Argument from Ignorance)

شن: طبقة، هل تعتقدين أن العلم التجريبي يستطيع أن يفسر كل شيء؟

طبقة: لا أدري، قد يستطيع ان يفسر كل شيء، ولكني في الحقيقة لا أعرف الإجابة على هذا السؤال.

شن: ولكن أنت تعلمين أن العلم لم يُجِب على جميع الأسئلة بعد، وهناك الكثير من الأمور التي لم يستطع أن يكشف عنها إلى الآن وبوجود كل أدواته الهائلة، ألا يدل ذلك على أن العلم لن يستطيع أن يجيب على كل شيء.

طبقة: هل تستطيع أن تضرب مثلا على ذلك؟

شن: هل تعرفين ما هو الوعي؟

طبقة: نحن نعرف الوعي من خلال تجربنا الشخصية، ولكن “ما هو بالتحديد؟”، لا أظن أنني أعرف ذلك.

شن: صحيح، وكذلك العلم لا يعرف ما هو الوعي، فبكل التجارب التي أقامها، وحتى باستخدامه لعلم النفس، والبيولوجيا، وعلم الأعصاب، وغيرها من العلوم، إلا أنه لم يستطع أن يعرف ما هو، وهذا دليل على أن العلم غير قادر على تفسير كل شيء.

يحدث وأن الكثير من الناس تتناقش بهذه الطريقة، وأنا شخصيا أجد أن البعض يناقشني بنفس هذه الطريقة، ويعتمد على الإنطلاق من الجهل بالشيء لإثبات فرضية معينة، وهذه تعتبر مغالطة، فشن هنا لم يثبت أن العلم غير قادر على تفسير كل شيء، إنما أعتمد على جهل العلم بالشيء حاليا حتى يستدل على صحة فرضيته مستقبلا، صحيح أن العلم لم يعرف ما هو الوعي اليوم، ولكنه لا يعني أنه غير قادر على تفسير الوعي في المستقبل، غياب الدليل لا يعني أنه دليل الغياب.

ومن المهم أيضا أن نعرف أن القول بأنه “قد” يكتشف العلم الوعي، ويفسره تفسيرا جيدا في المستقبل،” لا يعني بالضرورة أيضا أن العلم قادر على ذلك، فقد نكتشف أن العلم غير قادر على تفسير الوعي، وقد يأتي بأدلة دقيقة تثبت عدم التمكن، فالجهل بالشيء لا يعطي معلومات لصالح أي من الطرفين، فكلا الطرفين ليست لديهم المعلومات الكافية للوصول إلى الدليل القاطع.

مثل هذه الإثباتات ليست إثباتات حقيقة، فلا هي تدل على أن العلم قادر، ولا تدل على أنه غير قادر، كلها تنطلق من الجهل. والانطلاق من الجهل لا يمكن الاعتماد عليه لتثبيت أي فكرة. انتبه من الأسئلة المستقبلية، كلها ملغومة، ولا تدل على شيء. ليس لأحد أن يجيب بدقة متناهية على الأسئلة المستقبلية، والكل يعتمد على الماضي لإضفاء تصوره عن المستقبل، فأنا من الممكن أن أقول أننا لم نكن نعرف وأصبحنا بفضل العلم عارفين، والبعض قد يستنجد في الماضي ليقول أن بعض العلماء كان يعتقدون أنهم شارفوا على الوصول إلى الحقائق النهائية، وإذا بهم يكتشفون أن الحقائق بئر عميق، كيف لنا أن نعرف؟ السبيل الوحيد لذلك هو أن لا نتوقف على المحاولة. وأن لا ندعي أن الدليل موجود باستخدام الجهل.

طبقة: “هل تستطيع أن تثبت أنه لا توجد أسماك في الطبقة العليا من الغلاف الجوي؟”

شن: “العلماء صعدوا إلى الفضاء الخارجي، ومروا بالطبقة العليا ولم يجدوا أي أسماك هناك.”

طبقة: “ولكن هل بحثوا في كل سم مكعب في الغلاف الجوي حتى على عدم وجودها؟”

شن: “لا طبعا.”

طبقة: “بما أنهم لم يثبوا بالدليل القاطع أن الأسماك لا تسبح في الطبقة العليا من الغلاف الجوي، إذن الأسماك موجودة هناك”

لاحظ أن هناك أمران آخران في هذه النقاش، وهما مرتبطان بمغالطة البرهان من الجهل، فبالإضافة لكوننا نجهل بعدم وجود دليل، لأن العلماء لم يمشطوا السماء شبرا شبرا، لقد نقلت طبقة ثقل الإثبات على شن، بدلا من أن تتحمل العبء هي بنفسها، فهي التي ادعت بوجود الأسماك، وهي المسؤولة عن إثبات وجودها هناك، فحينما تتناقش مع شخص إنتبه من نقل الثقل عليك، إذا ادعى أحدهم فرضية معينة، انتبه من أن يجعلك أنت تثبت خلاف ما يدعيه، لأنه سيستخدم مغالطة الجهل في النهاية.

الشيء الآخر، وهو أن الدليل على عدم وجود أسماك في الغلاف الجوي، لا يأتي بالضرورة من عدم رؤيتنا لها في الأجواء، فتركيز الاستدلال على طريقة واحدة قد لا يفي بالغرض، فمثلا من الممكن الاستدلال ببيولجيا الأسماء التي لا تستطيع أن تتنفس خارج الماء لفترات طويلة مثلا، أو من الممكن أن نقول أن أجسامها ليست بالخفة الكافية لكي تتعلق في السماء، وقد يكون وأن طبقة فعلا رأت أسماكا في الجو أثناء وجود إعصار جرفها من الماء، فالتبس عليها الأمر فاعتقدت أن الأسماك تطير وتساقطت من السماء، إذن، حينما تناقش أحدا، حاول أن تفكر في طرق أخرى لتفادي الإنحشار في زاوية واحدة.

مثل هذه الأمور أحيانا تحدث حينما يذكر لي البعض تطابق أحلامهم مع الواقع مثلا، أتذكر أني كنت جالسا في ديوانية، وذكر شخص أنه حلم عدة مرات بوفاة أشخاص من أقربائه، وإذا بهم يتوفون بعدها بعدة أيام، فيقول لي مثلا: “أن الحلم فعلا يتحقق، وهذا دليل على ذلك،” وحينما أصر على أن التزامن لا يعني التسبب أو الارتباط – فحلم الشخص بوفاة القريب لا يعني أن الأحلام أتت له لتنبؤه بالوفاة – يقول لي: “هل تستطيع أن تخبرني بالسبب إذن، لماذا حدث وأن توفي عدة أشخاص بعد أن حلمت بهم”، بطبيعة الحال أقول: “أنا لا أعرف الإجابة على ذلك، ليست لدي المعلومات الكافية لكي أجيب على الموضوع،” فتؤخذ إجابتي مباشرة على أنها تعني أن الأحلام أتت لتنبؤه بوفاة أقربائه لأني لم أستطع أن أثبت عكس ذلك.

كذلك، أتذكر أحد الأصدقاء قال لي أن الكثير من الأحيان يحدث وأنه يفكر في شيء، وإذا بهذا الشيء يتحقق، فمثلا كان يفكر – وهو جالس في مطعم – في أحد أصدقائه، وإذا بالصديق يأتي إليه ويسلم عليه، وقد حدثت له مثل هذه الأفكار عدة مرات، فافترض أن مثل هذه الأمور تحدث لأن الحدس أو قدرته على التنبؤ تأتيه بغتة، وحينما أقول له أنه قد يكون هناك تفسير آخر لتزامن مثل هذه الأحداث يقول لي: “حاول أن تفسرها، تفضل،” وبطبيعة الحال حينما لا تحدث هذه التجربة الشخصية أمامي لأراها بنفسي وبتجرد، لا أستطيع أن أجيب على مثل هذا السؤال، وإذا لم أعرف الإجابة، ينطلق الصديق من جهلي بالمعلومات إلى الاستدلال بصحة زعمه.

مغالطة كبيرة، جدا، وخصوصا أن هناك عدة احتمالات لحدوث مثل هذه الأحداث، ولم ينتبه لها صديقي، منها:

1. انتباه صديقي للحدث الذي تحقق وتركه باقي الأحداث التي لم تتحقق، فمثلا قد يفكر أو يحلم في الأصدقاء أو الأقرباء بين الحين والآخر، ولكن حينما يرى أو يتوفى من يفكر فيه يتأثر جدا بالموضوع، فيتذكر هذا الحدث ولا يتذكر كل المرات التي لم تتحقق أفكاره (وهذه مغالطة الانحياز التأكيدي، والانتقائية). التجارب الشخصية عادة ما تكون غير منضبطة، فلا يمكن تمييزها من العشوائية، فمثلا، لو أنه في كل مرة يفكر أو يحلم في شخص، وينتظر حتى يرى (لمدة محددة بالطبع) إن كان الشخص يظهر أمامه أو يموت، فيسجل عدد المرات التي ظهر ولم يظهر أمامه أو مات أو لم يمت الشخص الذي فكر فيه، عندئذ، بإمكانه حساب عدد مرات تحقق تبؤه بدقة، فقد يظهر وأنه مصيب 5% من المرات، ومخطئ 95%، وهذا سيعطيه الانطباع الصحيح عن إن كانت الأفكار أو الأحلام تتنبأ.

2. قد يكون وأن ذاكرته قد تأثرت، وهو لا يتذكر الحدث تماما، وهناك الكثير من الدراسات التي تبين كيف تتلوث الذاكرة بأفكار تحدث في المستقبل، لا بل الذاكرة ليست ثابتة وتتغير في كل مرة نتذكرها، وتتحول إلى معلومات جديدة عن ذكريات قديمة، فكيف يمكن الاعتماد على الذاكرة البحتة؟

وقد تكون هناك أمور أخرى يمكن أن تفسر الخطأ الذي يقع فيه المفترض أو المدعي، وكلها تحتاج إلى تجربة واضحة، لماذا لم أدع للاحتمال أنه قد يكون وأنه تنبأ في المستقبل؟ حينما نمر على جميع الاحتمالات، ونستطيع أن نثبت أن الحدث غير طبيعي، بعد ذلك، يستطيع أن يدعي أن الحدث خارق عن العادة، لماذا؟ هل تذكر ماذا كنت نصنع حينما يشتكي أحدهم من رؤية أشخاصا والحديث معهم؟ كنا نعتقد أنه ممسوس، أو أنه مجنون، أو أنه فعلا يرى أشخاصا، وأحيانا نعرضه للعذاب، والضرب، والعلاجات التقليدية المؤذية، اليوم بعض هذه الأمرض نحن نعرف تماما أنها أمراض عقلية، ومنها مرض الفصام، وبعد اكتشاف الفصام علميا استطعنا أن نعطي المريض حبة واحدة يوميا للتخلص من هذه الصور التي يراها، بذلك نبعد الأذى عنه هو، ومنه هو على أهله وأقربائه وأصدقائه. حينما نفسر الأمور بطريقة صحيحة نستطيع أن نستفيد منها لرفع المعاناة، وزيادة الازدهار لنا البشر.

أعود مرة أخرى للموضوع، وأذكّر أن لا تدع نفسك تنحشر في زاوية “إثبت العكس،” قد يوهمك أن هذه هي الطريقة الوحيدة لدحض الفكرة، أو أن عدم قدرتك على إثبات العكس يعني أن إدعاه صحيح. وإن قام بإثبات فرضيته من خلال عدم قدرتك على دحضها، أذكر له أن تلك لم تكن إلا مغالطة منطقية، وهي مغالطة البرهان من الجهل.

هذه كانت 3 مغالطات، وسنعود في المستقبل لذكر مغالطات أخرى.

Posted in Philosophy | Leave a comment

كيف تحول اختراعك من الصفر إلى منتج يتم تسويقه؟

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

أهلا وسهلا بكم في هذه الحلقة من السايوير بودكاست، هذه الحلقة تحتوي على مقابلتين مع ثلاث شخصيات رائعة في عالم الاختراعات والتصنيع، في المقابلة الأولى سنتحدث من صادق قاسم مخترع العرب سنة 2010، وفي الثانية أتحدث مع المهندسان أحمد الصالح وناصر الخالدي. محور الحديث في المقابلة الأولى هو كيف تحول اختراعك من الصفر إلى منتج يتم تسويقه، وهنا أتحدث عن كيفية تطوير الاختراع في دولة الكويت، قد تختلف الأمور في دولتك، ولكن لا يمنع أن تستفيد من الأفكار المطروحة وإن كانت محلية وخاصة لدولة الكويت.

أما في المقابلة الثانية، فسأتحدث مع البطلين أحمد الصالح وناصر الخالدي، فقد أنشأوا الفاب لاب، وهو مركز يستطيع أي شخص يعيش على أرض الكويت أن يستخدمه لتطوير أفكاره الإلكترونية والميكانيكية، المركز يحتوي على ورش كبيرة متكاملة لتطوير الأفكار إلى واقع.

لنستمع للمقابلة الأولى مع صادق قاسم، ثم نعود للاستماع لأحمد الصالح وناصر الخالدي.

(المقابلة الأولى)

ننتقل الآن لمقابلة أحمد الصالح وناصر الخالدي، من المهم أن أذكر قصة بسيطة، أن هذين البطلين كان لديهم حلم لإنشاء الفاب لاب، ولكنهم لم يُوفقوا لإنشاء هذه الورشة، وأُوصدت الكثير من الأبواب أمامهم، فكلما تقدما لعرض الفكرة أمام جهات لطلب الدعم رُفضت الفكرة، إلى أن توجه المهندسان إلى الدكتور عمر البناي مدير عام مركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع، وكما أخبروني أنه في خلال 15 دقيقة أقر عمرالبناي المشروع، وانطلق به، فشكرا لهما وله على الجهد الهائل وعلى الإصابة في القرار السريع، والذي هو مطلوب في الكثير من الأحيان في قيادي هذا الزمن.

للعلم المقابلة هذه قديمة، سجلتها قبل فترة، ولم تسنح لي الفرصة في إنزالها على السايوير، وخصوصا أنني كنت أود أن أقيم مقابلة مع د.عمر البناي، لم يحالفني الحظ في وقتها لظروف صحية له، وكذلك لي، ومع الوقت فقد الاتصال وابتعدت الفكرة، ولكنها عادت للنبض بعد أن فُعِّلت نشاطات معرض الاختراعات الدولي في الكويت قبل أيام بتاريخ 2013/11/19، وكنت محكما فيها، وارتفع لدي مستوى الحماس لإنزال المقابلة.

(المقابلة الثانية).

fablab

fablab2

Posted in Electrical & Electronics, Interview, Technology | 2 Comments

د. فيصل الصايغ يجيب على أسئلة المستمعين عن نظرية التطور 2

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

هذه هي الحلقة الثانية التي يجيب الدكتور فيصل الصايغ على أسئلة المستمعين حول نظرية التطور. وستكون هذه هي نهاية سلسلة المقابلات مع د. فيصل الصايغ عن نظرية التطور.

أهلا وسهلا بكم في السايوير بودكاست في هذه الحلقة سأكمل مشوار نظرية التطور من خلال مقابلة مع الدكتور فيصل الصايغ، وسأقدم الدكتور فيصل خلال المقابلة، ولكن من المهم أن أقدم الحلقة بتنويه مهم، وهو أن طرح النظرية لا يعني بالضرورة اقتناعك بها وتبنيها، ما سيتم طرحه وما طرحته في الحلقة السابقة هو علم من العلوم، كما أن النظرية النسبية الخاصة هي علم، والنظرية النسبية العامة هي علم، ونظرية الميكانيكا الكمية هي علم، ونظرية تكون الكون هي علم، والنظرية الذرية هي علم، كذلك نظرية التطور هي أيضا علم، ففيها أوراق علمية تعد بالمئات الآلاف، وكتبت فيه من الكتب الكثير الكثير، فكما أنني طرحت العلوم الأخرى في حلقات سابقة أقوم بطرح نظرية التطور أيضا من باب وجودها في باب من أبواب العلوم.

ربما تتصور أن من المطلوب بعد استماعك لهذه الحلقات أن تؤمن بنظرية التطور، وهذا الأمر ليس من أهداف الطرح، ولكن بالتأكيد أن واحدة من أهداف طرح نظرية التطور هي المعرفة، وأن تتابع هذه المعرفة بمحاولة القراءة واكتشاف النظرية بشكل أكبر، فإذا ما كنت تعتبر نظرية التطور خصما لك، فمن الواجب أن تعرف خصمك بشكل أفضل قبل أن تحاول الاعتراض عليه.

والمهم أيضا أن تعرف أن المناقشة في النظرية تطور من أجل كشف الخلل فيها لا يأتي بالمناقشة البسيطة بين الغير المتخصصين بل هي تحتاج للخوض في الأوراق العلمية والتي يقدر عددها 120,000 ورقة علمية فقط في الأكاديمية الوطنية للعلوم (بحسب إحصائية قديمة)، بالإضافة للأوراق الأخرى التي تعتمد على نظرية التطور في طياتها وهي تصل إلى حوالي 350,000 ورقة علمية، فتفنيد النظرية يأتي من خلال تلك الأوراق العلمية، أما محاولة تفنيد النظرية من مناقشات بسيطة ربما لن يأتي بالنتيجة التي يرجوها الخصم.

أعيد وأكرر أن الهدف هو أن نفهم النظرية، أما الاقتناع والتبني فهذا شأن خاص لكل شخص هو حر فيه، ويأتي بعد القراءة والتعلم، أما التفنيد الحقيقي يأتي من خلال دراسة النظرية في الصروح العلمية وبكتابة الأوراق من خلال التجربة العلمية الدقيقة.

لقد قسمت المقابلة إلى عدة أقسام، فأرجو من المستمعين تحمل تقطيع المقابلة، وهي في الحقيقة شيقة جدا، وفيها الكثير من المعلومات، وأحيانا كنت أجد صعوبة في إيقاف قطار المعلومات التي يمتلكها الدكتور فيصل الصايغ. ولكن سنكمل الجزء الثاني والثالث من المقابلة في الحلقات القادمة.

إذا كانت لديكم أستفسارات عن نظرية التطور فيمكنكم التواصل مع الدكتور فيصل الصايغ على الإيميل التالي

fsayegh63@gmail.com

Posted in Biology, Evolution | 1 Comment

د. فيصل الصايغ يجيب على أسئلة المستمعين عن نظرية التطور 1

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

في هذه الحلقة يجيب الدكتور فيصل الصايغ على أسئلة المستمعين حول نظرية التطور، وهذه ستكون الحلقة الأولى.

أهلا وسهلا بكم في السايوير بودكاست في هذه الحلقة سأكمل مشوار نظرية التطور من خلال مقابلة مع الدكتور فيصل الصايغ، وسأقدم الدكتور فيصل خلال المقابلة، ولكن من المهم أن أقدم الحلقة بتنويه مهم، وهو أن طرح النظرية لا يعني بالضرورة اقتناعك بها وتبنيها، ما سيتم طرحه وما طرحته في الحلقة السابقة هو علم من العلوم، كما أن النظرية النسبية الخاصة هي علم، والنظرية النسبية العامة هي علم، ونظرية الميكانيكا الكمية هي علم، ونظرية تكون الكون هي علم، والنظرية الذرية هي علم، كذلك نظرية التطور هي أيضا علم، ففيها أوراق علمية تعد بالمئات الآلاف، وكتبت فيه من الكتب الكثير الكثير، فكما أنني طرحت العلوم الأخرى في حلقات سابقة أقوم بطرح نظرية التطور أيضا من باب وجودها في باب من أبواب العلوم.

ربما تتصور أن من المطلوب بعد استماعك لهذه الحلقات أن تؤمن بنظرية التطور، وهذا الأمر ليس من أهداف الطرح، ولكن بالتأكيد أن واحدة من أهداف طرح نظرية التطور هي المعرفة، وأن تتابع هذه المعرفة بمحاولة القراءة واكتشاف النظرية بشكل أكبر، فإذا ما كنت تعتبر نظرية التطور خصما لك، فمن الواجب أن تعرف خصمك بشكل أفضل قبل أن تحاول الاعتراض عليه.

والمهم أيضا أن تعرف أن المناقشة في النظرية تطور من أجل كشف الخلل فيها لا يأتي بالمناقشة البسيطة بين الغير المتخصصين بل هي تحتاج للخوض في الأوراق العلمية والتي يقدر عددها 120,000 ورقة علمية فقط في الأكاديمية الوطنية للعلوم (بحسب إحصائية قديمة)، بالإضافة للأوراق الأخرى التي تعتمد على نظرية التطور في طياتها وهي تصل إلى حوالي 350,000 ورقة علمية، فتفنيد النظرية يأتي من خلال تلك الأوراق العلمية، أما محاولة تفنيد النظرية من مناقشات بسيطة ربما لن يأتي بالنتيجة التي يرجوها الخصم.

أعيد وأكرر أن الهدف هو أن نفهم النظرية، أما الاقتناع والتبني فهذا شأن خاص لكل شخص هو حر فيه، ويأتي بعد القراءة والتعلم، أما التفنيد الحقيقي يأتي من خلال دراسة النظرية في الصروح العلمية وبكتابة الأوراق من خلال التجربة العلمية الدقيقة.

لقد قسمت المقابلة إلى عدة أقسام، فأرجو من المستمعين تحمل تقطيع المقابلة، وهي في الحقيقة شيقة جدا، وفيها الكثير من المعلومات، وأحيانا كنت أجد صعوبة في إيقاف قطار المعلومات التي يمتلكها الدكتور فيصل الصايغ. ولكن سنكمل الجزء الثاني والثالث من المقابلة في الحلقات القادمة.

إذا كانت لديكم أستفسارات عن نظرية التطور فيمكنكم التواصل مع الدكتور فيصل الصايغ على الإيميل التالي

وفي النهاية أنا وعدت المستمعين بأني سأسأل أسئلتهم التي أرسلوها لي شاكرين، وسأقوم بذلك في النهاية بعد أن ننتهي من التعرف على النظرية والأدلة عليها، فاصبروا معي، وستكون أسئلتكم كلها موجودة إن شاء الله.

fsayegh63@gmail.com

Posted in Biology, Evolution | Leave a comment

الأدلة على نظرية التطور – مقابلة 2 مع الدكتور فيصل الصايغ

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

مرة أخرى نكمل مشوار نظرية التطور، وستكون هذه الحلقة عن تطور الإنسان، وسيقوم الدكتور فيصل الصايغ بطرح الأدلة على ذلك، د. فيصل الصايغ هو استاذ مشارك في كلية الطب في الكويت واستشاري في أمراض الدم. هذه هي الحلقة الثانية من المقابلة.

أقدم الحلقة بتنويه مهم، وهو أن طرح النظرية لا يعني بالضرورة اقتناعك بها وتبنيها، ما سيتم طرحه وما طرحته في الحلقة السابقة هو علم من العلوم، كما أن النظرية النسبية الخاصة هي علم، والنظرية النسبية العامة هي علم، ونظرية الميكانيكا الكمية هي علم، ونظرية تكون الكون هي علم، والنظرية الذرية هي علم، كذلك نظرية التطور هي أيضا علم، ففيها أوراق علمية تعد بالمئات الآلاف، وكتبت فيه من الكتب الكثير الكثير، فكما أنني طرحت العلوم الأخرى في حلقات سابقة أقوم بطرح نظرية التطور أيضا من باب وجودها في باب من أبواب العلوم.

ربما تتصور أن من المطلوب بعد استماعك لهذه الحلقات أن تؤمن بنظرية التطور، وهذا الأمر ليس من أهداف الطرح، ولكن بالتأكيد أن واحدة من أهداف طرح نظرية التطور هي المعرفة، وأن تتابع هذه المعرفة بمحاولة القراءة واكتشاف النظرية بشكل أكبر، فإذا ما كنت تعتبر نظرية التطور خصما لك، فمن الواجب أن تعرف خصمك بشكل أفضل قبل أن تحاول الاعتراض عليه.

والمهم أيضا أن تعرف أن المناقشة في النظرية تطور من أجل كشف الخلل فيها لا يأتي بالمناقشة البسيطة بين الغير المتخصصين بل هي تحتاج للخوض في الأوراق العلمية والتي يقدر عددها 120,000 ورقة علمية فقط في الأكاديمية الوطنية للعلوم (بحسب إحصائية قديمة)، بالإضافة للأوراق الأخرى التي تعتمد على نظرية التطور في طياتها وهي تصل إلى حوالي 350,000 ورقة علمية، فتفنيد النظرية يأتي من خلال تلك الأوراق العلمية، أما محاولة تفنيد النظرية من مناقشات بسيطة ربما لن يأتي بالنتيجة التي يرجوها الخصم.

أعيد وأكرر أن الهدف هو أن نفهم النظرية، أما الاقتناع والتبني فهذا شأن خاص لكل شخص هو حر فيه، ويأتي بعد القراءة والتعلم، أما التفنيد الحقيقي يأتي من خلال دراسة النظرية في الصروح العلمية وبكتابة الأوراق من خلال التجربة العلمية الدقيقة.

إذا كانت لديكم أستفسارات عن نظرية التطور فيمكنكم التواصل مع الدكتور فيصل الصايغ على الإيميل التالي

وفي النهاية أنا وعدت المستمعين بأني سأسأل أسئلتهم التي أرسلوها لي شاكرين، وسأقوم بذلك في النهاية بعد أن ننتهي من التعرف على النظرية والأدلة عليها، فاصبروا معي، وستكون أسئلتكم كلها موجودة إن شاء الله.

fsayegh63@gmail.com

Posted in Biology, Evolution | Leave a comment