القصة الملحمية… رحلة البطل

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

القصة هي أفضل طريقة لإيصال الأفكار للناس، القصة لها تأثيرا ساحرا عليهم، هي التي تجذب الناس للاستماع، وتبقيهم مستمعون، على العكس فإن سرد المعلومات كما هي لا يأتي بنفس قوة النتائج التي تأتي بها القصة، وقد بينت التجارب العديدة ذلك، القصة بدأت معنا منذ قديم الزمان، ولا تزال معنا إلى يومنا هذا تستخدم في جميع نواحي الحياة، وقد سمعت مقولة بأن القيادي الممتاز هو القيادي الذي يقص القصص الممتازة.

العلم كذلك مليء بالقصص، ولكن الناس عادة ما يتناقلون العلم بطرح جاف، فهم ينقلون المعلومات كما هي، يرمونها على الناس بإحصاءات ورسومات بيانية وقوانين رياضية وكلمات صعبة وأفكار معقدة، متجاهلين القصة التي أتت بها إلى هذه النتائج، فينفروا المستمعين عنهم، بإصابتهم بالملل السريع.

في هذه الحلقة سأبد بطرح أول قصة دونت في تاريخ البشرية، قد لا تكون هي أول قصة قيلت أو سردت، ولكنها كانت أول قصة كتبت على ألواح، وبقيت معنا عبر التاريخ إلى يومنا هذا، بعد ذلك سأبين إحدى أساليب السرد القصصي للأبطال، وسأبين تأثير القصة على الناس من الناحية العلمية، وفي النهاية سأتكلم عن القصة في العلم.

ملحمة جلجامش

ملحمة جلجامش تعد أقدم قصة في التاريخ تم تدوينها، كتبت هذه القصة على 12 لوحا على شكل أشعار، تأتي هذه الألواح بحجم 6 أو 7 إنش طولا وعرضا، وكتب عليها من الجابين، و يعتقد أنها كانت تقص على طلاب المدرسة قبل أكثر من 4000 عام.

اكتشفت هذه الألواح سنة 1853 عن طريق عالم آشوري من الموصل اسمه هرمز رسام، ثم ترجمت هذه الألواح لاحقا، وربما من أهم من ترجمها من اللغة الأكدية إلى الإنجليزية هو جورج سميث (وإن قام قبله آخرون بترجمة المكتوب، ولكنه جورج سميث نقل الترجمة نقلة نوعية)، حيث أنه هو كان أول من اكتشف قصة النبي نوح في هذه الألواح، بعد أن اكتشف القصة قال: “أنا أول رجل يقرأ هذا الشيء بعد أكثر من 2000 عام من النسيان”.

عاش جلجامش الملك حوالي ما بين سنة 2850 إلى 2700 قبل الميلاد في مدينة اسمها أوروك (الوركاء) في العراق حاليا، أو في السور سابقا، وتوفي بعمر 126 سنة، كان ملكا قويا جدا، وعالما وحكيما، وعُرف عنه أن أبوه إنسان وأمه آلهة. ولكنه عُرف بكون ثلثيه من بشر وثلث من الآلهة.

وحينما ترى النحت الذي نحت على هيئته ستراه وهو يحمل أسدا في يده اليسرى، ممسكا به من الرقبة، ومن هذه الصورة يمكن معرفة كم هو طويل القامة كبير الحجم بالمقارنة مع الناس الآخرين (وكأنه يمسك بقطة لحجمه الكبير بالمقارنة مع الأسد)، عرف عنه أنه قوي جدا، ولم يكن هناك رجلا واحدا يستطيع أن يتغلب عليه. هكذا وصفته القصة في المقدمة، وهي أيضا وصفته بكونه ظالما، حيث كان شعبه يخاف منه خوفا شديدا، وقد كان يدخلهم في حروب منهكة، وذكر عنه أنه حينما يتزوج الرجل كان يدخل على زوجته في الليلة الأولى.

gilgamesh

القصة

دعا عليه قومه الآلهة، أردوا أن يتخلصوا منه، فاستجابت لهم، استجاب لهم “آنو” وهو إله الآلهة، فاتفق هو وبقية الآلهة على خلق شخص يقابل جلجامش بقوته الكبيرة، فخلقوا “إنكيدو”. عاش إنكيدو في الغابة مع الحيوانات، يأكل من النباتات ويشرب من الماء، عاش عيشة الوحوش ودافع عنها.

في يوم من الأيام أتى صياد إلى الغابة ليصطاد الحيوانات كعادته، نصب فخاخه، وإذا به يرى إنكيدو، فدخل إلى قلبه الخوف الشديد من ضخامته وقوته وصوته المرعد، فرجع إلى أبيه، وأخبره بما رأى، وأخبره أيضا أنه كلما نصب فخا، أتى له إنكيدو فقطعه إربا إربا بقوته المذهلة. فأمره أبوه بأن يذهب إلى جلجامش، ليخبره بالمشكلة، وسيجد عنده الحل.

قابل الصياد جلجامش وأطلعه على خبر إنكيدو، فأمر جلجامش الصياد أن يأخذ معه “العاهرة المقدسة شامات” من معبد “إشتار” (بحسب ما قرأته بأن العاهرة كانت مقدسة وتعمل في المعبد، لا تسأل: “كيف يكون ذلك؟”، القصة أذكرها كما هي)، ثم طلب منه أن يأمرها بأن تنزع ثيابها، ليراها إنكيدو، ليرى مفاتنها، ثم ليدعهما معا.

ذهب الصياد مع شامات حتى وصلا إلى الغابة، وإذا بهم يرون إنكيدوا بعد أيام من الانتظار، وحينما اقترب انكيدو منهما، عملت بما أوصاها به جلجامش، فأعجب أنكيدو بها، فقضى معها 7 أيام وسبعة ليال، وبعد تلك الأيام إذا به ينكشف للحيوانات، فلم تعد تعرفه، وهربت منه، وفقد الكثير من قواه، ولم يستطع مجاراتها بالركض، وبالرغم من فقدانه لبعض مميزاته إلا أنه أصبح حكيما ومستنيرا.

طلبت منه شامات أن يأتي إلى مدينة أوروك معها ليترك الحياة الوحشية التي يعيشها، ولينتقل إلى الحياة المدنية، وطلبت منه أن يذهب إلى معبد إشتار، هناك سيتعرف على الملك جلجامش، الملك القوي، الذي هو بقوة الثور، السلطان على جميع الناس. فقبل ذلك، بشرط أن يذهب إلى جلجامش ويصارعه ليغلبه، فانطلقا معا إلى المدينة.

في تلك الأثناء حلم جلجامش بنجوم تسقط من السماء على الأرض، واحدة منها سقطت بالقرب منه، حاول أن يرفعها فلم يقدر، حاول أن يحركها فلم يقدر، فتجمع أهالي أوروك على الصخرة، فقبلوا رجلها، وكذلك أخذها هو بالأحضان، وعاملها كالصديق، واعتبرها مساوية له. أخبر أمه بالحلم الذي أقلقه، ففسرت له أمه آلهة الثيران الحلم، وأنه سيحصل على صديق يقف معه في الشدائد، صديق سوف ينقذه، صديق شديد القوة.

***

وصل إنكيدو وشامات إلى مدينة صغيرة قبل وصولهم أوروك، فلاحظ سكان المدينة انكيدو، فأعجبوا بهيئته الكبيرة وقوته الجسمانية، وبدى لهم كالصخرة التي سقطت من السماء، وعلموا أنه سيكون البطل الذي يخلصهم من جلجامش. قدموا له الخبز والخمر، ولكنه لم يكن يعرف ما الخبز ولا الخمر، فتوجس منهما، ولكنه أكل الخبز وشرب الخمر بعد أن طمأنته شمامات. ثم قام أهل المدينة بتسريح شعره الطويل وبتدليكه بالدهون. وفي المقابل قام انكيدو بحمايتهم من الأسود والذئاب، وبقي حارسا عليهم حين نومهم.

لاحظ انكيدو أن شابا يحمل الطعام وهو متجه إلى وجهة ما، ذهب إليه وسأله لمن ذلك الطعام، فأخبره أنه يتجه إلى حفل زواج، فمن عاداتهم أن تقام حلفة للمتزوجين، ويقدم لهم الطعام، ثم بعد ذلك يأتي جلجامش ليدخل على الزوجه قبل زوجها. فعضب انكيدو غضبا شديد لذلك، وقرر أن يواجهه، وأن لا يسمح له بالقيام بعمله المخجل.

توجه الجميع إلى الحفل، ودخلوا مدينة أوروك، فرآه الناس في المدينة، واجتمعوا حوله، ولاحظوا عليه القوة والضخامة، وعلموا أنه الوحيد الذي بإمكانه أن يواجه جلجامش. ذهب انكيدو إلى الحفل ووقف أمام الباب منتظرا قدومه.

أتى جلجامش إلى الحفل، فرأى أن انكيدو يصد الباب عنه، فغضب منه وطلب منه التحرك، فلم يستجب له، وبدأ الاثنان بالعراك، واهتز الحوائط من شدة الضربات، وقذف كل منهما الآخر بقوة شديدة، ولكن جلجامش تغلب على انكيدو، ووضع ركبته على جسده، فهدأ جلجامش، واعترف انكيدو له بقوته الكبيرة. ثم بكى انكيدو لفقدان قوته. واتخذه جلجامش صديقا عزيزا له بعد ذلك.

***

قرر جلجامش أن يذهب إلى الغابة، لقتال هومبابا، وهو الوحش الذي يحرس الغابة، وبعد قتاله سيقطع الأشجار ليأتي إلى قومه عزيزا شامخا، وقرر أن يأخذ معه انكيدو للمساعدة، فانكيدو يعرف الغابة جيدا، ولكن انكيدوا كان متخوفا من هومبابا خوفا شديدا. فهومبابا كان يتنفس النار، وصوته كالفيضان الهائل، وهو قادر على استماع أخف أصوات العشب في الغابة.

ولكن جلجامش لم يخف، وأصر على الذهاب رغم خوف انكيدو، فطلب جلجامش من الحدادين صناعة السلاح، وتجهز الاثنان للسفر، واستشاروا الناس قبل ذهابهم، فنصحوا جلجامش ألا يعتمد فقط على قوته، بل على علم انكيدوا بالغابة أيضا، ومع ذلك فقد حذروهم من الذهاب، ثم توجه جلجامش وإنكيدو إلى آلهة الشمس “شماش”، فطلبا منه المساعدة في قتالهم بدفع الهواء والزوابع لصالحهم من الجنوب والشمال والشرق والغرب. وكذلك فقد طلبت أم جلجامش من انكيدو أن يحميه من المخاطر.

انطلق جلجامش وانكيدو إلى الغابة على وجل، سافر الاثنان مع بعضهما أيام كثيرة ومسافات طويلة، وحلم جلجامش عدة مرات بأحلام مزعجة عن قتاله مع هومبابا، أخافته الأحلام كثيرا، ولكن انكيدو طمأنه بأن أحلامه لا تدل إلا على خير، وبعد كل ليلة من الأحلام أثناء السفر وتفسير انكيدو لها، اطمأن جلجامش.

وصل جلجامش وانكيدو إلى غابة الأرز التي كان يعيش فيها هومبابا، وعند وصلوهما إليها، بدأت المخاوف تدب في قلب إنكيدوا، وتغلغل الخوف إلى ذراعيه ورجليه، وطمأنه جلجامش، بأنهما معا، وأنه سيقاتلان جنبا إلى جنب.

توجه الاثنان إلى حيث كان هومبابا، واقتربا منه، فظهر لهما، وإذا به ذلك الوحش المخيف، تحدث معهما وحذرهما، وسفههما، فارتعد جلجامش من تهديد هومبابا، وسيطر انكيدو على مخاوفه، ودعا جلجامش لإزالة الخوف من قلبه، فاستقر جلجامش، وتوجه الاثنان بسرعة ناحية هومبابا بهجمة شرسة.

ضربت أرجلهم الأرض، فانشقت، وتصدعت الجبال، ثم بدأت الرياح بالتحرك لمساعدة جلجامش، حركها إله الشمس شماش، وتصارع البطلان بقوة إلى أن تمكنا من المسك بهومبابا، فإذا به يخر خوفا، ويطلب منهم المغفرة، ولكن انكيدو لم يقبل طلبه، وحرض جلجامش على قتله، فقتلاه، وقطعا رأسه.

قطع جلجامش وإنكيدو بعض الأشجار وحملوها معهما للرجوع إلى المدينة غانمين. فصنعا سفينة طوف من الأخشاب وركباها رجوعا.

***

أثناء رحلتهما رجوعا إلى المدينة، لاحظت “إشتار” آلهة الحب جلجامش، وأعجبت به، فطلبت منه تزوجها، ولكنه رفض، وأهانها إهانة كبيرة جدا، وبين سوء معاملتها لأزواجها السابقين، فغضبت غضبا شديدا، وانطلقت إلى السماء حيث كان أبيها آنو إله الآلهة موجودا، وبكت كثيرا، وأخبرته بإهانة جلجامش لها، ولكن أبوها عاتبها لكونها هي السبب في المشكلة، فلم ترضخ، ولم تعبه لكلام أبيها.

وطلبت منه ثور السماء، حتى تقتل به جلجامش، وإن لم يرضخ لطلبها ستقوم بتدمير البشرية كلها، بإحياء الموتى ليأكلوهم كلهم، فأخبرها أبوها أنه إن أطلق الثور ستكون هناك سبع سنوات عجاف في أوروك، وسيكون قبلها سبع سنوات سمان، فهل جهزت إشتار المحاصيل؟ فأخبرته إشتار أنها جهزت المحاصيل الكافية. فقبل أبوها بأن يعطيها الثور.

أنزلت إشتار الثور إلى الأرض، فشرب الثور الكثير من الماء على الأرض فجفت، وشرب ماء الفرات، فانخفض الماء كثيرا، فتنفس الثور فانشقت الأرض، وسقط فيها 200 رجل. فتنفس مرة أخرى فانشقت الأرض وكاد أن يسقط فيها إنكيدو، ولكنه قفز قبل أن يقع في جوفها وأمسك بقرنيه، فتصارع انكيدو وجلجامش مع الثور، وقتلاه بالسيف، ومزقا قلبه، وقدماه لإله الشمس شماش كأضحية، فغضبت إشتار لقتلهما الثور، ودعت عليهما بالثبور والويل، فقطع إنكيدو قطعة من الثور وقذفها على وجهها، وهلل الناس لانتصارهما.

***

أفاق انكيدو من النوم في يوم من الأيام، وقد حلم حلما أزعجه كثيرا، حيث رأى الآلهة مجتمعة بعد قتلهما هومبابا والثور، وقرروا أن ينتقموا مما قام به جلجامش وإنكيدو، وكانت نتيجة القرار أن يموت انكيدو ويبقى جلجامش. أخبر انكيدو جلجامش بالحلم، ففهم جلجامش تفسيره وتضايق كثيرا، ودعا الآلهة له كثيرا لكي لا يموت، ولكن لم تستجاب أدعيته.

دبت أعراض المرض في انكيدو، ازداد المرض شدة تدريجيا يوما بعد يوم حتى اليوم الحادي عشر، وتنفس نفسه الأخير ثم توفي من مرآى جلجامش، فحزن عليه حزنا شديدا، وبكى كثيرا، ودعا له كثيرا، وطلب من أهل المدينة أن ينحتوا له تمثالا.

بعد ذلك بدأ جلجامش بالتفكير بنفسه، إن أصاب الموت إنكيدو، فلابد أنه سيصيبه هو أيضا، إنه سيموت يوما ما، فلم يتقبل جانبه البشري، ولم يتقبل بأنه زائل، فقرر أن يبحث عن أكسير الحياة، وتجهز للذهاب إلى أتنابيشتوم الخالد الذي أعطي الحياة الأبدية بعد الفيضان العظيم، ليخبره عن سر بقائه حيا.

غادر جلجامش المدينة، وانطلق متجها إلى اتنابيشتم، توجه إلى الغابة، ونام هناك ليصحو وحوله الأسود، فقاتلها، وقتلها، ثم أكلها. سار في الغابة أياما طويلة، إلى أن وصل إلى جبل بقمتين، حيث كان يحرس الممر عقربان كبيران مخيفان ، نظرتهما كانت تدلان على الموت، فخاطب العقربين جلجامش، وسألاه عن سبب حضوره إلى هذا المكان، فقال لهما أنه يبحث عن أتنابيشتوم، فأخبراه أنه لم يستطع أحدا الوصول إليه في السابق، فلم يستطع أحدا تجاوز الممر المظلم بين الجبلين، نظر العقربان إلى حالة جلجامش المزرية بسبب سفره الطويل، فتعاطفا معه، وسمحا له بالمرور.

دخل جلجامش بين الجبلين، فأصبحت السماء مظلمة، ومشي في الظلام ساعات وساعات، ثم ركض لساعات في وسط الظلام الدامس، لم يستطع أن يرى أمامه أو خلفه، إلى أن فرجت، وفي نهاية الممر وجد النور مرة أخرى، وعند تلك النقطة وجد حديقة الآلهة، هناك رأى إله الشمس شماش بهيئته الجميلة، فعطف عليه شماش لحالته الرثة. وتحدث معه قليلا، ثم غادر جلجامش الحديقة.

وصل جلجامش إلى منزل بجانب البحر، وكانت هناك امرأة تصنع الخمر في ذلك البيت، فخافت منه لهيئته السيئة، حاول جلجامش دخول بيتها ولكنها أوصدت الباب، وبالرغم من أنه كان قادرا على كسره، إلا أنه تحدث معها بدلا من أن يستخدم قوته، فأخبرها أنه جلجامش ملك أوروك، ولكنها لم تصدقه، لأنه لم يبدو بهيئة الملوك، فقد ذابت جلدته من التعب، فأخبرها عن بحثه عن الحياة الخالدة، وعن أتنابيشتوم، وطلب منها أن تخبره عن الوجهة التي تؤدي إليه، فأطلعته على الطريق، ولكنها حذرته من تجاوز البحر الذي يؤدي إلى أتنابيشتوم، حيث أن قطرة واحدة منه ستقتله، وأخبرته أيضا عن “أورشنابي” الذي لديه قارب، فهو بإمكانه مساعدته باستخدام الصخور التي تنقل الناس عبر ذلك البحر المميت.

توجه جلجامش إلى الغابة، وأكمل الطريق إلى أورشنابي، فلما رآه اعتقد أن جلجامش سيستخدم السلاح ضده، فرفع أورشنابي فأسه ليضرب جلجامش، فأمسك جلجامش بيد أورشنابي، وضرب الصخور التي كانت حوله، فتهشمت، توقف جلجامش بعد أن عرف أورشنابي بنفسه، وعلم بأن جلجامش أراد أن يعبر البحر، ولكن المشكلة الآن أن جلجامش حطم الصخور التي كانت تنقله عبر بحر الموت، ولم يعد هناك سوى طريقة واحدة للانتقال.

طلب أورشنابي من جلجامش أن يقطع 300 عصاة من الشجر بطول محدد، ففعل ذلك، وأحضرها جميعا، فركبا السفينة، وعبرا الماء إلى أن وصلا إلى بحر الموت، ثم أنزل جلجامش عصاة تلو الأخرى في العمق ليدفع بالسفينة إلى الأمام، وفي كل مرة يدفع باستخدام عصاة كان يتخلص منها، وذلك حتى لا يلمس الماء الذي تشرب فيها يده، وهكذا إلى أن وصلا إلى الضفة.

***

وجدا رجلا كبيرا في السن، فسأله جلجامش عن أتنابيشتوم، الرجل الذي عاش حياة أبدية بعد الفيضان الكبير، وأنه يريد أن يعرف كيف حصل على الحياة الأبدية الخالدة. وبعد أن تبدلا الحديث عن صداقته مع إنكيدو وقتلهما هومبابا وثور السماء، ثم وفاة إنكيدو وحزن جلجامش عليه، وبحثه عن أتنابيشتوم وقطعه المسافات الطويلة والمغامرات الكثيرة، وبخه الرجل على تركه لكل ما كان لديه من حياة طيبة في مقابل مغامرة مضنية.

نظر جلجامش إلى الرجل، فشعر بأنه هو أتنابيشتوم، إنه هو الرجل الذي كان يبحث عنه، فهدده بأنه سوف يصارعه من أجل السر، سر الحياة.

بدأ أتنابيشتوم بسرد قصته على جلجامش. عاش أتنابيشتوم في مدينة “شوروبا” القريبة من الفرات، كانت المدينة قديمة، وكانت الآلهة تعيش فيها، ولكن الناس أصبحوا أشرارا فيها، فغضبت الآلهة لشرورهم، ولذا قررت أن تغرق الأرض بمطر عظيم لمحوهم جميعا، فأخفوا سر الفيضان عنهم، وحلفوا أن لا يطلعوا أحدا على الخطة.

“إيا” آلهة الحكمة، لم تخبر أحدا من الناس ولكنها كانت ذكية، فقد تحدثت مع سياج منزل أتنابيشتوم، حتى يسمعها بطريقة غير مباشرة، طلبت من السياج أن يحذره من الفيضان، وأن يأمره بصناعة سفينة كبيرة، وأن يترك كل ممتلكاته، فنفذ أتنابيشتوم أوامرها، وسألها، ما عساه أن يخبر الناس حينما يكتشفون بأنه يجهز سفينة؟ فردت عليه بأن يخبرهم أن الآلهة غاضبة عليه، وهم الذين طلبوا منه الخروج من المدينة.

قام أهل المدينة بمساعدة أتنابيشتوم بصناعة سفينة كبيرة، إلى أن اكتملت، ثم أنزلوها في النهر بجهد كبير، فجمع الحيوانات كلها فيها.

بعد ذلك بدأت الآلهة بإنزال العواصف والرعد والبرق والمطر، وأصبحت السماء مظلمة، وهطلت الأمطار، وفاضت الأرض، حاول الناس الهروب ولكنهم وماتوا جميعا، وحتى الآلهة خافت خوفا شديدا من هول المشهد، فتوجهت إلى السماء، وحزنت مما فعلت، وندمت على فعلتها، وبكت على موت البشر. بقيت العواصف والأمطار تنهطل لسبعة أيام، ثم هدأت الرياح بعد ذلك، وهدأت معها المياه، وظهرت الشمس مرة أخرى.

بحث أتنابيشتوم عن أرض لينزل السفينة عليها، ولكنه لم يجدها، وبعد إبحار وجد جبلا فأرسى السفينة عليه، وبقي على الجبل لسبعة أيام، فبعث بحمامة، فإن عادت فذلك يعني أن الماء لا يزال يغطي الأرض، وأنها لم تجد أرضا لتستقر عليه، وإذا بها تعود مرة أخرى، ثم أرسل طائر السنونو وهو أيضا عاد، بعد ذلك أرسل غرابا، فطار بعيدا، ولم يعد مرة أخرى. فعلم أن الأرض ابتلعت الماء، فذبح أضحية للآلهة، وأعجبت الآلهة برائحة الذبيحة، وأتت إليه للمشاركة في الوليمة.

غضبت الآلهة لاكتشافهم أن أشخاصا نجوا من الفيضان، كان من المفروض أن يموت الجميع، وعلموا أن “إيا” كانت هي السبب في كشف السر، ولكنها سبقتهم وبخت الآلهة لفعلهم المشين، فكيف لهم أن يمحو البشر كلهم؟ فلماذا لم ينزلوا العذاب على المستحق فقط؟ ولماذا لم يرحموا غير المستحق؟ لماذا لم يرسلوا الأسود أو الذئاب لأكل المذنب؟ لماذا لم يصيبوا المذنبين فقط بمجاعة تقضي عليهم؟ ربما كان توبيخها دفاعا عن موقفها لحماية أتنابيشتوم من الفيضان، ثم طلبت منهم أن يقرروا ما سيفعلوه به هو وزوجته، فقررت الآلهة أن يعطوهما الحياة الخالدة، ليصبحا كالآلهة، وقرروا أن يبعدوهما عن باقي البشر، ونقلوهما بعيدا.

***

بعد أن سرد أتنابيشتوم قصته لجلجامش، سأله من من الآلهة سيدافع عنه؟ من سيعطيه الحياة الخالدة؟ ثم بعد ذلك أراد أتنابيشتوم أن يختبر جلجامش، ليرى إن كان يستطيع أن يبقى يقضا لمدة ستة أيام وسبعة ليال، كما كان هو في السفينة كل تلك المدة، ولكن بمجرد جلوس جلجامش على الأرض فإذا بالنعاس يتغلب عليه، فلم يستطع أن يقاوم، ونام.

طلبت زوجة أتنابيشتوم منه أن يفيقه من النوم ليرجع إلى بلده، ولكنه رفض، وأخبرها إن فعل ذلك لن يصدق جلجامش أنه نام، فقرر أن يدعه ينام إلى أن يفيق بنفسه، حتى يثبت له أنه نام فعلا.

طلب أتنابيشتوم من زوجته أن تصنع له خبزة لكل يوم يمر على جلجاميش وهو نائم، وأن تضع الخبز بجانب رأسه، مع مرور كل يوم من الأيام كان الخبز يتعفن، وكل مستوى من التعفن سيدل على المدة التي نام فيها جلجامش. في اليوم السابع كانت الخبزة الأولى متعفنة كثيرا، والخبزة الأخيرة كانت طازجة.

أفاق جلجامش من النوم، فسأله أتنابيشتوم عن المدة التي لبثها في النوم، فرد عليه أنه أغلق عينيه للحظة بسيطة حتى أفاقه أتنابيشتوم ، لم يكن ليصدق جلجامش أنه نام طويلا حتى أراه أتنابيشتوم الخبز على مدى الأيام السابقة، كل بدرجة عفنه بحسب عدد الأيام.

بعد ذلك طلب أتنابيشتوم من أورشنابي إرجاع جلجامش من حيث أتى، وطلب من أورشنابي أن لا يعود بعد أن كشف مكانه، فأخذ أتنابيشتوم جلجامش وفي الطريق أخبره على سر نبات الآلهة، وهو النبات الذي يعطي الشخص الحياة الخالدة، المشكلة كانت تكمن في أن النبات هذا في عمق البحر، وعليه أشواك كثيرة، من يقدر أن يمسك به رغم شوكه سيمتلك الحياة الخالدة.

ربط جلجامش أحجارا ثقيلة برجليه وغاص في البحر، وبحث عن النبتة، فوجدها، وأمسك بها رغم أشواكها، وأخرجها من الماء، ثم قرر أن يعود بها إلى المدينة ليفتخر بها أمام الملأ، ثم ليأكلها أمامهم ليصبح شابا مرة أخرى، سيحيى إلى الأبد، ولكنه أثناء العودة ذهب ليسبح في الماء، وإذا بثعبان يشتم رائحة النبتة، فأتى لها وأخذها وزحف بعيدا بها، وترك خلفه جلده القديم، حينما عاد جلجامش واكتشف أن النبتة أخذت بكى كثيرا ووبخ نفسه وتحسر على الجهد الكبير الذي بذله من أجل الحياة، ورجع إلى مدينته خالي اليدين.

هذه كانت قصة جلجامش، وإن كانت هناك بقية في اللوح الثاني عشر، إلا أنه لا يرتبط بتسلسل القصة هذه، وتذهب القصة الأخيرة لرحلة غريبة لجلجامش وإنكيدو خارج نطاق تسلسل القصة التي ذكرتها. أعتذر من اختصار القصة وإزالة الحوارات التي فيها، كذلك فإن القصة تحتوي على التكرار، وغرائب كثيرة في أسلوب الكتابة، ولكن ما ذكرته هو مجمل قصة جلجامش.

أقوى القصص

ربما شاهدت الكثير من الأفلام السينمائية، قد تكون شاهدت فيلم حرب النجوم مثلا، أو ربما سيد الخواتم، أو فيلم سبايدرمان، أو الميتركس، أو حتى الكثير من الأفلام غير الخيالية، أو قد تكون قرأت قصصا وأعجبت ببطلها، الكثير من هذه القصص تعتمد على منهج أساسي لتطوير شخصية البطل، يطلق عليها باسم “رحلة البطل” وكذلك Monomyth، أسس لمبادئها جوزيف كامبل في كتابه: “البطل بألف وجه” أو “البطل الذي يمتلك ألف وجه” (The Hero with a Thousand Faces)، وهو الأسلوب الرئيسي لهوليوود في قصصها البطولية.

قام جوزيف كامبل بتكوين هذه المبادئ استنادا على قراءاته للتاريخ، من قصص الشخصيات الأسطورية، أو الأنبياء، أو الرسل وغيرهم على مدى آلاف السنين، وحدد الملامح المهمة في رحلة الشخص العادي من حياته العادية حتى أن يصبح بطلا. وسأمر على هذه المحطات الأساسية بسرعة:

1. يبدأ بطل القصة عادة في عالم اعتيادي، وهو بنفسه شخص اعتيادي في ذلك العالم.

2. يأتيه نداء لمغامرة، يكون في تلك المغامرة تحد أو مشكلة.

3. يتردد البطل في البداية، ويكون خائفا لأنه سيواجه مصاعبا كبيرة.

4. يتم تشجيع البطل عن طريق حكيم أو شخصية فوقية، تقدم له النصائح والتدريب، ولكن هذه الشخصية لا تستطيع أن تساعده في جميع المراحل، أحيانا يحتاج البطل أن يواجه المصاعب بنفسه.

5. يتعدى البطل المرحلة الأولى بدخوله إلى عالم جديد، وهنا تبدأ مغامرته. يدخل إلى عالم جديد تختلف ظروفه، وهي غير مألوفة بالنسبة له.

6. يواجه البطل المصاعب والاختبارات والتحديات، وفي نفس الوقت يستعين بمساعدين.

7. بعد ذلك يدخل البطل إلى أصعب وأخطر المراحل في هذه الرحلة، وربما يواجه الموت، بالنسبة لنا المشاهدين أو المتابعين لهذه الأحداث، لن نراها، نحن ننتظر خروج البطل من تلك الظلمات والمصاعب، وربما سنظن أنه مات، وربما يموت ثم يحيى مرة أخرى.

8. بعد نجاة البطل من الموت أو المصاعب، يحوز على كنز أو جائزة، قد تكون هذه الجائزة شيء مادي مثل سيف، أو شيء معنوي مثل العلم أو الحب مثلا، فيخرج بها إلى عالمه. ولابد لأن ينتبه لأن هناك من قد يسرق منه هذا الكنز، وقد يدخل في مغامرة أخرى أثناء رجوعه إلى قومه بالجائزة.

9. يتغير البطل من أثر المصاعب ويتحول إلى شخص آخر، لقد أصبح شخصية أخرى تختلف عن تلك التي بدأت في بداية القصة، ينظر للعالم بطريقة مختلفة، حتى وإن عاد ليعيش حياته الاعتيادية، إلا أنه شخص غير اعتيادي بعد هذه التجربة.

10. بعد ذلك قد يغير العالم الذي يعيش فيه باستخدام تلك الجائزة التي حصل عليها.

حاول أن تتذكر قصص الأنبياء ستجد أن الكثير منهم خطى بهذه الخطى، ربما لن يمر الشخص بكل هذه المراحل بالترتيب أو بنفس الطريقة بالضبط، ولكن ستجد بعض هذه الخطوات جلية في مسيرتهم. حتى قصة جلجامش كانت من هذا النوع، ربما في ما عدا كونه شخصا عاديا في البداية.

تأثير القصة على الناس

لقد تناقل البشر قصة جلجامش على مدى التاريخ، بل إن العلماء اكتشفوا عدة ألواح تعود لفترات مختلفة لنفس القصة، أي أن الحضارات المختلفة دونتها على مر التاريخ، لم تكن حضارة واحدة بل عدة حضارات احتفظت بها، وإلى يومنا هذا، بقيت بعض ملامح القصة هنا وهناك، لماذا هذا الاهتمام في تناقل القصص؟ ببساطة لأن القصة هي طريقة محببة لتناقل المعلومات، المخ يعشق القصة، ويتفاعل معها بأسلوب مختلف عن نقل المعلومات بغيرها.

الدراسات تبين أنه حينما نذكر فكرة معينة كما هي من غير طرحها بأسلوب قصصي، فإن المخ لا يتفاعل معها كما يتفاعل مع القصة، فالقصة تجعل الشخص يعيش أحداث الفكرة، ويتفاعل معها كما يتفاعل مع الحقائق.

استمع لما سأقوله الآن: “السياسة مأخوذة من ساس، أو هو مأخوذ منها، على خلاف بين النحوين، ومضارع الفعل يسوس، أي إن المادة واوية، كما نص على ذلك السرقسطي، موردا الكلمة تحت (فعل) بالواو سالما، و(فعل) معتلا، واصطلاحا تعني رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وتعرف إجرائيا حسب هارولد لاسويل بأنها دراسة السلطة التي تحدد من يحصل على ماذا متى وكيف”

هل فقدت سلسلة أفكارك أثناء استماعك لهذه الجمل؟ يحق لك ذلك، فمخك لم يتفاعل معها بالكامل.

الآن استمع للتالي: “بعد أن فشلت سعاد في اختبار مادة السياسة ركبت آلة الزمن ورجعت ثلاثة أيام إلى الماضي إلى غرفتها حيثما كانت تدرس للاختبار، انتهزت فرصة خروجها من الغرفة لشرب الماء، وقبل أن تعود سعاد الماضي إلى الغرفة دخلت سعاد المستقبل بسرعة، وزرعت عدة إجابات للأسئلة التي أتت في الاختبار، فذكرت في واحدة من الأوراق: السياسة مأخوذة من ساس، وفعلها المضارع يسوس. وخطت بخط فسفوري الجمل المهمة في الكتاب، حتى تركز عليها حينما تعود لقراءتها.

“سمعت سعاد صوت أقدامها تقترب من الغرفة، فاستعجلت وتركت آخر ورقة وفيها التفصيل: السياسة تعني اصطلاحا…”، هل أكملت معي استماع هذه القصة؟ هل سئمت منها كما سئمت المعلومات التي سبقتها؟

ما الذي حدث في مخك حينما استمعت للقصتين؟ حينما ذكرت لك المعلومات الجافة في البداية اشتعلت لديك منطقتين في المخ، الأولى يطلق عليها بروكا (Broca) والأخرى هي ويرنيك (Wernicke)، هذه المناطق مسؤولة عن معالجة اللغة والمعاني في المخ، ولكن لما استمعت للقصة اشتعلت لديك مناطق الحركة في المخ بالإضافة للمنطقتين المختصتين باللغة والمعاني، فأصبحت مشاركا في الأحداث بدلا من أن تكون مراقبا لها فقط، أي أن المخ يقوم بنمذجة القصة بداخل المخ كما يقوم الكمبيوتر بإنشاء العالم الافتراضي. فرق بين القصة وبين أن تسرد المعلومات كما هي.

وقد أقيمت عدة دراسات باستخدام الإف إم آر آي (fMRI) تبين تأثير القصة على مجموعة من الأشخاص، وتبين أن هذا هو ما يحدث بالضبط. من هذه الدراسات نشرت واحدة في مجلة علم الأعصاب (Neuroscience)، وقد أقيمت الدراسة سنة 2006 على مجموعة من الأشخاص.

هناك أيضا دراسات تبين أن الأشخاص الذين يقرأون القصص لديهم قدرة أكبر على الفهم الآخرين والتعاطف معهم عن أولئك الذين لا يقرأون القصص، دراستان نشرت بهذا الصدد سنة 2006 وكذلك سنة 2009 للدكتور كيث أوتلي (Keith Oately)، وهو المختص في السيكولوجيا الإدراكية من جامعة تورونتو.

وكذلك فإن العلماء اكتشفوا أن الأطفال الذين تُقرأ لهم القصص تتطور لديهم ما يسمى بنظرية العقل (نظرية العقل على عجالة هي قدرة الشخص على أن يضفي خاصية العقل للآخرين، حينما تتفاعل مع الغير فأنت تتفاعل معه على أساس أن لديه معتقدات ورغبات وعلم ونوايا تختلف عن معتقداتك ورغباتك وعلمك ونواياك، نحن نعلم أن لدى الآخر عقلا، لأننا نعرف أنفسنا من الداخل، فنضفي صفة العقل للآخرين لأننا نسقط تجربتنا الخاصة الداخلية عليهم، وحينما نقوم بذلك نستطيع أن نفهمهم أكثر، ونتنبأ بما يفكرون به، وما سيقومون به، نحن نستخدم هذا الأمر دائما في حياتنا مع الآخرين حينما نقرأ ما بين السطور في تفكيرهم، أو حينما نتألم لتألمهم، فنحن لا نشعر بألمهم مباشرة، بل نحن نحس بما يحس به الآخرون من خلال فهمنا لحالتهم العقلية، وعلى الجانب الآخر من عدم فهم نظرية العقل تجد الأطفال المتوحدون، فمنهم من لا يفهم بماذا يفكر الطرف الآخر، ولا يحس بما يحس به الآخرون).

ولهذا أنا دائما أحث على قراءة القصص وفي أي باب كانت (وإن كنت من عشاق الخيال العلمي شخصيا)، فالقصص ليست فقط ممتعة، بل هي مفيدة جدا أي كان نوعها، وأتذكر ما ذكره الفيلسوف المعاصر د. ماسيمو بيليوتشي حول القصة، حيث يعتبر القصص كالتجارب الذهنية، فهي تجر الشخص للتفكير بالأشياء، فربما لا يستطيع أن يطبقها مباشرة في الواقع، فيدرس احتمالاتها، ويجربها بداخل ذهنه.

العلم والقصة

العلم لا يعتمد القصة أو السرد القصصي لإثبات النظريات، بل يعتمد على التجارب العلمية الدقيقة المكررة. وقد ذكرت هذا الشيء مرارا وتكرارا، سواء في البودكاست أو في المحاضرات أو التسجيلات الصوتية هنا وهناك. فمثلا لا يمكن للعالم أن يأتي ويقول: “بعد أن أكل خالي البطيخ شفي من مرض السرطان، وهذا دليل على أن أكل البطيخ يشفي السرطان،” أو أن يقول: “بعد أن لبست حذاء نايكي اكتشفت أنني وصلت إلى العمل بسرعة أكبر، وهذا دليل على أن حذاء نايكي يزيد من سرعة الخطوات،” مثل هذه التجارب الشخصية يطلق عليها باصطلاح “السرد القصصي”، ولا يعتد بها أبدا.

قد يبدأ العالم بهذه الفرضيات، ويفترض أن البطيخ يعالج السرطان، أو أن الحذاء يوصل بسرعة، ولكنه، وبعد ذلك ينطلق إلى القيام بالتجارب العلمية، ثم يقوم بحسابات رياضية وإحصاءات، وغيرها، ثم ينشرها ليكررها غيره ويتأكد منها العلماء الآخرين ليتم مناقشتها، ثم تأكيد العلماء المعلومات يستطيع أن يؤكد صحة نظريته، أما أن يدعي الادعاءات الأولى فلن تكون لادعاءاته قيمة علمية أو عملية.

هذا النوع من السرد القصصي منبوذ في عالم العلم الدقيق، ولكن ما أتحدث عنه في هذه الحلقة ليس هو الوصول إلى النتائج العلمية باستخدام القصة، إنما أتحدث عن نشر الفكرة أو في هذه الحالة العلوم الصحيحة باستخدام القصة، أي إن بعد أن أصبحت الفكرة ناضجة علميا، يتم نشرها بأسلوب قصصي جذاب.

وإلا إن نشرت بطريقة سردية مملة مليئة بالأرقام والإحصاءات والصور الإنفوغرافية، وما إلى ذلك، فلن يكون للعلم لذة. قد يستمتع به العالماء، لأنهم أصبحوا مدربين على ذلك، وأصبحوا يحبون اللغة المعقدة، ولكن إن أردنا توسعة رقعة محبي العلم فلن تكون هذه الطريقة مجدية.

العلم يحتوي على عدة مواد يمكن الاستفادة منها لطرحها بأسلوب قصصي:

1. فهناك قصصا شخصية ارتبطت بالعلم، ففي الحلقة السابقة ذكرت قصة هنري ملايسون، وهي قصة حقيقة لمريض أصيب بالصرع، ومن خلال إزالة أجزاء من مخه فقد قدرته على تذكر الأحداث الحديثة، هنري كان أحد أهم الأسباب الرئيسية لتطور المعرفة المتعلقة بالذاكرة، هذه كانت قصة مؤثرة جدا، وفيها تجارب قيمة، ولعل من سمع الحلقة انجذب لها بشكل كبير، هل تتذكر قصة هنرياتا لاكس الجميلة أيضا؟ الامرأة التي أنقذت ولا تزال تنقذ البشر من الأمراض، هذه كانت واحدة من الحلقات الأولى في البودكاست، قصتها مؤثرة جدا، وفيها من العلم ما ساهم في إنقاذ وتحسين حياة البشر جميعا، ومن خلال تلك القصص يمكن إيصال العلم بأسلوب شيق، وسيحبه الناس.

2. هناك العديد أيضا من التجارب – حتى البسيطة منها – كلها جميلة ومؤثرة، إن ذكرت ستكون لها قوة جاذبة، ومؤثرة عليه. ليست بالضرورة أن تكون هناك معاناة كما في قصة هنري ملايسون أو هنرياتا لاكس، ولكن التجربة بما هي كتجربة تكفي لأن تكون قصة مؤثرة، وقد استخدمت هذا الأسلوب في الطرح في كل حلقاتي تقريبا، سردت العديد من التجارب العلمية بحيث أربط النتيجة التي توصل لها العلماء بالطريقة التي أوصلتهم لهذه النتائج، فالتجربة هي قصة، ولها سحرها الخاص. منها التجارب على البشر، ومنها التجارب على الحيوانات، ومنا التجارب على الجمادات (الفلكية وغيرها مثلا).

3. هناك أيضا طريقة عمل الأشياء، هذه يمكن أيضا أن تكون قصة، خذ على سبيل المثال من روائع القصص في عالم الحيوان كيفية تربية أو عدم تربية طير الواق واق لصغاره، طائر أقل ما يقال عنه أنه عجيب، يأتي لأعشاش طيور أخرى، ثم يبيض في هذه الأعشاش بيضه في وسط بيض الطير الآخر، ثم يهجرها ليسافر بعيدا عنها. فيفقس بيضه أسرع من بيض الطير الآخر، ويخرج الكتكوت الصغير وليس عليه ريشة واحدة، ثم يبدأ بحمل بيض الطير الآخر قبل أن يفقس على ظهره، ويرفعه إلى الأعلى بجهد كبير، إلى أن يوصله إلى فوهة العش، ثم يرمي به من أعلى الشجرة، لينكسر، فيرميها واحدة تلو الأخرى، حتى لا يبقى في العش غيره، فينمو فيه، ويغذيه الأبوان المتبنيان المغفلان، وقد يصبح أكبر منهم جسمانيا بكثير، حتى إذا ما تمكن من الطيران غادر العش، وهاجر بعيدا جدا، إلى أن يكبر، ثم يعود مرة أخرى باحثا عن نفس الأعشاش، ليبض فيها هو ويجدد دورة التبني من جديد، الغريب في هذا الطائر أن كل نوع منه يبيض في أعشاش مختلفة لطيور مختلفة، وكل من هذه الطيور تبيض بيضا ألوانه مختلفة، ومع ذلك تجد أن كل نوع من الواق واق يبيض بيضا تتشابه ألوانه مع ألوان بيض الطائر المتبني، كيف حدث ذلك؟ كيف يفسر علماء التطور هذه الإمكانية لطائرة الواق واق؟ هذه قصة أخرى جميلة ومبهرة جدا. إذن، آلية عمل الأشياء هي أيضا قصص جميلة، وسردها جاذب للمستمع.

4. هناك أيضا قصص العلماء، فهم أيضا عانوا الكثير من المصاعب لكي يصلوا إلى نتيجة علمية مهمة، من منا لا يحب أن يستمع إلى معاناة الآخرين، وكيف تغلبوا على المصاعب للوصول إلى الأهداف؟ هذه القصص وإن لم يكن لها قيمة مباشرة على المعلومات العلمية إلا أنها دافع كبير للمستمع لأن يتمنى أن يكون مثلهم، ويرى نفسه فيهم، وربما يدفعه يوما ما لأن يجتهد كما اجتهدوا. من منا لا يحب أن يعرف كيف توصل آينشتاين إلى نظرياته في مكتب براءة الاختراع البسيط (حينما تقرأ قصة آينشتاين تستشعر بعض نقاط جوزيف كامبل في رحلة البطل)، من منا لا يود أن يعرف معاناة ستيفن هوكنج في مرضه الذي أوصله جثة هامدة على كرسيه، ولكنه رغما عن ذلك فكر بأعظم الأفكار الكونية؟ مثل هذه القصص تعطي دافعا لكل الناس للعمل بجدية أكبر في السلك العلمي.

5. هناك القصص التاريخية لتطور العلم، كيف كان؟ وكيف أصبح؟ ماذا كان العلماء يعتقدون في السابق؟ وماذا يعتقدون الآن؟ العلم تسلسل، ومر بمراحل حتى وصل إلى القوة التي هو عليها الآن، كل هذه التطورات التكنولوجية المذهلة لم تكن لتأتي لولا أنها مرت بمنخفضات ومرتفعات تاريخية، المرور بهذه المراحل هي أيضا قصص، وذكرها هو أيضا جذاب.

البعض قد يظن أنني نحوت إلى جانب الأدب في السايوير، وكأنما الحلقات السابقة كانت خالية منه، لقد تناسى القصص الخيالية التي ألفتها وسردتها في السابق، ربما كان هناك جانب أدبي بداخلي، فقد قرأت الكثير من قصص الخيال العلمي في مسيرة حياتي، وقرأت الكثير من الكتب التي تشرح كيفية كتابة القصة، قد تميل هذه الحلقة إلى الأدب مع هدف نقل العلم بواحدة من أساليبه، وحتى ننقل العلم للناس لابد من استخدام أفضل أدوات تناقل المعلومات، فكل منا بداخله نسيج من الأدب والعلم وغيرها من الأفكار، وكلنا نحب القصة، ونتأثر بها أشد التأثر. لذلك نحتاج أن نغرس العلم في أذهان الناس باستخدامها.

المصادر:

1. Gilgamesh, The New Translation, Gerald J. Davis

2. The Epic of Gilgamesh A Gragment of the Gilgamesh Legend in Old-Babylonian Cuneiform, Stephen Langdon

3. The Epic ofGilgamesh, John Harris

4. The Epic of Gilgamesh, The Podcast History of Our World

5. The Hero with a Thousand Faces, The Collected Works of Joseph Campbell

6. The Science of Storytelling: What Listening to a Story Does to Our Brains

7. Your Brain on Fiction, The New York Times.

Posted in History | Leave a comment

كيف نحسب الوقت؟

speaker_icon disk
ipod

how we measure time

مقدمة

بداية، أود الاعتذار عن الإطالة في تقديم حلقة جديدة من السايوير بودكاست، الظروف لم تسمح، المشاغل في هذا الوقت أصبحت كثيرة ومتنوعة، وإن كان الكثير منها يصب في العلم، إلا أنها شغلتني كثيرا.

أود كذلك أن أشكر الجميع على متابعة حلقات البودكاست السابقة وإن أصبحت قديمة، الغريب أنني حينما أتحقق من أرقام إنزال الحلقات أكتشف أنكم لا تزالون تنزلون الحلقات بشغف، رغم مرور وقت طويل على آخر حلقة، وهذا الأمر يسعدني، لأنه يؤكد على ثلاث أشياء، وهي، أولا، ولاؤكم للبودكاست، وحبكم وشغفكم في العلم، وثانيا، بحسب ظني أن المعلومات التي أعددتها للبودكاست محبكة بأسلوب يجعل المستمع يعود لها كمرجع علمي يمكن الاعتماد عليه (وإن لم يكن ليخلو من الأخطاء بين الحين والآخر)، وهذا أيضا هو شيء مفرح بالنسبة لي. ولكم جزيل الشكر على الثقة التي أعطيتموني إياها، وثالثا، البودكاست لا يزال يستقطب الكثير من المستمعين الجدد. فشكرا لهم أيضا.

نعود الآن لموضوع الحلقة، سأتحدث في هذه الحلقة عن قياس الوقت، أو حساب الوقت، لحساب الوقت أهمية كبيرة جدا في حياتنا، بالوقت نستطيع أن ننظم حركة الحياة بمجملها، فالمواعيد الشخصية والالتزام بها يحتاج لمعرفة الوقت، والملاحة تعتمد على الوقت، ومعرفة مواقيت الفصول يعتمد على الوقت، والعبادات أيضا تعتمد على الوقت، حتى الحسابات الفيزيائية تعتمد بشكل أساسي على الوقت، من السرعات والعجلة، والجاذبية وغيرها، بل إن حتى الجسم يعرف بمرور الوقت، فأنت تصحو من النوم بتواقيت معينة، وتعلم الفرق بين مرور الدقائق والساعات.

بالرغم من أن الوقت مهم في حياتنا إلا أننا لا نعرف ما هو الزمن من الناحية الفيزيائية، وليس هناك تعريف واضح للوقت بحد ذاته، فنحن نقوم بقياس مرور الوقت، ولكننا لا نعرف ما هي الثانية أو الدقيقة أو الساعة؟ وكذلك كيف يتم قياس الوقت داخليا في المخ؟ أنت تقوم من النوم في تواقيت معينة، وتعلم كم مر من الوقت عليك نسبيا، ولكن كيف تعلم بذلك؟

سأتحدث عن هذه الموضوع في هذه الحلقة، لن أتطرق كثيرا لمفهوم الزمن، ولكن سيكون التركيز على حساب الوقت.

ما هي مرجعية الوقت؟

الساعة الآن هي 10:00 مساء، عرفت ذلك من النظر إلى ساعتي، ساعتي دقيقة جدا، فهي تعتمد على ذبذبات الكوارتز لمعرفة الوقت بدقة، وهي تتأخر ثانية واحدة وعشر الثانية كل سنة تقريبا، لا بأس فذلك تغير طفيف بالنسبة لي، ولكن هناك ساعات أدق منها بكثير، فهناك مثلا الساعة الذرية، فقد تتأخر هذه الساعة، والتي تستخدمها بريطانيا، بقدر ثانية واحدة كل 138 مليون سنة، وأما التي تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية والتي أطلقت سنة 2014 فهي تخطئ بقدر ثانية واحدة كل 300 مليون سنة، ولكن هناك ساعات حديثة يعمل عليها العلماء في المختبر وتستطيع أن تقيس الوقت بدقة أكبر من ذلك، حيث أنها تفقد ثانية واحدة كل 5 مليار سنة، وهذه المدة هي أطول من عدد السنوات التي تكونت فيها المجموعة الشمسية. بل هناك أيضا ساعة يعمل عليها العلماء حاليا تخطئ ثانية واحدة كل 30 مليار سنة، وهو أكبر من عمر الكون الذي نعيش فيه.

كل هذه الساعات، كل هذه الحسابات الدقيقة، كيف عرف العلماء بصحتها؟ كيف عرفوا مقدار الفترة الزمنية للثانية الواحدة؟ فكر قليلا في السؤال، ما هو المرجع للثانية الواحدة؟ فالمتر له مرجع، فهو المسافة التي يقطعها الضوء في الفراغ خلال الفترة الزمنية 1/299,792,458 ثانية (أي جزء واحد من سرعة الضوء)، وكذلك فإن الكيلو غرام له مرجع، فالكيلو غرام الواحد تتساوى كتلته مع النموذج العالمي للكيلو غرام، وهي كتلة مكونة من مادتي بلاتينيوم بقدر 90?، والباقي هو إريديوم (ويبدو أنه سيكون هناك اجتماعا هذا العام لتغيير تعريف الكتلة لتكون أكثر دقة معتمدة على ثابت بلانك).

من هذا يتبين أن المتر والكتلة كلاهما عبارة عن تعريفين، ومن خلال الضوء نستطيع أن نعرف المتر، ومن خلال كتلة محددة تم تعريف الكيلوغرام، ولو أن أحدا أراد أن يعرف بدقة متناهية ما إذا كان طول الشيء الذي يقيسه هو مترا واحدا، فيستطيع أن يرجع للتعريف، ويقوم بقياساته الدقيقة باستخدام الضوء مثلا ليعرف النتيجة، وكذلك بالنسبة للكيلو، إن أردنا أن نعرف ما إذا كان الذي نقوم بقياسه هو كيلوغراما واحدا نستطيع أن نقيم مقارنة مع النموذج العالمي.

لنأتي إلى الثانية، ما هو تعريفها، وكيف يمكن للعلماء أن يصنعوا شيئا يخبرنا بقدرها بحيث نستطيع أن نعرف أن ما مر من وقت هو ثانية بالضبط؟

لاحظ، أنه حينما تقود سيارتك وتنظر إلى عدادات لوحة القيادة لوجدت أنها تقول أن السرعة هي 100 كيلومترا في الساعة مثلا، أي أن السيارة تستطيع قطع 100 كيلو متر واحد خلال ساعة واحدة، وفي خلال ساعتين ستكون قد قطعت 200 كيلومتر (وهكذا إن لم تكن هناك عراقيل تبطئ السيارة في الحركة). إذن، السرعة هي المسافة المقطوعة خلال فترة زمنية ومعينة. فالسرعة هي أن التحرك خلال الفضاء نسبة إلى الوقت.

الوقت يمر أيضا، ولكن الوقت يمر خلال ماذا؟ هل نستطيع القول أنه قد مر خلال ساعة مثلا؟ بالطبع لا، فلا معنى لأن يمر الوقت خلال الوقت كما قلنا في السرعة، إذن حينما يقيس الناس الوقت علام يستندون كوجه للمقارنة، حينما نقول أن ساعة مرت على تسوقي أو رياضتي، كيف نعرف أن ساعة مرت بالفعل؟

في الحقيقة، ليس هناك شيء محدد ومميز كالمتر والكيلوغرام يمكن مقارنة الوقت به، بل إن كل الساعات في العالم تعتمد على المقارنة مع بعضها البعض، فحينما نقول أن الساعة الآن هي الواحدة ظهرا ودقيقتين وخمس ثوان، وندعي أن الوقت هذا هو دقيق للغاية، فنحن نقصد أن الوقت بالمقارنة مع الساعات الأخرى هو كذلك، فليس هناك مرجعا له، ولذلك فإن الثانية هي تعريف لمرور قدر ما من الوقت. شيء محير أليس كذلك؟

ساعات تقيس الوقت

بعد أن علمنا أن الوقت هو شيء مُقارَن، نتساءل كيف يتم صناعة شيء يقيس الوقت؟ نحن نعرف عن المزولة الشمسية،، فهي تعتمد على الظل الناشئ من موقع الشمس، حينما تدور الأرض حول نفسها ستبدو لنا الشمس ظاهريا وكأنها هي التي تتحرك، لتشرق ثم تمر عبر السماء إلى أن تغرب، وحينما نقوم بوضع أداة قائمة على الأرض، ونتابع حركة الظل، نستطيع معرفة الوقت، ويمكن تقسيم المزولة إلى أقسام مختلفة للحصول على عدة ساعات خلال اليوم.

ولكن المزولة ليست دقيقة بما فيه الكفاية، وهي أيضا تعتمد على موقعها وارتفاعها من الأرض وعلى حركة الشمس التي تختلف من سنة إلى سنة، فأدق مزولة على الأرض وهي SINE SOLE SILEO، وهي موجودة في منطقة “ميوتا ميوغل” Muottas Muragl في سويسرا، وهي قادرة على حساب الوقت بدقة 10 ثوان كحد أدنى (بحسب زعمهم).

أنت تلبس الساعة، وهي تقيس الوقت، إنها دقيقة جدا، لأنها تعتمد على الكوارتز، وقد ذكرت سابقا أنها تتأخر بقدر ثانية وعشر الثانية في السنة الواحدة، كيف لهم أن يحرزوا مثل هذه الدقة، كيف تعمل ساعة الكوارتز؟

مادة الكوارتز عبارة عن ثاني أكسيد السيليكون الكريستالي، أي أنه يتكون من ذرتي أكسجين وذرة سيليكون، لهذا الكريستال خاصية تسمى بالكهرباء الانضغاطية (Piezoelectric)، حينما يتم الضغط على الكوارتز فإن شحنة كهربائية صغيرة جدا تتكون على أطرافه، ولو كانت هذه الشحنة كافية لأضأنا بها ضوء صغيرا. وكذلك فإن العكس أيضا صحيح، فحينما يعرض الكوارتز لشحنة كهربائية فإنه ينضغط، وحينما يتوقف ضخ الشحنة الكهربائية خلاله يعود للتمدد.

قبل أن أشرح فكرة عمل ساعة من الكوارتز، لابد أن نفهم فكرة الشوكة الرنانة، قد تكون رأيتها في مختبر الفيزياء في الثانوية العامة، وهي عبارة عن قطعة معدنية على شكل حرف U، وأسفل الحرف هناك مقبض للمسك بها، حينما نطرق هذه الشوكة فإنها تتذبذب بتردد معين، وهو تردج ثابت بحسب خصائص الشوكة.

حتى يمكن الاستفادة من خاصية في الكوارتز الانقباضية والانبساطية، يقوم العلماء بصناعة شوكة منه، ثم يعرض الكوارتز لتيار متردد (ينطفئ ويشتغل) مرة تلو الأخرى بسرعة كبيرة، فينغط وينبسط الكوارتز بتردد ثابت، وهذا التردد هو 32,768 مرة في الثانية الواحدة (هذا بالنسبة للساعات الحالية، حيث الساعة القديمة ربما لم تكن تتذبذب شوكاتها بنفس السرعة). وتقوم بعد ذلك دائرة كهربائية بعد هذه الذبذبات، ومنها يمكن معرفة الثانية الواحدة.

هذه هي فكرة الساعة الكوارتز، وهي فكرة عبقرية، لم تأت من فراغ، بل مرت بمراحل بدأت من البندول والزنبرك الملتف، وغيرها من البندولات الأخرى، إلى أن وصلت إلى الكوارتز. ولكن ما نريد أن نستلهم من هذه الساعة هي فكرة الذبذبة، وهي الفكرة التي تعتمد عليها الساعات الأخرى الأكثر تعقيدا.

فالساعة الذرية أيضا تعتمد على تردد الموجود في الذرات، وتستخلص هذه الترددات بطرق معقدة جدا يطول شرحها، ومن خلال معرفة الترددات يمكن معرفة الوقت، وكلما كانت الترداد أكثر في الثانية الواحدة، كلما كانت الساعة أكثر دقة، لن أخوض في الساعات الذرية، لأنها معقدة جدا، وتعتمد على الذرات والإلكترونات والأشعة والليزر وما إلى ذلك.

مشكلة الوقت

بعد أن علمنا كيفية حساب الوقت، وعلمنا أن الوقت ليس له تعريف واضح، نأتي لمشكلة أخرى في الوقت أو الزمن، حيث أنه نسبي، فليس هناك ثبات للزمن لكل المراقبين، فالثانية بالنسبة لي تختلف عن الثانية بالنسبة للشخص الذي يقود السيارة وكذلك بالنسبة للشخص الذي يقود الطائرة أو الذي يركب المركبة الفضائية، فلو أن حسن وأيمن كل منهما لبس ساعة دقيقة جدا، وقاما بتعيير الساعتين ليتطابق الوقت بينهما، وانطلق حسن في مركبة فضائية بسرعة ورجع إلى أيمن، سنجد أن الساعة على يد حسن متأخرة عن ساعة أيمن، وربما يصل التأخر إلى عدة سنوات، وقد يكون وأن ساعة واحدة من الزمان فاتت على حسن، بينما كبر أيمن عدة سنوات، هذا إن لم يشخ أيمن ويصبح أبا ثم جدا، وربما توفي منذ زمن بعيد، وقد تحدثت عن ذلك في حلقة النسبية الخاصة، تستطيع الرجوع لها لفهم الفكرة من وراء هذه الفروقات.

وكذلك فإن الزمن يختلف على الأرض منه على المريخ أو بجانب الشمس، وهو أيضا يختلف حينما يكون الجسم بالقرب من الثقب الأسود، حتى بالنسبة لرواد الفضاء فالوقت يختلف بالنسبة لهم بحسب قربهم أو بعدهم من الأرض، فالجاذبية أيضا تؤثر على مرور الوقت، فمن يكون على الأرض يمر الوقت عليه بتباطؤ، بينما في السماء حيث الجاذبية أقل فإن الوقت يمر بسرعة أكبر.

إذا لم تشاهد فيلم “انترستلر” أنصحك أن تقدم البودكاست قليلا لأني سأفصح عن إحدى أهم الأحداث فيها، تستطيع أن تنتقل الآن.

إحدى أهم النقاط التي ركز عليها فيلم انترستلر هو اختلاف الوقت بالنسبة للناظرين المختلفين، وقد كرروا هذه المعلومة العلمية عدة مرات شفاهة، فذكروا أنه حينما يكون المراقب بالقرب من جاذبية عالية وآخر في جاذبية منخفضة، فإن الجسم الذي يكون عن الجاذبية العالية يمر عليه الوقت ببطء شديد بالمقارنة مع الذي يتأثر بالجاذبية المنخفضة. حينما ظهر المشهد الذي يبين هذه الفكرة استغرب الحاضرون (كما لاحظت أثناء تواجدي في السنيما).

ما حدث هو أن العلماء قرروا الذهاب إلى كوكب قريب من ثقب أسود، على أن يبقى شخص واحد في المركبة الأم بعيدهم عنهم (أي في جاذبية منخفضة)، فقال لهم العالم الذي قرر البقاء أنهم سيذهبون إلى الكوكب لدقائق، ولكنه سينتظرهم في المركبة لمدة سنوات، فقرر أن يقضي هذه السنوات في دراسة الثقب الأسود.

بعد أن نزلوا إلى الكوكب واجه العلماء ظرفا طارئا فأرغمهم على البقاء مدة أطول في الكوكب، وحينما سنحت الفرصة للعودة إلى المركبة الأم، وفتحوا الأبواب بعدما وصلوا لها، فإذا بالعالم الذي انتظر رجوعهم كان يرحب بهم ببرود وتثاقل شديدين، وبدت على لحيته بقع من الشعر الأبيض، وصرح لهم أنه انتظرهم 23 وعشرون سنة في المركبة، بينما لم يمر على العلماء الذين نزلوا إلى سطح الكوكب سوى عدد قليل من الساعات. مشهد مذهل أثارني بشدة رغم معرفتي العلمية بهذه الموضوع.

كل هذه الفروقات الزمنية التي تمليها النظرية النسبية الخاصة والعامة لآينشتاين هي حقيقية، وليست مجرد تغيير في الأجهزة الإلكترونية التي تقيس الوقت بسبب السرعة أو الجاذبية، بل إن كل ما يدور حولك يتغير، فنبضات قلبك ونمو خلايا جسدك تتغير بحسب السرعة والجاذبية. شيء عجيب للغاية، ولكنه مثبت علميا ومجرب في المختبرات بما لا يدع مجالا لأي شك.

أجهزة الملاحة وقياس الوقت

لم يبق إلا القليل من الناس الذين لا يمتلكون أجهزة الملاحة، فأنت وإن لم تكن لتمتلك جهازا مخصصا لمعرفة الموقع، ولكنك بالتأكيد تمتلك هذه التقنية في جهاز الهاتف الذكي، فهو الذي يقدم لك معلومات عن موقعك على الخريطة، وهو الذي يسجل هذه المعلومات على الصور التي تنزلها على الإنترنت، وهو الذي يحدد موقعك ليعلم أصدقاءك على الفيسبوك أين أنت، وقد تستخدمه أيضا في الطريق للاستدلال على المناطق.

هذه التكنولوجيا تعتمد وبشكل أساسي على حساب الوقت من خلال 24 ستالاياتا يدور حول الأرض على مدار الساعة. إحدى وعشرون منها ملاحية وثلاثة احتياط. كل واحدة منها تدور دورة كاملة كل 12 ساعة. لقد قام العلماء بحساب مساراتها وإطلاقها بحيث تكون هناك أربع ساتالايتات على الأقل ظاهرة مرئيا على أي بقعة من بقاع الأرض وفي أي لحظة.

على متن كل ستالايت ساعة ذرية دقيقة جدا، وهي تقوم بحساب الوقت، حينما يلتقط جهاز الملاحة الموجود معك الإشارة القادمة من القمر الصناعي، فإنه يلتقط توقيت الساعة وكذلك موقع القمر الصناعي، ومن خلال معرفة الوقت الذي تستغرقه الإشارة للوصول من القمر إلى جهاز الملاحة (والتي هي بسرعة الضوء)، وباستخدام عدة أقمار صناعية يمكن للجهاز حساب موقعك بدقة كبيرة، هكذا يحسب المكان وسرعة الحركة.

ولكن الساعة الذرية هذه تختلف في حسابها للوقت بالمقارنة بالساعات الذرية على الكرة الأرضية، فالأربعة وعشرون ساعة بالنسبة لها تختلف عن الأربعة وعشرون ساعة بالنسبة للساعة الأرضية بقدر 38 ميكرو ثانية (أو 38 جزء من مليون من الثانية)، لا ننسى تأثير النظرية النسبية الخاصة والعامة على الزمن. لذلك عير العلماء الساعة على كل الأقمار الصناعية لتسير بقدر 38 ميكرو ثانية أبطأ لكل يوم واحد من الساعات الأرضية.

ثمان وثلاثون جزء من مليون من الثانية من يوم واحد! ما السبب في وجود هذا الفارق الزمني؟ يأتي هذا الفارق لسببين، ويعود السببان إلى نظرية آينشتاين النسبية الخاصة وأيضا النسبية العامة. فبسبب سرعة حركة القمر الصناعي في دورانه على الأرض (14,000 كيلومترا/ساعة) تتباطأ الساعة بقدر 7 ميكرو ثانية، هذا بالنسبة لقانون النسبية الخاصة، أما بالنسبة للنسبية العامة، وبسبب وجود الجاذبية، فإن الوقت يتسارع بقدر 45 ميكرو ثانية، أي أن الحالة الأولى تتسبب في تأخر الوقت، والثانية في تقدمه، وحينما نحسب الفرق نجد أن المحصلة النهائية هي 38 ميكرو ثانية.

أوووه! ما الفرق؟ فـ 38 جزء من مليون من الثانية لن يؤثر كثيرا، أليس كذلك؟ إن كنت تظن أن هذا الفارق البسيط لا يؤثر فاعلم أنه لولا استخدام نظريتي آينشتين، لكانت الأقمار الصناعية – بتأخرها بقدر 38 ميكرو ثانية – تزداد أخطاؤها بقدر 10 كيلومترات يوميا، فلو بدأت اليوم بأخذ موقعك باستخدام جهاز الملاحة، ثم أتيت بعد أسبوع في نفس المكان وأخذت قراءة أخرى، فسيخبرك الجهاز أنك تبعد عن موقعك بقدر 70 كيلومتر، لن يمكن الاستفادة من هذه المعلومات، وكل هذا بسبب هذا الفارق الذي لا يكاد يذكر.

إذن، لولا وجود نظريات آينشتاين والذي تبين اختلاف الوقت بحسب الحركة والجاذبية لن نتمكن من حساب المسافة بالشكل الصحيح.

قبل قليل ذكرت أن هناك ساعة تخطأ بقدر ثانية واحدة كل 5 مليارات عام، ولأن الساعة بهذا المستوى من الدقة سيكون هناك تأثيرا مباشرا للنسبية العامة عليها، فلو أننا وضعنا هذه الساعة على الأرض، وأخرى شبيهة بها على الحائط بارتفاع امتداد اليد فوق الرأس، فإن الوقت سيمر بسرعة أكبر في الأعلى، ولتأخرت التي على الحائط بنسبة بسيطة جدا. بل حتى الاختلافات في قشرة الارض من ارتفاعات وانخفاضات ستغير مرور الوقت على كل واحدة من الساعتين. وفي هذه الحالة لن يكون هناك أي إمكانية لجعل الساعتان متزامنتان.

تخيل لو أن الاختلافات في الوقت كانت واضحة بالنسبة لنا، وكنت أنا أعمل في الطابق الأرضي، وأنت تعمل في نفس المبنى في علو 10 طوابق، لن نستطيع أن نتفق على موعد بعد نصف ساعة مثلا، فإن أتيت إليك بعد 30 دقيقة بحسب توقيتي الشخصي، فستقول لي: “لماذا أنت هنا، لقد تأخرت 5 ساعات”، بالطبع فإنه لا يمكن استشعار الفارق حسيا أو حتى باستخدام الساعات الاعتيادية، ولا حتى الذرية الموجود حاليا (بالنسبة لهذا الارتفاع)، الفارق لا يستشعر إلا في الساعات المتناهية الدقة.

الرجل الذي فقط ذاكرته

Henry Gustav Molaison

هنري غوستاف مولاياسون

“هنري غوستاف مولاياسون” الرجل الذي أخفي اسمه تحت ستار حرفين .H.M إلى أن توفي لكي لا يضايقه الناس، لا يتذكر أي شيء حصل له بعد عملية المخ الجراحية، فقد أزيل من دماغه الحُصين (hippocampus)، وكل ما يحصل له بعد تلك العملية لا يسجل في ذاكرته، وكل ما يحصل له وإن تكرر جديد. بعد دراسات متتكررة على مدى سنوات، اكتشف العلماء كيف يتذكر ويحسب الوقت المخ، هذه هي قصة الرجل الذي غير نظرة العلماء للذاكرة إلى الأبد.

بعد أن سقط هنري على الأرض في اصطدام دراجة به، أصيب بشرخ في جمجمته، فانتفض جسده بشدة وتذبذب، فقد دخل في صرع شديد، لا يعلم أن كانت السقطة هي السبب في الصرع أم أن جيناته التي ورثها من أهله المصابين بالصرع كانت هي السبب، قد يكون وأنه ورثها، ولكن انطلاق الصرع في حياته يعود لتلك السقطة.

بعد الحادثة تكرر الصرع عليه عدة مرات يوميا، فكان من الممكن يسقط في أي لحظة، ويلتوي على نفسه ويتعصر، ويزبد فمه، وتؤصد جفونه على عينيه ثم يتبول على نفسه، وصلت به الحالة أن تكرر عليه الصرع بقدر 10 مرات في اليوم في بعض الأيام، ولم يكن لينجو اسبوع كامل من غير أن تتلبسه هذه الحالة الكابوسية.

بقي في هذه الحالة ابتداء من عمر السبع سنوات مرورا بأيام المدرسة والتي عانى فيها من مضايقات أصدقائه واستهزائهم به، وازدادت نوبات الصرع حينما وصل إلى سن السادسة عشر، حتى أن وصل إلى سن السابعة والعشرين قرر أن يقوم بعملية جراحية تزيل منه المشكلة إلى الأبد، ولكن ما لم يتوقعه أحد هو أن بإزالة الصرع جراحيا أزيلت معها أهم ما يمتلكه في حياته: الذاكرة.

William Scoville

وليام سكوفيل

دخل هنري إلى مستشفى هارتفورد وتحت إشراف الطبيت وليام سكوفيل، عُرف عن الدكتور أنه يقيم عمليات جراحية تجريبية، فاقترح عليه أن يزيل الحصين من دماغه لكي تتوقف معاناته. الطبيب وليام كان جراحا مختصا في المخ، وقد أقام عدة تجارب على البشر لإزالة أجزاء من أدمغتهم، ومن خلال التجارب المتعددة وصل إلى الاعتقاد (كما كان يعتقد سابقا) أن الحصين هو المسؤول عن تلك النوبات، فأقنع هنري بإجراء العملية.

لم يكن يعرف الدكتور وليام النتائج التي تترتب على إزالة هذا الجزء من المخ، فلم يكن أحد يعلم كيف يعمل تماما، كان الاعتقاد السائد أن الحصين هو المسؤول عن العاطفة، وإزالته لن تؤثر إلا على عواطف هنري. وقد أجريت عمليتين لإمرأتين في السابق، وتبين أن الصرع ينخفض عند إزالته منهما، المشكلة أنه الأطباء الذين أزالوا هذه الأجزاء من الإمرأتين لم يتابعوا الحالتين بعد ذلك ليعلموا ما حصل لهما.

أدخل هنري إلى غرفة العمليات، وأزيل 3 إنشات من الحصين، حيث قطعها الدكتور تدريجيا، وكذلك أزال د. وليام اللوزة الدماغية (amygdalae) التي كانت معلقة على أطراف الحصين، وأجزاء أخرى بسيطة، ظن أنها لن تفيد المريض بعد إزالة الحصين. نجحت العملية الجراحية.

عاد هنري لطبيعته بعد أيام، وتحدث مع أسرته بأسلوب طبيعي، واختفى منه الصرع بشكل شبه نهائي. ولكن ظهرت أول مشكلة، حيث فقد هنري 10 سنوات من ذاكرته، ولم يعد يتذكر شيئا قبل العملية رجوعا إلى عشر سنوات في الماضي. والأسوأ من ذلك أنه لم يستطع أن يتذكر أي شيء يحدث له بعد العملية. فكلما دخل عليه شخص جديد وتعرف عليه بحرارة، إن خرج ذلك الشخص من الغرفة وعاد، سيتلقاه هنري بنفس الحرارة، وكأنه شخص جديد لم يره من قبل.

السبب لعدم تكوينه لذاكرة جديدة يعود لكون الحصين هو المسؤول عن نقل المعلومات من الذاكرة المؤقتة إلى الذاكرة الطويلة الأمد، المعلومات تصل إلى القشرة الدماغية عن طريق الحواس، فتسجل مؤقتا حتى يأتي دور الحصين، فيقوم بإنتاج بروتينات تساعد في تضخيم أطراف الخلايا العصبية “آكسونات” (Axons)، وبالتاتي تقوم هذه الأكسونات بتفعيل نواقل عصبية أكثر لجاراتها الخلايا العصبية، وبالتالي تتقوى العلاقات بينها، فتُحفظ المعلومات الجديدة، وبإزالة الحصين لم يعد هنري قادرا على تخزين معلوماته في المخ، فأصبحت كل لحظاته آنية، فيما ما عدا ما يتذكره من الماضي البعيد.

تأثر د. وليام جدا لحالة هنري، حيث لم يكن يعلم أن العملية ستأتي بهذه النتيجة السيئة، وأخفى قلقه لفترة من الزمن، حتى اعترف يوما ما لطبيب آخر قبل أن تنشر ورقة علمية في تأثير إزالة الحصين على الذاكرة. فقد أزال الطبيب الآخر الحصين من بعض المرضى، ولكنه أخذ حذره في عدم إزالة الحصينين من فصي المخ (كما فعل د. وليام)، وأراد أن ينشر ورقة علمية توضح ما حصل للمريض.

كلما خرج هنري إلى الحمام وعاد إلى غرفته، نسي مكانه، فاضطر للسؤال عن الحمام مرة أخرى، لم يعد يتذكر أي اسم لشخص تعرف عليه، حتى أنه لو تناول الطعام ونسي أنه أكل قبل قليل، سيعود لتناول الطعام مرة أخرى، ولذلك كان لابد من العناية بوجباته. فقد هنري قدرته على العمل في وظيفته، وعاش مع أسرته، وتغير صوته ليصبح بلا نغم ولا نبرة، وفقد اهتمامه في الجنس، وحينما كان يشاهد المسلسلات التلفزيونية، لم يكن ليسأم من تكرارها، فكل مكرر بالنسبة له جديد.

وبعدها بدأ سيل التجارب النفسية على هنري لمعرفة كيف تأثرت ذاكرته. بدأت الدكتورة “برندا ميلنر” بسؤاله أسئلة متنوعة لتكتشف ما كان يتذكره، من الواضح أن هنري فقد الكثير من ماضيه ولا يخزن شيئا من الحاضر، لذلك قامت برندا بالتحول إلى دراسة ذاكرته من الناحية “المُحرِّكية” (Motor). وهنا اكتشفت أمرا عجيبا للغاية.

اتضح للدكتورة برندا أن هنري يستطيع أن يتذكر ما يحفظه من الممارسة الحركية، رغما عن فقدانه لقدرة حفظ ما يراه وما يسمعه، فمثلا، رسمت له رسمة نجمة بداخل نجمة، وطلبت منه أن يرسم خطا في القناة بين النجمتين باستخدام القلم، على أن يرى حركة يده وهو يخط بالقلم من خلال مرآة، القيام بهذا الشيء من خلال المرآة هو شيء جديد، ولم يتعود عليه هنري من قبل، وحينما قام بالتجربة بدأ بالخروج من الخط، لأن المرآة تعكس حركة اليد، ليصبح اليمين يسارا واليسار يمينا، فكان الخط يخرج بسرعة إلى خارج النجمتين.

star within a star

كلما عادت الدكتورة لاختباره يوما بعد يوم، تبين أن هنري تتضاعف قدرته على الرسم بداخل النجمة، حتى أصبح قادرا على رسم الخط بدقة كبيرة وبسرعة، رغما عن عدم تذكره بالقيام بالتجربة هذه ولا مرة واحدة. وكأن يده تتذكر، ولكن عيناه نسيتا. حتى أنه لما رأى التجربة للمرة الثلاثون اعتقد أنه سيواجه صعوبة في رسم الخط، ولكن اكتشف أنه كان سهلا بالنسبة له، بالرغم من أنه قام بهذه التجربة لأول مرة في حياته، كما كان يظن.

عندها اكتشفت برندا أن الذاكرة متنوعة، وخلافا لما كان يعتقد في السابق بأن كل أنواع التذكر هي واحدة، وأن المخ يخزنها بنفس الطريقة، اكتشفت أن هناك نوعان من الذاكرة، واحدة تسمى بالذاكرة “التصريحية”، وهي الذاكرة التي تسمح بتذكر أسماء وتواريخ ومعلومات، والأخرى تسمى بالذاكرة “الإجرائية”، وهي التي تسمح بتذكر الأمور الحركية لا شعوريا، مثل مسك القلم، وقيادة السيارة غيرها، وهي أيضا التي نستخدمها في الطفولة لتعلم المشي والتحدث. أما المعلوماتية، فتبدأ لاحقا في العمر. فهل تتذكر شيئا في طفولتك المبكرة؟

وأيضا اكتشفت الدكتورة أن هناك ما يسمى بالذاكرة المؤقتة، ففي يوم من الأيام طلبت من هنري تذكر رقم معين، وعادت له بعد فترة، فتفاجأت أنه يتذكره، كيف يمكن أن يحدث ذلك وهو لا يستطيع يتذكر شيئا؟ تبين أن هنري كان يعيد على نفسه الرقم عدة مرات إلى أن عادت إليه الدكتورة وسألته عنه، ولذا استطاع تذكر الرقم، ولو أن الدكتورة أخلت بتكراره للرقم، وغيرت من تركيزه عليه، لاختفى الرقم من ذهنه إلى الأبد. وهذا الاكتشاف يعني أن الذاكرة المؤقتة موجودة في منطقة أخرى من المخ.

بعد ذلك أتى علماء آخرون لإقامة التجارب عليه، وبعد انتقاله هو وأسرته إلى بيت جديد، طلب منه العلماء أن يرسم خريطة للبيت، وبعد أن تعود على التحرك فيه ذهابا وإيابا مرارا وتكرارا، وبسبب الذاكرة الإجرائية، استطاع أن يرسم خريطة للبيت الذي طبعت تفاصيله بداخل ذهنه بطريقة غير مباشرة.

حتى الوقت كان مختلفا لهنري، حيث أنه يعرف كم من الوقت مر إنْ مرت عليه مدة 20 ثانية، ولكنه لم يعرف كم من الوقت مر إنْ فاته أكثر من ذلك، فمرور خمسة دقائق كانت تشعره بمرور 40 ثانية. ومرور ساعة كاملة لم تكن تعني إلا ثلاث دقائق بالنسبة له، حتى ذلك كان دليلا على أن المخ يعرف الوقت بطريقتين، واحدة ذهبت مع الحصين، والأخرى القصيرة المدى موجودة في مكان آخر من المخ.

دخل إلى دار الرعاية بعد وفاة والداه. وأخفي هو واسمه عن الناس المتطفلين، كان أحيانا يرفض أن يتعاطى الدواء، فكانت الممرضات يهددنه بالدكتور وليام الذي أجرى له العملية قبل سنوات طويلة، فينكسر بسرعة ويستسلم ويأخذ الدواء، حتى وإن كان قد توفي الدكتور منذ زمن بعيد. وبين الحين والآخر يغضب غضبا شديدا إن أغاضه أحدهم أثناء اللعب، فيضرب رأسه بالحائط أو يمسك بفراشه ويهزه كالغوريلا التي تهز قفصها. رغما عن ذلك فقد كان يقضي معظم أوقاته في هدوء.

مئات العلماء درسوا حالة هنري، وفهموا الكثير عن المخ من خلال ذاكرته، وبقي تأثيره معنا في الذاكرة المكتوبة علميا، وإن بقي هو معلقا في الأربعينات. توفي هنري غوستاف مولاياسون سنة 2008 وهو في سن الـ 82، أُخذ مخه، وقطع إلى 2041 شريحة، وصورت الشرائح للدراسة، ثم كشفت قصته للعالم بعد ذلك. وها أنتم الآن تعرفونه، وتعرفون أهميته.

حساب الوقت في المخ

هنري مولاياسون فقد قدرته على تحديد الوقت، ومن خلال قصته اكتشفنا أن جزء محددا من مخه كان مسؤولا عن الحسابات الزمنية، نحن أيضا نعتمد على المخ لحساب الوقت، فمثلا نحن نفيق من النوم في أوقات معينة تعودنا على الإفاقة حينها، أو أننا نشعر بالحاجة إلى النوم في وقت محدد، وكذلك فإن المخ قادر على معالجة الوقت بدرجة متفوقة جدا، ربما تتصور أن هذه مبالغة، فقد تقول أن لديك المقدرة على معرفة كم مر من الوقت إلى درجة معينة من الكفاءة، فمثلا قد تمر عليك 4 دقائق، ولكن تشعر بمرور 3 أو خمس دقائق، وأحيانا تكون في حالة من الملل فتشعر وكأنما الوقت يمر ببطئ شديد أو العكس بالعكس، فكيف يقال أن لدينا موقت بدرجة كبيرة من الدقة؟

ارجع قليلا في ذاكرتك، ربما استمعت إلى موسيقى، ولاحظت أن هناك عدم تزامن بين الإيقاع والعزف مثلا بدرجة بسيطة جدا، أو رأيت لقطة يوتيوب، وكانت شفة الشخص تتحرك متأخرة بدرجة قليلا من كلامه، أنت تستطيع أن تميز الفروقات بين الأصوات بقدر خمسة أجزاء من ألف من الثانية بحسب دراسات علمية، هذا التمييز يحتاج إلى ساعة داخلية دقيقة.

بل إن المخ يقوم بعمليات أكثر أهمية من ذلك فهو ينظم علاقة الأشياء ببعضها لتبدو وكأنها متناغمة ومنسجمة مع بعضها البعض، فمثلا ذكرت قبل قليل أنك ستلاحظ أن شفة شخص تتحرك من غير انسجام مع كلماته، لو أن هذا الانسجام كان صغيرا جدا بقدر أجزاء بسيطة من الثانية، فإن المخ يقوم بمنتجة الصوت والصورة لكي يشعرك وكأنهما يتماشيان معا تماما، حتى لا تشعر بالانزعاج أثناء الاستماع (طبعا إن كان الفارق في الانسجام كبيرا، يتوقف المخ عن محاولة دمج المعلومات مع بعضها. وستلاحظ عدم التزامن).

ولو لم يكن هناك تلك المنتجة، لأصبحت لدينا الكثير من المشاكل الإدراكية، تخيل لو أنك تركل الكرة بقوة أثناء شقلبتك إلى الخلف لتدخلها في الهدف بدبل كيك، الآن أنت تنظر للكرة بعينيك، وتشعر بها بقدمك، ولكن الإشارة التي تصل من قدمك تتأخر عن الإشارة النظر، فعينيك هما بالقرب من المخ، والقدم في نهاية الجسم، وإشارة العين تصل أسرع من إشارة الرجل، فلو تضاربت الإشارتان في المخ فستحدث لخبطة حسية، أي الخبرين صحيح، هل الإشارة التي تأتي من العين أم من الرجل؟ أو ماذا يحدث لو أن شخصا ما تحدث معك وهو بعيد عنك بمسافة قصيرة، أنت ترى حركة شفتاه، ولكن الصوت يتأخر عن الصورة، ولو أن المخ لم يضبط الصوت والصورة ستشعر وكأنك في فيلم صيني مدبلج.

هناك مقولة شهيرة تدعي أن السبب الذي يجعل للإنسان أذنين وفم واحد هو لكي يستمع أكثر مما يتكلم، الحقيقة أن هذا مجرد تخمين، لكن بجود الأذنين يمكن للمخ تمييز اتجاه ومكان الصوت من خلال الفروقات الزمنية لوصوله إلى أذن بعد أخرى، لاحظ نفسك حينما تستمع لصوت مفاجئ، ستدير وجهك بسرعة إلى جهته، ما يحدث هو أن الصوت وصل إلى إحدى الأذنين قبل الأخرى، وبقدرة المخ على معرفة الفارق الزمني الفاصل بين الإثنين استطاع تحديد جهة صدور الصوت.

أين يحسب المخ الوقت؟

قصة هنري غوستاف مولاياسون بينت أن المخ يقوم بحساب الوقت، ولكن السؤال هو كيف يقوم المخ بذلك، وأين هذه المناطق المختصة لهذه المهمة؟ علمنا أن الحصين هي منطقة مسؤولة عن تخزين المعلومات الجديدة لتصبح في الذاكرة الدائمة، وهي المنطقة التي تتابع مرور المدة الزمنية الطويلة، طيب ماذا عن المدد القصيرة؟ كيف يدركها المخ؟

في الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، فمن خلال تصفح المواقع والأوراق العلمية نكتشف أن بعض العلماء لهم تجارب تبين مواقع محددة في المخ مخصصة لعمليات وقتية معينة، وآخرين استدلوا من تجاربهم أن معرفة الوقت ليس لها تحديد واضح في المخ، فهي منتشرة في جميع أنحائه، وإن كانت بعض المناطق تتخصص في إدراك الفترات الزمنية بتحديد معين. وأظن كما بدا لي أن العلماء يتجهون إلى القول أن إدراك الوقت هو عملية غير محلية عموما.

تجربة ديفيد إيغالمان على إدراك الوقت

في سنة 2013 كنت مسافرا في الشتاء إلى بريطانيا أنا وأحد الأصدقاء، فأخذنا التاكسي إلى المطار من مدينة ساوثهامتون في ليلة ثلجية، الشوارع كانت زلقة جدا، فسارت السيارة بحذر وبطء شديدين، بعد أن وصلنا إلى المطار اكتشفنا أن الرحلة ألغيت، وقبل أن يغادر التاكسي طلبت منه إعادتنا إلى ساوثهامتون، مرة أخرى سرنا بالسيارة ببطئ شديد للرجوع، فاقتربنا من شاحنة على الخط السريع، وكانت المسافة بيننا وبينها حوالي 100 متر، وإذا بسيارة مسرعة بالجانب الأيمن تتخطى سيارة التاكسي التي كنا بداخلها، واقتربت من الجانب الأيمن من الشاحنة الكبيرة فانزلقت على الشارع، واستدارت بسرعة إلى اليسار، واصطدمت بالجنب الأيمن من الشاحنة، ثم استدارت أكثر، واتجهت ناحيتنا.

أتذكر المشهد والسيارة تتحرك ناحيتنا جيدا، الصورة التي أتذكرها في ذهني كانت لسيارة تتحرك ببطء وهي تتجه ناحيتنا، وفي تلك الأثناء كان سائق التاكسي يتحرك إلى اليمين في محاولة لتفاديها وتفادي الشاحنة، انزلقت السيارة الصغيرة إلى الجانب الأيسر من التاكسي وأنا أنظر لها من خلال الشباك الأمامي أولا، ثم الزجاج الأيسر الجانبي بعد ذلك إلى أن تزحلقت السيارة وأصبحت خلفنا.

هذه الصورة التي أتذكرها لم تكن سريعة، بل كانت مبطأة كما في لقطات الكاميرات السريعة والتي تلتقط فيديو للأشياء السريعة، ليتم تبطيأها حين العرض. هكذا أتذكر تسلسل تلك الأحداث. يبدو أن العالم أصبح بطيئا، أو أن مخي استطاع أن يبطئ الوقت بدرجة كبيرة بحيث تمكنت من رؤية التفاصيل الدقيقة للحادث.

ما الذي حدث بالضبط؟ هل كان مخي كان يعالج المعلومات بسرعة أكبر تحت الضغط بحيث ظهرت الأشياء وكأنها بطيئة بالنسبة لي؟ سرعة الأحداث لم تتغير، إذن، لابد أن نشاط المخ أصبح سريعا جدا بحيث تراءت لي الأمور وكأنها بطيئة جدا، ربما كانت الساعة الداخلية تعمل بسرعة أكبر. هل بالفعل كنت أراها بالبطيء في حينها أم أن شيئا آخر حدث؟

قام العالم ديفيد إيغالمان بتجربة حتى يعرف كيف يشعر الإنسان بتباطؤ الأحداث التي يراها في وجود ظرف مخيف أو مثير، فطلب من متطوعين أن يرموا بأنفسهم من برج ارتفاعه 33 مترا حيث كانت تنتظرهم شبكة (كتلك التي ترى في السيرك)، وألبس كل شخص ساعة تظهر أرقاما تتغير على الشاشة بسرعة بحيث لا يمكنهم ملاحظتها بسرعة الملاحظة المعتادة، وطلب منهم أن ينظروا إلى شاشة الساعة الإلكترونية أثناء السقوط لتحديد الرقم الذي يظهر عليها، فإذا كان العمليات التي يقوم بها المخ سريعة جدا، ذلك يعني أنه سيكون بإمكان الشخص قراءة هذه الأرقام وهو في حالة من الخوف الشديد.

بعد أن رمى الأشخاص أنفسهم من الأعلى، ووصلوا إلى الأرض، سألهم، كم من الوقت تعتقدون أنكم قضيتهم في السقوط، فقدروا مدة السقوط بمدة أكبر بقدر 30؟ أكثر من الوقت الحقيقي، وكأنه الزمن تباطأ بالنسبة لهم بسبب الخوف، ولكن بالإمكان التأكد من صحة هذا البطء من خلال معرفتهم للرقم، فإن عرفوا الأرقام التي ظهرت لهم، ذلك يعني أن المخ استطاع أن يتفاعل مع المحيط بسرعة اكبر.

أتضح بعد سؤالهم أنهم لم يكونوا بأفضل من أولئك الذي نظروا إلى الساعة وهم مستقرين على الأرض، الذين لم يتأثروا بأي نوع من أنواع الإثارة، فتبين أن الشخص المثار والشخص غير المثار كلاهما سواء، فالمخ يعمل بنفس السرعة في كلا الحالتين.

وهنا يفسر الدكتور إيغالمان بأن المخ وإن لم يستطع أن يصبح سريعا أثناء الإثارة، إلا أنه يسجل معلومات كثيرة في تلك الأثناء، أنه وبعد أن تنهي الإثارة، يقوم بربطها مع بعضها، فتصبح وكأنها مدة زمنية طويلة، أي أن التفاصيل التي يخزنها المخ أكبر أثناء الإثارة، فيستشعر الشخص مدة أطول، فما يحدث هو شعور أو إدراك بتغير السرعة، وليس أن تغير في السرعة فعليا.

الشعور من هذا النوع حيث يشعر الشخص ببطئ الأحداث أو تسارعها أو حتى بتوقفها تماما، كما حدث لشاب أصيب بتمدد في أوعية الدماغ، حينما كان في الدوش، فرأى قطرات الماء متوقفة في الهواء، كل هذه الأمور وأخرى حدثت بكثرة ومسجلة في المقالات العلمية تبين كيف يدرك الإنسان مرور الوقت.

حينما نحاول أن نفهم الوقت نجد أنفسنا في حيرة، فالفيزيائيون إلى يومنا هذا لا يعلمون ما هو الزمن فهم يفسرونه بعدة تفاسير، منها من خلال الإنتروبيا، وهو الأكثر قبولا، وإن لم يكن هو الحل المؤكد، وكذلك فإنه لا يوجد تعريف واضح للثانية أو مدة مرور الوقت، ولا أحد يعرف بالتحديد كيف يدرك المخ الوقت، وإن كانت الدراسات تتقدم بقوة في هذا المجال، عدم معرفتنا بكل هذه التفاصيل لم تمنعنا من أن نعيش حياتنا كلها اعتمادا عليه، لينظم كل شؤون حياتنا.

المراجع

Posted in Biology, Brain, physics & astronomy, Science | 2 Comments

الخيال، وأربعة أشياء لا يمكنك تخيلها مهما حاولت 2: العدم

speaker_icon disk
ipod

الخيال، وأربعة أشياء لا يمكنك تخيلها مهما حاولت 2: العدم

لغز: يحتاجه الأغنياء، ويملكه الفقراء، وأسوء من الشر، وأكبر من الله؟ ما هو. تستطيع أن توقف البودكاست قليلا لتفكر في الإجابة على السؤال. الإجابة على اللغز ربما تستطيع أن تعرفها من موضوع هذه الحلقة، وهو “لا شيء”. فلا شيء يحتاجه الغني، ولا شيء يملكه الفقير، ولا شيء أسوء من الشر، ولا شيء أكبر من الله.

في الحلقة السابقة بدأنا بالحديث عن أربعة أشياء لا يمكنك تخيلها، وقمت بتغطية شيئين من تلك الأشياء، وهما “ما بعد البعد الثالث” وأيضا “اللانهاية”، وكذلك قمت بشرح ما يعني أننا نتخيل الأشياء، بالإضافة لأهمية الخيال في حياتنا منذ الصغير، إن لم تستمع لتلك الحلقة فابدأ بها أولا ثم انتقل لهذه. في هذه الحلقة سنكمل المشوار، وسأتحدث عن العدم، وسأترك اجتماع النقيضين وكذلك حقيقة إمكانية تخيل أي شيء للحلقة القادمة.

مشكلتي الرئيسية مع حلقة العدم هذه هي أن موضوعها يتقاطع بشكل لا مفك منه مع الله، وبما أنني أحاول أن أتفادى المواضيع الحساسة سأحاول الابتعاد عن طرْق موضوع وجود الله وتدخله في خلق الكون. لأن التعرض لمثل هذا الموضوع وإن كان شيقا ومثيرا للعقل وجذابا للنفس إلا أنني أعلم أن البعض لا يتحمل الخوض فيه، والبعض فقط يريد أن تكون النتائج النهائية من نقاش الموضوع أن تؤدي إلى وجهة نظره أي كانت وجهة نظره، لذلك لن يتحمل تبادل الآراء بين الفلاسفة والعلماء والدين. وكذلك فإن الموضوع بدرجة من التعقيد أن البعض قد تحصل لديه لخبطة في المفاهيم. وحفاظا على خط البودكاست في عدم التدخل في المواضيع الدينية إلا بشيء ضحل وغير مختلف عليه أترك الجانب الإلهي بعيدا عن الموضوع، وأتحدث فقط عن المادة.

السؤال المهم

هل تتذكر السؤال الذي سألته من والدك في الصغر، “بابا من أين أتينا”؟ أتذكر أنني سألت هذا السؤال من أبي في الصغر ونحن في السيارة، أتذكر تماما أنني كنت جالسا في الخلف، وفي الوسط، كنت واضعا يداي على الكرسيين الأماميين متكئا عليها، فأجابني الوالد بإجابة بسيطة، ولكني لا أتذكر تفاصيلها، أتذكر السؤال جيدا ولكني لا أتذكر الإجابة، ولربما سمعت هذا السؤال أو سألته بنفسك وأنت في بداية عمرك، ربما كانت إجابة أبيك: “الله خلقنا” أو ربما كانت الإجابة: “لا أعلم”، أو حتى: “أصمت، ولا تجلس في الوسط، ودعني أركز على قيادة السيارة”. ولكن لو فكرنا قليلا وأعطينا السؤال حقه، فمن أين أتينا؟ من أين هذا الكون كله؟ إن أرجعنا شريط إلى الماضي وصغرنا الكون تدريجيا إلى أن وصلنا لنقطة الصفر، تلك النقطة التي بدأ منها الكون حيث لم يكون هناك كوننا هذا الذي نعيش فيه، فمن الناحية المادية البحتة لم يكن هناك شيء، كان هناك عدم. أو هل فعلا كان هناك عدم؟

قصة قصيرة “لقد عرفت العدم”

استلقى الفيلسوف الهائل فيصل العميري على فراشه وهو يفكر في سؤال لم يستطع الإجابة عليه طوال عمره، ولكنه أحس أنه سيكتشف الإجابة الآن، إنه السؤال القديم الذي لطالما فكر فيه الفلاسفة منذ أن بدأ الإنسان بالتفكير والتحليل، “ما هو العدم؟ وهل يمكنني تخيله؟”

فيصل: “أنا جاهز الآن” مخاطبا الحكيم.

أحس فيصل بطاقة كبيرة تسري في عروقه وإلى داخل جسده، إنها الطاقة التي أعطاها الحكيم له بعد أن أمسك بيده، شكر فيصل الحكيم أثناء تثاقل لسانه، وبدأ بالانزلاق إلى خياله لاستخدام قدرته الجديدة التي لطالما انتظر الحصول عليها.

بدأت رحلة فيصل بإزالة ما حوله بتركيز ذهني كبير، أغلق عينيه، وركز على إزالة الأشياء من حوله، بدأ أولا بإزالة كل ما في الغرفة، فأزال التلفاز ثم الأجهزة الإلكترونية التي عجت بها الغرفة، ثم الكراسي والأسرة من حوله، وبعد ذلك بدأ بإزالة من حوله من الناس، وجعل أخر من أزالهم من الوجود هي زوجته الحبيبة نوال، فتح عينيه ولم يجد حبيبته حوله، فدمعت عينه لذلك. ولكنه أكمل المسيرة، حيث أنه علم أن هذه هي الفرصة الوحيدة لمعرفة كيف يكون العدم.

أزال الفراش من أسفل منه، فتعلق جسده على وسادة من الهواء، ثم انتقل بذهنه إلى الغرفة فمحى حوائط الغرفة وكذلك المبنى الذي كان فيه، فأصبح في الخلاء، نظر إلى المباني الأخرى من حوله، فقرر أن يزيلها كلها، فأزالها.

حان موعد الأرض، ولكن لكي يزيل الأرض، لابد له أن يذهب للفضاء الخارجي، ولكن جسده لن يتحمل ضغط الفضاء، ولذلك لابد أن يقضي على الجسد، ويبقي الروح أو الوعي ليراقب العدم، أغلق عينيه جيدا، وتمنى إزالة جسده، فإذا بالجسد يختفي.

ثم ارتفع بروحه إلى السماء، ورأى الأرض من بعيد كما يراها رواد الفضاء، وعلم أن إزالة الأرض تحتاج لطاقة أكبر، وقد وفر له الحكيم تلك الطاقة ركز على الأرض بقواه الروحية، وإذا بها تختفي كلها وما كان عليها. أصبح فيصل وحيدا في الفضاء.

ولكنه لم يكن وحيدا بما فيها الكفاية، أدار وجهه يمنة ويسرة، فرأى المجموعة الشمسية، وبنظرة واحدة لها، وبتركيز أكبر، أزالها من الوجود هي أيضا، فظهرت له النجوم بوضوح بعد أن اختفت الشمس، أحس بأن قوته تكبر كلما ركز أكثر، يبدو أنه كلما أزال من الوجود شيئا كلما أصبحت طاقته أكبر.

نظر إلى النجوم التي ملأت درب التبانة، وبإيحاء منه وتمني أزالها كلها، فاختفت كل الأجرام السماوية القريبة، واختفت درب التبانة، ثم انتقل بعد ذلك لباقي النجوم في المجرات الأخرى، فأطفها كلها، ومحاها من الوجود كلية، أصبح الكون مظلما حالك الظلام، ولكنه علم أن الظلام خادع، حيث أنه من المعروف فيزيائيا أن الفراغ لا يعتبر فارغا، بل أنه يعج بالجسيمات الجسيمات الافتراضية، والمادة الداكنة والطاقة الداكنة، إنها تكون 95? من الكون، وجّه تركيزه صوب كل ما تبقى من محتويات الكون، فأزالها هي أيضا.

تعلق فيصل في الفضاء المظلم الخالي من كل شيء، الكون أصبح فارغ، ولكن الفراغ لا يعني العدم، فقد بقي المكان والزمان، فالمكان وإن كان خاليا من كل شيء إلا أنه هو وعاء بإمكانه أن يحتوي على الأشياء، وكذلك فإن الوعاء بوجوده سيحتوي على الزمان. ركز بكل ما أوتي بقوة، وإذا به يزيل الزمكان بالكامل، ولم يبقى شيء من حول. إنه العدم.

ذهب كل شيء، “هل ذهب كل شيء؟ هل أنا الآن في عدم؟” سأل فيصل نفسه هذا السؤال، فتذكر أن هو موجود، فكيف يمكن لأن يكون هناك عدما بوجوده، فوجوده هو شخصيا، وإن كان وجوده روحيا فهو ليس بعدم، فالعدم هو لا شيء، ولذا قرر أن يزيل ما تبقى، وما تبقى هو فيصل العميري، فيصل العميري الروح، فصيل العميري الوعي، فودع نفسه، ثم ركز جيدا، فاختفى هو أيضا، ولم يبق منه شيء.

سقطت دمعة نوال على جسد الفيلسوف الهائل فيصل العميري، فقد توفي فيصل العميري وهو في التاسعة والتسعين من عمره، وأدارت نوال وجهها إلى الطبيب وشكرته لإعطائه حقنة المورفين لتخفف ألم السرطان.

تخيل العدم

نتساءل، هل فعلا لا يمكن أن نتخيل العدم؟ حاول أن تتخيل اللاشيء، كما فعل الفيلسوف الكبير فيصل العميري، نستطيع أن نمسح من خيالنا البشر والحيوانات والنباتات والمياه والأبنية والصخور والتراب، لنزيل الأرض كلها، ثم ننتقل إلى الشمس والكواكب والنجوم والمجرات، ثم نأتي للفراغ، ربما لن تستطيع أن تزيل الفراغ، فكلما فكرت في لا شيء وجدت نفسك في ظلام دامس، ربما تستطيع أن تتخيل الفراغ أو الفضاء وكأنما يصغر تدريجيا إلى أن يصل إلى نقطة صغيرة، ولكن سرعان ما ستجد هذه النقطة في فراغ آخر، ولنفترض أنك شخص غير اعتيادي مثل فيصل العميري، واستطعت أن تزيل كل ما حولك بما في ذلك الفراغ، سيبقى هناك المراقب، وهي نفسك، وكلما أزلتها ستجد أن مراقب آخر موجود ليراقب اضمحلال المراقب الأول، بل لم تكن هناك فاصلة بين تلك وهذه.

ربما تكون أقرب طريقة لأن تعرف ما هو اللاشيء هو ما تشعر به بعد أن تقعد من النوم، إنها تلك الفترة التي مررت بها أثناء النوم حينما لا تتذكر أي شيء، بشرط أنك لا تتذكر أنك حلمت حلما واحدا أيضا، فلا تشعر بوجود عالم من حولك، ولا وقت، ولا حتى وعي تتذكره.

ولكن حتى في التجربة التي تمر بها خلال النوم لا تعتبرها تخيلا، فأنت لم تكن بوعيك أثناء النوم حتى تعرف ما هو العدم، حينما ذكرت لك أن تخيل العدم مستحيلا، إنما كان المقصود من ذلك أنك تبذل مجهودا عقليا من أجل ترى العدم في مخيلتك، لا أن يكون خيالك معطلا، وتعتبر ذلك وعيا به.

قد تكون لك تجربة في معرفة العدم، فقبل أن تأتي للحياة، أو حتى قبل أن تكون في بطن أمك، كيف كان العالم بالنسبة لك؟ قد تجيب بأنه لم يكن، بالنسبة لك فإن العالم كان معدوما، ولكن هل من الصحيح أن تقول أن لك تجربة شخصية في ذلك؟ فأنت لم تكن موجودا، فكيف ستكون لك تجربة؟ في تلك الفترة ما قبل وجودك أنت لم تكن موجودا لتكون لك تجربة شخصية مع الأشياء الموجودة، ناهيك عن تجربة شخصية مع العدم الحقيقي.

ماذا يعني أننا لا نستطيع أن نتخيل العدم؟ هل يعني ذلك أن العدم لا يمكن له أن يكون موجودا؟ نحن قمنا بتخيل الأشياء وهي تختفي شيئا فشئيا، وحاولنا الوصول إلى اللاشيء، وقد طرح هذا التخيل الفلسفي الفيلسوف هنري بيرجسون Henri Bergeson، وبعد محاولاته وفشله بالوصول إلى تخيل العدم، ادعى أن العدم غير موجود بما أننا لا نستطيع أن نتخيله. فهل نقبل بهذا الادعاء؟ ألمجرد عدم قدرتنا على تخيل العدم يصبح العدم غير ممكن؟

المشكلة في هذا التحليل الفلسفي أننا نعرف أنه لا نستطيع أن نتخيل أشياء كثيرة، ولكن لا يعني ذلك عدم وجودها، فخذ على سبيل المثال اجتماع النقيضين، هذه القضية والتي سآتي لها لاحقا في حلقة أخرى، وهي موجودة في الفيزياء، وقد أكدتها التجارب مرارا وتكرارا، نحن لا نستطيع أن نتخيل أن يكون الشخص حيا وميتا في نفس الوقت والمكان، أو لا نستطيع أن نتخيل أن الجسم يتحرك وهو ساكن في نفس الوقت، هذا شيء خارج نطاق تغطية الخيال، ولكنه موجود.

وكذلك لا يمكننا تخيل الأشياء بلا ألوان، حاول أن تتخيل شيئا من غير أن تجعل له لونا، ستجد استحالة في ذلك، لابد أن أي جسم تتخيل سيكون له لونا معينا، ولكن الذرات ليست لها ألوان في الواقع، هي في الحقيقة ليست ملونة (وسأعود على عدم قدرتك على تخيل أشياء أخرى غير تلك الأربعة لأبين أن في الواقع ما تتخيله بعمومه قاصر).

إذن، أن تتخيل العدم هو أمر مستحيل ذهنيا، ومهما حاولت أن تتخيله ستجد نفسك مرغما على تخيل شيء ما.

العدم من البداية

من أوائل الفلاسفة الذين تحدثوا عن اللاشيء هو الفيلسوف اليوناني بارمنديس Parmenides، حيث أنه ألف شعرا طويلا فُقدت الكثير من أجزائه، وبقيت بعض ملامحه في 150 سطرا لتدل على خطابه الفلسفي، كان يتحدث في هذا الشعر عن اللاشيء، فمثلا من أرائه الفلسفية أن العدم لا يأتي منه شيء، فالاشيء لا يمكنه أن يكوّن الشيء، ويتساءل، ماذا كان من الممكن أن يتحرك في اللاشيء حتى يأتي منه الشيء؟ فالاشيء لا شيء فيه ليدفعه للشيئية، وإن كانت الأشياء لا تأتي من لا شيء، فكيف إذن لدينا الكون وكل ما فيه؟ هذا مخالف للمبدأ الذي أسس له، ولذلك فقد اقترح أن كل ما نعرفه من حولنا كان موجودا في الأساس. وأن ما ندعيه: أننا نأتي للوجود أو أننا ننتهي من الوجود إنما هي كلمات تعبيرية لا تعني أي شيء في الواقع. إذن، إما أن يكون هناك لا شيء، ويبقى كذلك، أو أن هناك شيء، ويبقى كذلك، ولا يمكن أن يُعدم ذلك الشيء.

أما بعض الفلاسفة الساخرين من قدرة العدم على تكوين الأشياء، فيقول الفيلسوف الأمريكي روبرت نوزِك Robert Nozick أن العدم هي قوة ماحية، تمحو كل شيء، وحتى أنها من قوتها الماحية فإنها تمحو نفسها، ولأن محو العدم هو محو اللاشيء، إذا سيصبح لدينا شيء، فالعدم مثل المكنسة الكهربائية. تشفط كل شيء بما في ذلك نفسها فيخرج الكون، فكر نوزك بهذه الفكرة من باب المرح.

ولكن المشكلة في مثل هذا التفكير هو التلاعب باستخدام الألفاظ، فقول أن “لا شيء” هي قوة تمسح الأشياء هو ادعاء أن اللاشيء هو شيء يقوم بهذه العملية، كما أن ندعي أن لا أحد يستطيع أن يحمل الكرة الأرضية، ثم يأتي أحدهم ليقول، لابد أن “لا أحد” قوي جدا لتمكنه من حمل الأرض.

كان ذلك بالنسبة لنظرة بعض الفلاسفة للعدم من الناحية الفلسفية في بدايات تسجيل الفكر الإنساني، أما بالنسبة للوقت الحالي فهناك مدارس مختلفة تنظر للعدم من عدة زوايا، فهناك مدارس فلسفية مختلفة، وهناك أيضا العلم، والعلم أيضا ينظر للعدم من زوايا مختلفة.

العدمية

واحدة من المدارس التي تحدثت عن العدم هي المدرسة العدمية، تعرضت هذه المدرسة إلى إلغاء الأشياء من العالم شيئا فشيئا إلى أن تصل إلى العدم كما ذكرت مسبقا في قصة فيصل. فوضعت قواعدا فلسفية لإثبات إمكانية حصول العدم منطقيا. ولكنها – وكعادة أي مدرسة فلسفية – تقابل بجدل منطقي فلسفي وكذلك بأدلة علمية قد تعني أن العدمية غير ممكنة.

الفكرة تتلخص في أن العالم من حولنا يتكون من أشياء، فمثلا هناك السيارة والطائرة والكرة والجبل والأرنب والذرة والإلكترونات وما أشبه من أشياء، كل هذه الأشياء محدودة وليست لا نهائية. وهذه هي الفرضية الأولى، لنفترض أننا أزلنا واحدة من هذه الأشياء، ولنفترض أيضا أن الأشياء لا تعتمد على بعضها البعض وأن كانت هذه الأشياء طائرة أو احتمالية الوجود، أي أنها أنك إن أزلتها فلن يتأثر شيء بعدم وجودها، أزلها من العالم، سيكون ذلك العالم أقل من السابق بشيء واحد، أزل شيئا آخر، وهكذا نزيل السيارة والطائرة والكرة والجبل والأرنب والذرة والإلكترونات إلى أن نصل إلى عالم خال من الأشياء، فيصبح هناك العدم، إذن من الممكن أن يكون هناك عالم العدم.

هذه كانت فلسفة العدمية باختصار وتبسيط، ولكنك لو تراجع القواعد الفلسفية لها ستجد أنها أكثر تعقيدا من ذلك، وليس من السهل طرح الفكرة بأسلوب فلسفي عميق في البودكاست، ولذلك قد يكون الطرح أقل مستوى من الطرح الحقيقة للمبدأ.

هناك عدة مشاكل في هذا المنطق ابتداء من الفرضية الأولى التي تفترض أن مكونات العالم نهائية، قد يكون العالم لا متناهي، أي أنها يحتوي على عدد لا متناهي من الأشياء، وإذا كان كذلك فإن إزالة أي شيء منه لن ينقصه أبدا، كما أن طرح 1 من مالا نهاية هو ما لانهاية، لن يكون بمقدورنا الوصول للعدم في هذه الحالة.

النقيض الآخر، وهو نقيض أيضا قوي، هو لو أننا قبلنا بصحة الافتراض الأول وأن الأشياء محدودة العدد، أي أنها نهائية، سنتصادم مع مشكلة أخرى وهي مشكلة الاعتمادية أو الاتكالية أو التبعية (Dependence)، فلربما نتصور أن الطائرة لا تعتمد على السيارة ولا تعتمد على الكرة والكرة على الجبل، فإزالة واحدة من تلك لا تؤثر على وجود الأخرى، ولكن هذا لا يعني أن كل الأشياء تعمل بهذه الطريقة، فمثلا هل من الممكن أن يكون هناك إلكترون من غير أن يكون هناك بوزترون؟ فإذا ألغينا كل الإلكترونات من الوجود، ذلك يعني أن قانون حفظ الشحنة سينكسر، وهذا ما لا يقبله علماء الفيزياء، فلابد للمحصلة النهائية أن تكون الشحنات كلها متعادلة. إلغاء إلكترون من الكون هي مخالفة صريحة للقوانين الفيزيائية.

إذن، لا يمكن إعدام شيء من غير أن يتأثر الشيء الآخر. حتى لو افترضنا أننا نعدم الاثنان مع بعض الإلكترون والبوزترون، فهذه أيضا مشكلة، فقانون أساسي في الديناميكية الحرارية يمنع صراحة أيضا مسح الأشياء بلا مقابل، فإن مسحنا الجسيم من الوجود، لابد أن تحل محله الطاقة، وإن مسحنا الطاقة من الوجود ستتكون جسيمات لحل محلها. فلا يمكن الاعتماد على فكرة إلغاء الأشياء شيئا فشيئا إلى حد الوصول إلى العدم. لأن الفيزياء لا تسمح بإزالة شيء إلا بعد استبداله بشيء آخر.

وعلى افتراض أننا استطعنا أن نزيل الأشياء كلها من الوجود إلى أن نصل إلى العدم، فمن الناحية الذهنية يبدو أننا نقبل بأن مثل هذا الأمر قابل للحصول، أليس كذلك؟ لكن حاول ان تفكر في قلب مؤشر السهم، ابدأ من العدم، ثم كون الأشياء، هل تستطيع أن تقبل هذه الفكرة؟ لاحظ أننا بدأنا بفكرة تكوين الأشياء من العدم على أنه أمر مستحيل، لأن العدم ليس شيئا ليدفع الأمور للحصول، ولكن يبدو أننا لا نجد أي صعوبة ذهنية في الإلغاء، فهل يعني ذلك أننا قد نكون مخطئين في الإلغاء إلى حد العدمية؟

العدم من الناحية اللغوية

في البداية ذكرت أن الكون لم يكون موجودا، وكان هناك عدما، المشكلة أن حتى اللغة لا تسعف في شرح العدم، فقولنا “كان هناك عدما” أو “العدم موجود” يعني أننا ندعي أن العدم هو شيء حتى يكون موجودا، وبهذه الطريقة يتحول العدم من اللاشيئية إلى الشيئية، وهذه بحد ذاته مشكلة، فكيف نصف شيئا لا يمكن للغة أن تصفه بطريقة جيدة.

أو لنفترض أننا نقول: “هناك كواكب تشابه الأرض، وأخرى لا تشابه الأرض”، ولكن لا أستطيع أن أقول: “هناك كواكب موجودة، وهناك كواكب غير موجودة” ماذا يعني أن تكون هناك كواكب غير موجودة؟ إن لم تكن موجودة، فماذا يعني أن تكون كواكب؟

وهذه هي بعض إشكالات اللغة، والتي تجعل من تحويل اللغة إلى منطق رياضيا صعبا، وإن لم يكن مستحيلا.

العلم والعدم

موقف العلم من العدم ليس كموقف الفلسفة، وهو أن العلم بمجمله ينظر للعدم على أنه فراغ، والفراغ أيضا ليس من السهل الحصول عليه، قد تعرف عن الفراغ من خلال ما درسته في المدرسة، والفراغ هو خلو المكان من الأشياء بصورة نهائية، ولكن العلم اليوم يبين أن هذا الفراغ ليس حقيقيا، وأنه مهما حاولنا أن نفرغ المكان من الأشياء إلا أننا لن نستطيع القيام بذلك، لأن ذلك ببساطة يخالف مبادئ الفيزياء، وخصوصا في يتعلق بالميكانيكا الكم.

الفيلسوف أرسطو فكر في الفراغ، ولكنه كان يعتقد أن الفراغ لا يمكن تحصيله، لأنه لا يمكن إيقاف الأجسام من الحركة فيه، وستكون سرعتها لا نهائية، بسبب عدم وجود شيء يعرقل حركتها، إذن، المكان لا يسمح للفراغ لأن الطبيعة تكره الفراغ. ولعل من الأمور التي قرأتها وسمعتها في بعض البودكاست على الفراغ أن الفراغ كان مكروها حتى من رجالات الكنيسة، إلى درجة أن الذي يقول بالفراغ يعتبر كافرا، أي تكفير على لا شيء.

تفريغ الهواء

ذكرت أن الفلاسفة القدماء لم يكونوا يعتقدون أنه من الممكن الحصول الفراغ، وإن الطبيعة تكره الفراغ، والفراغ كانت فكرة مكروهة بشكل عام، وتناقش الفلاسفة على الفراغ لفترة طويلة، ولكن لم ينجح أحدا بتكوينه لعدم توفر الإمكانات في الماضي، ولكن في سنة 1656 قام الألماني العالم السياسي أوتو فون جيغيركا (Otto von Guericke) من مدينة ماغدبيرج (Magdeburg) الألمانية بصناعة كرة معدنية قُسمت إلى نصفين، تستطيع أن تتخيل البطيخة إن قسمتها إلى قسمين، وتزيل ما بداخلها لتكون مجوفة، ألصق نصفي الكرة المعدنية ليُكوّن كرة كاملة، قام أوتو بتفريغها من الهواء كلية باستخدام مضخة تشفط الهواء من الداخل. وحينما شفط الهواء التصق نصفي الكرة المعدنيين ببعضهما البعض بقوة شديدة.

ولكي يبين للناس درجة قوة التصاق نصفي الكرة، أتى بـ 30 حصانا، وقسمهم إلى نصفين، وربط نصفي الكرة بحبال، ثم ربط الحبال بنصف الأحصنة من جانب، والنصف الآخر من الجانب الآخر، وحينما حرك الأحصنة لتسحب نصفي الكرة عن بعضهما البعض، تحركت الخيول بعشوائية، كل حصان ركض في جهة في البداية، وتلخبطت الأمور قليلا، ثم عادت لتستقر مرة أخرى، وانطلقت الخيول بسحب الحبال بقوة، ولكنها مهما حاولت أن تفصل نصفي الكرة عن بعضهما لم تستطيع. حتى أن التجربة أعيدت بـ 32 حصانا، ولكنها لم تفلح بمهمة الفصل أيضا.

يا ترى ما السبب الذي يجعل نصفي الكرة المعدنيين يلتصقان ببعضهما، ربما تعرف الإجابة مسبقا إذا كنت طالبا في الصف العلمي، وإن لم تكن تعرف فربما ستستغرب من الإجابة، السبب في أن نصفي الكرة تماسكا مع بعضهما بقوة شديدة هو الضغط الجوي على الكرة.

لاحظ أنك أنت تعيش أسفل أطنان من الهواء تصل إلى السماء، وكل هذا الهواء لا شك أنه سيشكل ثقلا هائلا على رأسك، لو أنك قمت بقياس ذلك الضغط لوجدت أنك تحمل ما يعادل طن من الهواء، أي أن على رأسك من كمية من الذرات حاصل جمعها أوزانها يعادل وزن سيارة.

حاول أن تحمل سيارة على رأسك، سيتهشم رأسك ويتحطم جسدك، لماذا إذن لا يتحطم جسدك من ثقل كل هذا الهواء، لأن الهواء موجود أيضا من حولك وبداخل جسمك، فيعادل الضغط من جميع الجهات، ولذلك فإن كان هناك هواء يضغط من الأعلى، فهناك هواء يضغط من الأسفل، ولذا لا تشعر بهذا الضغط الكبير لتساويه من جميع الجهات عليك.

قارن هذا مع الكرة، لماذا لم تنفك الكرة عن بعضها البعض؟ لأن الضغط الخارجي أكبر بكثير من الضغط بداخلها، حينما فرغت الكرة من الهواء، لم يكن هناك شيء بداخلها يضغط عكسيا، لذلك فإن الهواء في الجو الذي يشكل ثقلا هائلا سيضغط على الكرة من الجوانب بقوة شديدة جدا، فتتماسك الكرة، ولن تنفك بسهولة.

لو خرجنا إلى خارج الكرة الأرضية وبعيدا عن الغلاف الجوي، سيكون الفضاء فارغا من الهواء، وربما سيكون فارغا من الذرات المختلفة، قد تكون هناك ذرات من الهيدروجين هنا وهناك، ولكنها ستكون قليلة جدا. هذا هو الفراغ الذي اعتدنا على معرفته، ولمدة طويلة من حياتك، وربما إلى الآن قد تعتقد أن هذا الفراغ هو الفراغ الحقيقي. سنرى الآن إن كان ما تعرفه صحيحا، أم أن الفراغ لا وجود له.

هل هناك فراغ مطلق؟

إذن نحن نعلم أن الفراغ يمكن الحصول عليه بسهولة، ويمكن الحصول عليه في الفضاء الخارجي، ولكن هل هذا فراغ حقا؟ هل حينما نفرغ حاوية من كل ما فيها من غازات، أو أننا نرسل شخصا إلى الفضاء حتى يبتعد عن الغلاف الجوي بأكمله، فهل هذا يعني أن الفضاء أصبح فارغا من كل شيء؟

بل نذهب إلى أبعد من ذلك، وفي الذرة في الخصوص، فلو أنك نظرت إلى ذرة الهيدروجين، فنحن نعرف أن الإلكترون يكون سحابة احتمالية حول نواة الذرة، لو أننا كبرنا نواة الهيدروجين إلى حجم سم واحد أو بحجم زر من أزرة الثوب، لكانت المسافة بين الإلكترون والنواة بقدر نصف كيلومتر، فهل يوجد شيء بين النواة والإلكترونات في الذرة؟ بالتأكيد لا، لا ننسى أننا لا نستطيع أن نقول أن هناك هواء في هذه المساحة، فالهواء مكون من الذرات، نحن نتكلم عما بداخل الذرة نفسها.

قد تتصور أن في مثل هذه الأماكن سنصل إلى فراغ مطلق، ولكن العلم يقول غير ذلك، فلو فرغت المكان من الذرات بالكامل، أو أنك ذهبت إلى الفضاء الخالي أو أنك دخلت إلى داخل الذرة بين الإلكترون والنواة أو حتى بداخل النواة، فإنك ستجد أنها مليئة بحركة لجسيمات افتراضية تتكون من لا شيء وتعود إلى لا شيء. وقد تكون هذه هي من أغرب المعلومات تستمع لها في حياتك: هناك جسيمات تخرج من لا شيء على طاقة مقترضة من لا شيء، فتنفصل الجسيمات عن بعضها البعض لفترة وجيزة لتعود مرة أخرى لتلغي بعضها البعض وتختفي. حتى أنها تبدو وكأنها تخالف مبدأ الطاقة التي لا تخلق من العدم ولا تفنى، أو قانون حفظ الطاقة (ولكن بما أن هذه الجسيمات تخرج في جزء صغير من الثانية فإنها لا تخالف المبدأ).

بالطبع فإنها مسماة بجسيمات افتراضية، ولكنها حقيقة، وقد أثبتت التجارب وجودها. فهناك تجربة ملقبة بتجربة تأثير كازيمير (Casimir Effect)، تكشف عن وجود هذه الجسيمات الصغيرة، في كل مكان، ملخص التجربة هي كتالي:

شريحتين معدنيتين صغيرتين توضعان بجنب بعضهما البعض، بمسافة تقدر بالنانومترات، أي الشريحة تبعد بقدر 1 على مليار جزء من المتر من الأخرى، وتوضع هاتين الشريحتين بداخل غرفة مفرغة من الهواء، ويقوم العلماء بالتأكد من خلو الشريحتين من أي مغنطة أو شحنات كهروستاتيكية، أي أنه ليس هناك أي سبب تدفع الشريحتين للتحرك سواء للتباعد عن بعضهما البعض أو الاقتراب.

بعد أن وضع العلماء شريحتين بهذه الطريقة لاحظوا أن الشريحتين اقتربتا من بعضهما، ما السبب في ذلك؟ السبب يعود لوجود الجسيمات الافتراضية، فوجود الشريحتين بمسافة قريبة يعني أن الجسيمات الافتراضية التي تتكون بينهما هي قليلة جدا بالمقارنة بما هو خارج الشريحتين، ولذلك، وكما حدث في الضغط الجوي، فإن الضغط الخارجي على سطح الشريحتين من الخلف أعلى من الضغط بين الشريحتين ولذلك يقتربان من بعضهما.

العلماء حينما يقومون بشرح هذه الفكرة فإنهم يتكلمون عن موجات خارج وبين الشريحتين، والموجات تتسبب في دفع الشريحتين للاقتراب من بعضهما، ولكني للتبسيط شرحت الفكرة وقربت المعنى من خلال فكرة الضغط الجوي. هناك تجربة بسيطة تبين فكرة كازيمير من خلال موجات الماء تستطيع مشاهدتها على اليوتيوب، قام عالم بتغطيس لوحتين معدنيتين في الماء، وكانت اللوحتين معلقتان من الأعلى مقابل بعضهما البعض، ثم شغلوا هزازا من أسفل القنينة فتموج الماء، حينما يتموج الماء فإن الموجات بين اللوحتين تكونان بأطوال موجية أقل، بينما التي هي خارج اللوحتين كانت أطوالهما الموجية أكبر، وبذلك تدفع الموجات الأكبر اللوحتين إلى الداخل حتى تلتصق اللوحتين ببعض. في الأسفل تستطيع أن ترى هذه التجربة.

إذن، الفراغ الذي اعتدنا أن نطلق عليه اسم الفراغ، ليس بفارغ نهائيا، بل هو مزدحم بالجسيمات الافتراضية، هي الآن من حولك، وفي الفضاء الخارجي، وبداخل الذرة، في كل مكان، تخرج وتعود لتختفي في جزء بسيط جدا من الثانية ، ولا يمكن تفريغ الفضاء منها كما تم تفريغ الكرة، وكذلك فإن الكون الذي نعرف مكوناته من مواد ذرية واشعاعاتيه لا تحكي قصة مكونات الكون بالكامل، فالكون أيضا يعج بمواد وطاقات أخرى لم يكتشف العلم ماهيتها، فمثلا هناك المادة الداكنة والطاقة الداكنة، وكلاهما يكون حوالي 95% من مكونات الكون، أي أن كل ما نعرفه هو في حدود 5%، والباقي يملأ الكون ولكنه لا يرى. فحتى هذه موجودة فيما كنا نسميه بالفراغ.

كون من العدم

نحن نعلم أن أجسادنا البيولوجية تتكون من مواد عضوية، وهذه المواد العضوية تتكون من ذرات، والذرات هي مكونات الأجسام كلها سواء أكانت حية أو ميتة، فالأرض وما تحتويه تتكون من هذه الذرات بتراكيب مختلفة، وكذلك النجوم، والمجرات، فهي أيضا تحتوي على الذرات، كل هذه الذرات تتكون من بروتونات ونيوترونات وإلكترونات، وبعض هذه الجسيمات تتكون من مواد أولية وهي الكوركات.

من أين أتت هذه المواد؟ تستطيع أن ترجع الشريط إلى الماضي السحيق تدريجيا إلى أن تصل إلى بدايات الكون قبل أن تصبح الذرات على ما هي عليه، ستجد أنها تتحول إلى طاقة كبيرة منفجرة، والتي تحولت لاحقا إلى كل هذه المواد وغيرها في الكون.

إن أعدنا شريط التاريخ تدريجيا إلى الوراء إلى حوالي 13.8 مليار سنة نجد أن الكون له بداية، وهذه البداية هي من نقطة صغيرة جدا، الزمن والمكان بدءا مع بعض، الزمكان بالأحرى بدأ عند نقطة الصفر، قبل أن يكون هناك كون، لم يكن هناك مكان، ولا زمان، وهذا أمر معروف من الناحية الفيزيائية، وهنا تكمن معضلة خطيرة، وهي: إن لم يكن هناك وقت قبل أن يكون هناك كون، فإذن كيف نقول أن هناك شيء قبل الكون، فلم يكن هناك وقت ليكون هناك “قبل”، وإن لم يكن هناك “القبل” الزمني، فكيف يمكن أن يكون هناك مسبب ثم يأتي بعده السبب؟ هذه الأسئلة ربما لها إجابات متنوعة فلسفيا، ولكن لن نخوض فيها.

أما الجانب الآخر من العملة، فإن بعض العلماء يدعون أن بداية الكون لم تكن عند تلك النقطة الصغيرة بل هناك ما يسبقها، بداية كوننا هذا كانت عند هذه النقطة الصغيرة بالنسبة لكوننا نحن، ولكن كوننا الهائل الذي نعرفه والذي يعود إلى 13.8 مليار سنة في الماضي إنما هو كون انشق من كون أكبر متعدد، فذلك الكون الهائل تنشق منه أكوان أخرى بين الحين والآخر، وكل منها ربما ينفجر انفجارا عظيما بطاقة هائلة كما حدث لكوننا هذا.

تخيل لو أنك تمسك بعود مصاص وتنفخ في كوب ماء خُلط معه صابون سائل، ستجد أن الفقاعات تتكون فوق بعضها البعض. العلماء يصورون كوننا هذا وكأنه واحدة من تلك الفقاعات، ذلك الكون الهائل هو الذي ينتج الأكوان الأخرى، وكل كون من هذه الأكوان له خصائصه وقوانينه ونظامه الخاص.

وهذا يعني أن البداية لم تأتي من العدم إن كان هذا التصور صحيحا، وربما لم يكن هناك عدما نهائيا.

هذه النظرية ربما كانت أقرب ما يكون للصحة بحسب أحدث النظريات الفيزيائية والتي تتعلق بالتضخم الكوني. وقد كتبت مقالة على الجزيرة تشرح فكرة التضخم الكوني، وعرجت قليلا على الأكوان المتوازية.

الخلاصة

تحدثنا عن العدم من الناحية المادية، ولكن لم أتحدث عن العدم من كل شيء، فهناك جوانب أخرى للعدم، منها إن قسمنا الأمور إلى مادية وغير مادية أو مادية وروحية فهل من الممكن أن نُلغي أو أن نُعدم الروح؟ قد يكون الكون الناشئ من لا شيء إنما هو فقط ذلك الكون المادي الذي أتى من لا شيء، ولكن ماذا عن الروح، فهل أرواح الأشياء كانت موجودة قبل أن يكون هناك كون، ولعل يدخل في هذا الجانب إله هذا الكون.

وأيضا هناك جانب آخر، وهو الرياضيات، فالرياضيات هي أيضا مجردة، فلا هي مادة ولا هي روح، فمبدأ 1+1 = 2، هو مبدأ عام مجرد، تنطبق عليه الأمور الطبيعية، فمثلا قلم + قلم = قلمان، أو تفاحة + تفاحة = تفاحتان، أو مجرة + مجرة = مجرتان، وهكذا، المبدأ الذي استخدمناه 1+1=2 هو مبدأ رياضي مجرد، ترى له وجودا في العالم الطبيعي، ولكنه مبدأ مجرد، كذلك أي قانون رياضي درسته في المدرسة، كل هذه القوانين مجردة، وهي ليست مادة ولا روح، فهل نستطيع أن نعدمها؟ بل ماذا عن مبدأ العدالة الجمال والكراهية، هذه كلها مبادئ تجريدية، فهل يمكن إعدامها كلها لكي لا تكون موجودة؟

وفي هذه الحلقة أيضا لم أتعرض للسببية، نحن نعلم أن السببية عادة ما تكون هي سلسلة من الأحداث التي تأتي بالتتابع، فأنا أدفع بالكرة، والكرة تتحرك إلى الأمام، والشمس مضيئة فتسخن الأرض، وهكذا، المسبب ثم السبب، ولكن هناك جوانب أخرى فكر فيها الفلاسفة والعلماء في هذا الجانب بحيث تتغير نظرتك لتكون الكون من العدم، وهذا أيضا يحتاج لوقت آخر وبحث مستقل. لذلك أترك هذا الموضوع لوقت آخر

لم نتطرق لكل هذه الأمور لأننا سندخل في النقاش في قضية الإله، وإن كان النقاش في هذا المجال ممتعا، إلا أن البعض لا يستطيع أن يتحمله خصوصا أن لم يكن النقاش موجها لصالحه، لذلك تركت هذا النقاش، ويمكنك البحث عن الإجابات عن مثل هذه الأسئلة بنفسك.

الحلقة القادمة ستكون فاصلا قبل أن أستمر لأكمل سلسلة الحلقات هذه، ستكون الحلقة عن آينشتاين والقنبلة الذرية، وبعدها سأعود لأنهي السلسلة، وأتعرض للنقطة الأخيرة، وهو موضوع النقيضين، وهو موضوع يكرهه الفلاسفة، ويعشقه علماء الفيزياء، فلو انكسرت هذه القاعدة، قاعدة عدم اجتماع النقيضين، فستنكسر أهم قواعد الفلسفة.

Posted in Philosophy, physics & astronomy, Science | 6 Comments

الخيال، وأربعة أشياء لا يمكنك تخيلها مهما حاولت 1

speaker_icon disk
ipod

الخيال، وأربعة أشياء لا تستطيع تخيلها مهما حاولت

ربما أنت تستطيع أن تتخيل الكثير من الأشياء التي رأيتها في حياتك، وتتصورها صورا ذهنية، فأنت من الممكن أن تتخيل الغداء الذي أكلته أمس، أو من الممكن أن تتخيل وجه أبيك، أو من الممكن أن ترى القمر في ذهنك إن أردت، وكذلك من الممكن أن تتخيل أشياء لم ترها في حياتك، فمن الممكن أن تتخيل الحصان الأحادي القرن، أو الفيل الأبيض أو حتى رجل بستة أذرع وأربعة أرجل، كل ما عليك القيام به هو تركيب الأشياء التي رأيتها في السابق لتكون صورة ذهنية لما لم تره من قبل، في هذه الحلقة سأتحدث عن أربعة أشياء لا يمكنك تخيلها مهما حاولت، ولن تكون لديك القدرة على صناعة صورة ذهنية لها في مخيلتك. حيث لا يوجد لها أي مثيل في عالمنا، ولا توجد طريقة لتركيب أشياء مختلفة لتكوينها.

في هذه الحلقة سأتحدث ابتداء عن الخيال، فإذا أردنا أن نعرف أن هناك أشياء لا نستطيع أن نتخيلها، علينا أولا أن نعرف ما معنى أننا نتخيل الأشياء في الأساس، وسأتطرق لأهمية الخيال في حياتنا، وأن لولا كان للخيال وجود في حياتنا لما تمكنا من تطوير العالم من حولنا، بل لما كان بالإمكان سن القوانين ولا حتى فهم العلاقات السببية بين الاشياء.

بعد ذلك أنتقل إلى التحدث عن الأربعة أشياء التي لا نستطيع أن نتخيلها، وكذلك سأتحدث عن معلومات إضافية عن كل واحدة من هذه الأشياء، بحيث تتعرف على بعض غرائبها وبعض المشاكل العلمية والفلسفية التي يعاني منها المفكرون حينما يتناولونها في علومهم.

ثم أنتقل إلى قدرتك على التخيل في الواقع، بعد أن تعرف أن هناك أشياء لا تستطيع أن تتخيلها سأستعرض عليك أشياء لا تريد أن تتخيلها، وبعد ذلك أنتقل إلى الإمكانية الفعلية للخيال، هل فعلا نحن نستطيع أن نتخيل الأشياء قد تتصور أنك تستطيع أن تتخيل أي شيء (خلاف الأربعة أشياء المذكورة).

الخيال

لنبدأ بالخيال، ما هو الخيال؟ الخيال هو قدرة الإنسان على أن يرى أو يكون صورا ذهنية وأحاسيس من غير أن تأتي له هذه الصور من خلال الحواس. هذا هو تعريف الخيال بحسب الويكيبيديا، كلما فكرت في فكرة معينة أنت تقوم بتخيلها سواء أكانت هذه الأفكار هي صورا أو كلمات أو أحاسيس أو ما أشبه، كل هذه تساعدك في تشكيل أفكارك وتطوير حياتك وحياة الآخرين، وواحدة من أكثر الأمور التي ساهمت في تطور الحياة على الأرض هي الخيال. فلولا أننا قادرون على أن نتخيل لما كان بالإمكان أن نصنع الأيفون، أو الطائرة، أو الصاروخ، أو التلسكوبات، أو الأدوية، كل هذه كانت يوما ما في مخيلة أحد الأشخاص، ثم تحولت من الخيال إلى واقع عملي، فتحسنت الحياة.

عالمة السيكولوجي والمختصة بالفلسفة آليسون غوبنيك (Alison Gopnik) تربط بين الفلسفة وعلم النفس فيما يختص بخيال الأطفال، وتقول أنه ربما من أهم الطرق لاكتشاف أن التزامن لا يعني التسبب هو الخيال الذي ينشأ في أيام الطفولة، ففي بداية العمر يكون الطفل كالباحث العلمي، وحينما يكبر الطفل ليصبح رجلا يتحول إلى مصنع، دعونا نخوض في فكرة التزامن لا يعني التسبب، ثم ننتقل لخيال الطفل لنفهم آلية البحث العلمي لديه.

لا بأس أن نتحدث عن مبدأ “التزامن لا يعني التسبب” مرة أخرى (وقد تحدثت عنها في حلقة سابقة، ولتلك الحلقة أهمية كبرى في نظري)، وقد ضربت آليسون مثالا رائعا على ذلك، وذكرت أنه قد يحدث وأن يكون أن من لديهم أصابع صفراء ترتفع معدلات إصابتهم بالسرطان، هذه العلاقة هي علاقة تزامنية، فمن يدخن كثيرا تكون أصابعه صفراء، وقد تكون فرصة الإصابة بمرض السرطان أكبر، وهذه العلاقة وإن كانت مرتبطة بالسرطان تزامنيا إلى أن صفار الأصابع لا يعني أنه هو سبب السرطان، ولا يعني أيضا أن غسل اليد وإزالة الصفار ببعض المبيضات سيشفي المريض من السرطان، السبب الرئيسي في السرطان هو التدخين في هذه الحالة، والعلاقة السببية هي في الحقيقة بين تدخين السجائر والسرطان، والتوقف عن التدخين بالتأكيد يقلل فرص الإصابة به. هذا ما نعنيه بالعلاقة التزامنية والسببية. وهذه العلاقة من المهم جدا فهمها حتى نفهم كيف تعمل الطبيعة، وإذا فهمنا العلاقات بشكل جيد سنتمكن من أن نعالج الأمراض، ونصنع الأجهزة، ونبني الأبنية، وسنعرف كيف يتحرك الكون وبالتالي نؤثر فيه.

وحتى نتمكن من فهم هذه العلاقة لابد أن يتوفر لدينا الخيال، فالأطفال حينما يتخيلون سيناريوهات مختلفة في مخيلتهم أثناء لعبهم، فهم يقومون بتجارب ذهنية، ومن خلال هذه التجارب يحاولون التوصل إلى علاقات سببية بين الأشياء، وكذلك الدوافع الحقيقة لحركتها. من الممكن أن تتخيل أن الطفل يبدأ في تكوين صورة معينة في ذهنه، وقد تكون هذه الصورة خيالية لا علاقة لها في الواقع نهائيا، ولكن ستجد في طياتها مفاهيم منطقية، فمثلا بإمكان الطفل أن يتخيل أنه يشرب الماء في كوب فارغ، هو الآن يتخيل أنه يشرب الماء، وإذا أخبرناه أنه سكب الماء على نفسه وسألنا ما هي حالتك الآن سيقول أنه مبلل، ولو قلنا أن يمسك بالطحين وتساقط الطحين هذا الطحين التخيلي على ملابسه سيقول لك أن ملابسه لا تزال جافة.

هذه الفكرة التخيلية وإن كانت غير واقعية (لأن الكوب لا يحتوي على الماء) إلا هذا الافتراض الذي يقوم به الطفل يكوّن صورة منطقية للأحداث التي تليها، وبذلك يقوم بربط الأمور ببعضها ليكون العلاقات السببية، فالماء يسبب البلل والطحين لن يسبب البلل، ولو أنك قلت للطفل أنه مبلل بعد سكبه للطحين على ملابسه سيرفض ذلك، لأن الفكرة غير منطقية وتخالف الواقع، حتى لو بدأ بفرضية خيالية وهي شرب الماء الخيالي، مثل هذه التجارب الذهنية التي يقوم بها الأطفال في حياتهم اليومية باحثين ومجربين لأفكار مختلفة لاستيعاب العالم من حولهم، فهم يتشابهون مع العلماء في محاولة فهم حركة الطبيعة من حولهم.

وحينما يكبر الطفل تتغير طبيعة التفكير الخيالي، فيتحول الخيال إلى افتراضات معينة قد تكون غريبة في أول وهلة، ولكنها تتحول بعد ذلك إلى تطبيق على أرض الواقع، حينما نفكر إنما نحن نقوم بافتراضات معينة، ونقول لأنفسنا: “ماذا يحدث لو أنني فعلت هذا أو ذاك”، ونحاول أن نربط الأشياء ارتباطا سببيا، وبعد ذلك ننتقل للتصنيع، كل ما تراه من حولك الآن، بدأ في مخيلة شخص، ثم تحول من الخيال إلى تطبيق، السيارة التي تقودها الآن، لقد كانت صورة ذهنية في خيال أحدهم، وكذلك الطاولة والكمبيوتر والهاتف النقال والطائرة، وهكذا، كلها تبدأ من نقطة وتتحول إلى واقع عملي يمكن الاستفادة منه. كلها بدأت في الخيال.

الخيال يصنع أكثر من المادة

واحدة من المقالات التي كتبتها على الجزيرة نت بعنوان: “المجتمعات الفائقة العدد صناعة خيال المخ” (بعض المتابعين يعلمون أنني أكتب مقالات على موقع الجزيرة نت في صفحة العلوم، إذا كنت لا تعلم عن هذا الشيء تستطيع التوجه لصفحة العلوم لقراءة المقالات هناك). في هذه المقالة أتحدث عن تأثير الخيال (أو ما يسمى بالتمثيل) على تكوين مجتمعات هائلة العدد من خلال قدرة الإنسان على تمثيل الفكرة في الذهن.

المعروف علميا أن الإنسان يستطيع أن يكون روابط شخصية مستقرة مع 150 شخص كحد متوسط، ويسمى هذا العدد بعدد دنبار، وقام العلماء بدراسته وتبين أن لهذا العدد علاقة مباشرة بتركيبة مخ الإنسان وبالخصوص باللوزة الدماغية، فبتكوينك لعلاقات مع أكثر من 150 شخصا لن يمكنك أن تفهم الروابط التي تربط الأشخاص مع بعضهم البعض، فمثلا بإمكانك أن تعرف العلاقات بين أفراد أسرتك، وعلاقات الأصدقاء مع بعضهم البعض، أحمد صديق لأنور، وأنور عدو لسلمان، وأنا صديق للاثنان، وعايد أخ أحمد، ونورة زميلة فريد في الجامعة، وهكذا، ولكن إن كبرت الأرقام أكثر لن يصبح بإمكانك الاحتفاظ بهذه المعلومات في ذهنك.

وهكذا فقد اكتشف أن القرود ترتبط ببعضها البعض بهذه الطريقة، فعلاقتها الاجتماعية لا تزيد عن المئة أو المئة والخمسون، بعد ذلك تفقد القرود القدرة على الحفاظ على الجماعة، وتتفكك الجماعة الكبيرة إلى جماعتين أصغر.

وهنا يأتي تميز الإنسان حيث أن لديه القدرة الفريدة على تكوين مجتمعات ضخمة العدد، والتي تتعدى رقم دنبار بمراحل ومراحل، فمثلا يستطيع أن يكون مجتمعات كبيرة في محل العمل، مثل شركة جوجل والتي تحتوي على 46 ألف موظف، وكذلك شركة فورد والتي تحتوي على 181 ألف موظف، وأيضا دولة مثل الصين، والتي تحتوي على 1.3 بليون شخص، كل تلك هو ينتمي لها وهو جزء منها، فكيف تمكن من ذلك بالرغم من أن اللوزة الدماغية غير قادرة على ذلك؟ الخاصية هذه تأتي من قدرته على تخيل الأمور، فهو يستطيع تكوين مجتمعات كبيرة جدا بسبب الخيال الذي سمح له بتخيل شركات ودولا وقوانين تضم تحتها أعدادا كبيرة من الناس.

حتى نفهم هذا التميز دعوني أضرب لكم مثلا يبين كيف تكونت المجتمعات الكبيرة من خلال الخيال. لنتساءل أولا، ما هي شركة فورد؟ قد تقول أن شركة فورد هي شركة السيارات، فماذا يحدث لو أننا أتلفنا كل سيارات فورد حول العالم، فهل ستنتهي الشركة؟ بالطبع لا، فيمكن أن تصنع الشركة سيارات جديدة وتبيعها للناس، ماذا عن مباني الشركة؟ ماذا يحدث لو أننا أتلفنا مصنع شركة فورد، فهل يمكن أن تندثر الشركة؟ لا طبعا، بإمكان الشركة أن تصنع مصنعا جديدا وتعيد إنتاج السيارات، ماذا لو أننا اختطفنا الموظفون كلهم، وألقيناهم في البحر، فهل تنتهي الشركة؟ بالطبع لا، فبالإمكان إعادة توظيف متخصصين في صناعة السيارات من شركات أخرى، ويعاد الإنتاج مرة أخرى. ماذا لو أن الشركة خسرت كل أموالها، فهل انتهت الشركة؟ بالطبع لا، فالشركة تستطيع أن تقترض المال، وتعود مرة أخرى للحركة.

إذن، كل ذلك يدل على أن شركة فورد ليست المادة التي تتكون منها، نعم كل تلك هذه الأشياء إنما هي ظواهر تدل على وجود شركة فورد، ولكن فورد لا تعتبر أي واحدة منها بالخصوص، حتى نعلم ما هي شركة فورد يجب أن نرجع لصاحب الشركة حينما أراد تأسيسها.

هنري فورد أسس الشركة سنة 1901 تحت اسمه، ولكن هذه الشركة لم تبدأ إلا حينما كانت هناك فكرة في مخيلة هنري، فلولا هذه الفكرة لما كانت هناك شركة، بل الحقيقة أن شركة فورد كلها بمجملها ليست إلا فكرة “تمثيلية” موجودة في أذهان الناس، كلما حاولنا أن ندمرها لم نستطع، لأن الفكرة التخيلية هذه موجودة في أذهان الناس، وكما ذكرت، لا يعني أنه ليس للفكرة هذه مظاهر خارجية، وحينما أقول أنها تخيلية لا أقصد أنها وهمية، إنما أقصد أنها فكرة اخترعها هنري فورد في ذهنه، ثم زرع هذه الفكرة في أذهان الآخرين. وتحت مظلة هذه الفكرة التخيلية اجتمع الناس بأعداد كبيرة، وعمل الجميع في صف واحد من أجل هدف واحد، وهو إنتاج وبيع السيارات.

ولكي نتمكن من القضاء على هذه الفكرة التخيلية، التي لا يمكن القضاء على مظاهرها الخارجية (كما ذكرت بتدمير أجزائها)، يجب علينا أن نقضي عليها بفكرة تخيلية أخرى، وهي القانون، فبجرة قلم واحدة نستطيع أن نلغي الشركة حتى لا تعود للعمل مرة أخرى، فالقانون هو أيضا فكرة تخيلية في أذهان الناس اتفقوا عليها، وهي التي تحدد كيف يتعامل الناس مع بعضهم البعض.

إذن، الخيال يستطيع أن يوصل الإنسان لتصنيع أمور مادية، وكذلك فإن الخيال له دور كبير حتى في تكوين المجتمعات الكبيرة الحجم، وهو أيضا السبب في تكوين والقوانين وما إلى ذلك من أمور. فالخيال يتوصل إلى إنتاج أمور مادية وأمور معنوية.

أربعة أشياء لا نستطيع أن نتخيلها

لا شك أن قدرة الإنسان على تخيل الأشياء هائلة، فمن الممكن أن نتخيل أمورا حقيقة ولها وجود في عالمنا، وكذلك فإن بإمكاننا أن نتخيل أشياء غير موجودة في العالم من حولنا، فمثلا من الممكن أن يتخيل سيارة أو دائرة أو الموناليزا أو الأرنب أو البرتقالة في الذهن، وربما أنت تخيلت هذه الأشياء الآن وأنت تستمع لي، هذه الأشياء التي ذكرتها قبل قليل هي موجودة في الواقع. ولكن بإمكانك أيضا أن تتخيل أمورا غير موجودة، فمثلا بإمكانك أن تتخيل ضفدع يطير بجناحين من ريش ذهب، أو بإمكانك أن تتخيل نفسك وأنت تطير في السماء من غير تدخل التكنولوجيا، وبالإمكان أيضا أن تتخيل أنك تحمل الكرة الأرضية على طرف إصبعك، كل هذه بإمكانك أن تحققها بأقل مجهود منك.

قد نتصور الآن بعد هذه معرفتك لهذه القدرة التخيلية الهائلة أن بإمكانك أن تتخيل كل شيء، الحقيقة أن هناك أمورا لا يمكنك تخيلها مهما حاولت، فحتى وإن اتسع خيالك ليشتمل على أمور واقعية وأمور غير واقعية، إلا أنك لا تستطيع أن تتخيل الأشياء التالية:

1. أبعادا أكثر من ثلاثة

2. الما لانهاية

3. العدم

4. اجتماع النقيضين.

5. هذه الأربعة أشياء محجوبة عن عقلك، ولن تستطيع أن تلوي خيالك بأي طريقة للوصول لرؤيتها في ذهنك، ولن تستطيع أن تركب فكرة على أخرى لتصل إليها (كما فعلت في حالة الضفدع). وبعد أن أصفها لك ستعرف أن خيالك الواسع محدود.

ما بعد البعد الثالث

واحدة من الأمور المستخدمة في الرياضيات والهندسة والفيزياء وبعض العلوم الأخرى هي تعدد الأبعاد إلى ما بعد الثلاث أبعاد التي نعرفها ونعيشها، هذه الأبعاد (أي ما بعد الأبعاد الثلاثة) نظرية بحتة، نستطيع أن نتكلم عنها، نستطيع أن نصفها في الرياضيات، ونستطيع أن نبرمجها في الكمبيوتر، ونستطيع – إلى حد ما – نتخيل جوانب منها لكي يكون بالإمكان الاستفادة منها، ولكن لا يمكن لأحد أن يكوّن صورة ذهنية عنها.

أولا، لأبين ماذا أعني بالأبعاد الثلاثة، ثم تستطيع أن تجرب بنفسك أن كنت تتمكن من تخيل أكثر من ثلاثة أبعاد. لو أننا نعيش في عالم بلا أبعاد، لكان هذا العالم يتكون من نقطة واحدة، ليس لها عرض ولا طول ولا ارتفاع – نقطة منفردة واحدة. ولو أننا نعيش في بعد واحد، لكان كل ما بإمكاننا أن نقوم به هو أن نرسم خطوطا مستقيمة في خط طولي واحد. لا يمكن الخروج عن هذا الخط الطولي أبدا، من الممكن أن نقسم هذه الخطوط إلى أقسام مختلفة وبالإمكان لهذه الخطوط أن تتحرك ذهابا وإيابا على طول هذه البعد، ولكن لا يمكنها الارتفاع عنها لا التحرك عنها إلى الجنب. ولو كان العالم يتكون من بعدين لكان بإمكاننا أن نضع فيه مسطحات فقط. فمن الممكن أن نرسم فيه الدوائر، والمربعات والمثلثات والمعينات، وكذلك العديد من الأشكال (كما لو أننا نرسم على سطح الورقة)، كلها ستكون مسطحة، كل هذه المسطحات تستطيع أن تتحرك ذهابا وإيابا، وتستطيع أن تتحرك يمنة ويسرة، ولكنها لا تستطيع أن تخرج خارج السطح إلى الأعلى. الآن نتأتي إلى الأبعاد الثلاثة، يمكن الآن أن تصنع أشكالا كثيرة لا يمكنك صناعتها في أي من الأبعاد السابقة، فسيكون لها الطول والعرض والارتفاع، فمنها ما هو مكعب ومنها ما هو هرمي وكروي وما إلى ذلك من أشكال، وبإمكانك أن تحركها في الفضاء كيفما تشاء. هذا هو شرح موجز للأبعاد ابتداء من نقطة بلا أبعاد إلى أشكال في أبعاد ثلاثة.

هنا لابد أن أذكر نقطة حساسة جدا بالنسبة للبعد الصفري والأول والثاني، وهي رياضية بحتة، وربما إن لم أذكرها سيعترض علي بعض المتخصصين في الرياضيات، وهي إن كان لم يكن لدينا أبعادا، ستكون لدينا نقطة، يا ترى، كم هي حجم هذه النقطة؟ إن لم يكن لدينا أي بعد، فكيف ستتمدد النقطة؟ عدم وجود أي بعد طولا أو عرضا أو ارتفاعا يعني أن النقطة ستكون صغيرة، لكن مهما قلنا أنها صغيرة ذلك يعني وجود أبعادا تحتويها، وهذه الفكرة تتسبب في مشكلة فلا توجد لها أبعاد، تخيل لو أنني أتيت بحبة رمل، وأسألك ما هي أبعادها؟ ستنظر لها تحت المجهر، وستعرف أن لها طولا وعرض وارتفاعا، ويمكنك إخباري بحجمها، ماذا لو كانت حبة الرمل تتكون من مجموعة من الذرات؟ ماذا لو كانت ذرة، هناك ستجد أن هذه النقاط لها أحجام معينة يمكن قياسها، ولأنها تعيش في الأبعاد الثلاثة فلها حجم، ولكن النقطة لا تعيش في الأبعاد الثلاث، فهي غير موجودة، إذن أين هي النقطة؟

تعال الآن إلى الخطوط المستقيمة التي تعيش في بعد واحد، لو أنها كانت خطوط طولية لا عرض لها لعدم وجود البعد الثاني ليحتوي على عرضا لها، فكم هي نحيفة هذه الخطوط؟ هل هي نحيفة بقدر الشعرة؟ أو بقدر سلسلة من الذرات؟ كل تلك تحتاج إلى مكان ثلاثي الأبعاد لتكون فيه، إن كانت الخطوط تعيش في بعد واحد إذن، فلابد أنها نحيفة إلى ما يشارف على الصفر.

وهكذا بالنسبة للبعدين، لو أن البعدين يستطيع أن يحتوي على الدوائر والمربعات وما إلى ذلك، يا ترى ما هو ارتفاعها؟ أرسم دائرة على ورقة، هذه الدائرة تحتوي على ذرات من الرصاص أو الحبر فوق بعضها البعض، وإن لم يكن للبعد الثالث وجودا فستكون نحيفة إلى أقصى الحدود.

كل ذلك يعني أن كل تلك الأشكال لا يمكن أن يكون لها وجودا ما لم يكن هناك البعد الثالث ليضفي عليها حجما معينا، ولذلك الأشكال التي يتم ذكرها في الأبعاد الأولى (قبل الثلاثة) هي في الواقع نظرية ورياضية بحتة.

إدوين أبوت أبوت (Edwin Abbot Abbot) كتب قصة في سنة 1884 أسماها بـ “أرض مستوية: رومانسية متعددة الأبعاد”، القصة في منتهى الروعة، وأنصح بقراءتها، ربما تبدأ برتابة ولكنها تكتمل بصور ذهنية جميلة ومفاهيم رائعة جدا، تبدأ القصة بوصف عالم مسطح، ويعيش في هذا العالم الأشكال المسطحة المختلفة، فهناك الشخصيات الدائرية والمربعة والمثلثة والدائرية والخطوط وغيرها، الخطوط تمثل الإناث وأما الذكور فهم المربعات والدوائر والمثلثات. ويتكون العالم هذا من طبقات مختلفة من “الناس” فالمثلثات هي الجنود، والمربعات هي الطبقة الذكية، والدوائر هي الحكام والمشرعون وهم في أعلى طبقات المجتمع.

لا ننسى أن من يعيش في هذا العالم لا يستطيع أن يرى المربع كما لو أننا نراه لو أننا نظرنا له من الأعلى، فهم ينظرون إلى بعضهم البعض من الجنب، فالعالم كله مسطح، كل ما يرونه هو نقاط وخطوط من الجنب. ولذلك يترتب عليهم أن يتفهموا الأشكال من انعكاس الأضواء من أضلاعها. فتستطيع أن تتخيل لو أن “شخصا” في هذا العالم كان ينظر إلى خطا مستقيما من المقدمة لما استطاع أن يرى سوى نقطة، وحتى يرى الخط بالكامل لابد للخط أن يدور حول نفسه، لذلك تجد أن “أفراد” ذلك العالم يتدربون منذ الصغر على كيفية فهم الشكل من النظر إليه ومن خلال ملامستهم له (وإن كان ذلك قبيحا لديهم).

الكل يعيش في هذا العالم حياة مستقرة بالرغم من الحروب التي أقيمت بسبب التلوين، فإحدى القوانين في هذا العالم هي منع أي شخص من تلوين نفسه، ولذلك نشبت الكثير الحروب بسبه، وكذلك فإن أي شخص يعتقد بأن العالم غير مسطح، سيعتبر ذلك كفرا، فالدوائر المشرعة لا تسمح لأحد أن يعتقد أن العالم يتعدى حدود التسطيح، وقد يسجن أو يقتل أي شخص يغير إيمانه.

بطل القصة هو مربع، وهذا المربع يحلم حلما في يوم من الأيام عن عالم ببعد واحد، وفي هذا العالم يعيش ملك، وهذا الملك ليس إلا خطا واحدا طويلا، وعلى جانبه مجموعة من الخطوط، يتخاطب الملك مع الملأ في البعد الواحد بالصوت، نظر المربع إلى الملك المتكبر المسكين، فحاول أن يقنعه بأن العالم أكبر بكثير من هذا الخط، وأن هناك بدلا من الخط سطحا كاملا، ولكن الملك لم يقتنع. وحتى يقنع المربع الملك بأن العالم أكبر بكثير مما يراه، عبر خلال الخط، وإذا بالملك ينصدم بما يراه.

حاول أن تتخيل ماذا يحدث لو أن مربعا مر بداخل خط، وأنك تنظر للمربع من وكأنك تنظر خلال عود المصاص، كيف سيكون شكل المربع؟ هذا ما رآه الملك، رأى شيئا ما يدخل بداخل عالمه ويخرج كما لو كان سحرا. طبعا لم ينجح المربع بإقناع الملك بالعالم المسطح.

ننتقل الآن إلى رسول العالم الثلاثي الأبعاد، في يوم الأيام كان المربع جالسا في منزل الخماسي الأضلاع – كما هي البيوت التي يعيش بها أفراد العالم المسطح، وإذا بدائرة تدخل إلى بيتها، فقد ظهرت في وسط المنزل من غير الحاجة للدخول من الباب، وبدأت بالحديث معه، صدم المربع من هول المشهد، سحر! كيف استطاعت الدائرة أن تدخل إلى منزله.

بالطبع فإن الدائرة كانت في الحقيقة هي كرة، وهذه الكرة تعيش في العالم الثلاثي الأبعاد، دخلت عليه من البعد الثالث مباشرة من الأعلى، بالنسبة للمربع لا يوجد شيء اسمه أعلى، المربع يعرف الجهات الأربع من اليمين واليسار والجنوب والشمال، ولكن ليس في قاموسه شيء اسمه أعلى، وحينما تدخل الكرة إلى البعد الثاني فإن المربع سيراها كدائرة، فلا يمكنه أن يرى الكرة بالكامل.

حاولت الكرة أن تقنعه بوجود العالم الخارجي، ولكنها لم تستطع، حتى أنه قامت بحركة أشبه بالسحر في العالم المسطح، حيث ذهبت إلى الخزينة المغلقة، وسلبت منه شيء من خلال بعدها الثالث، وأحضرته إلى المربع، ولكن المربع تصور أن ما قامت به هو السحر، ولكي تقنع الدائرة المربع بحقيقة البعد الثالث قامت بما هو أدهى من ذلك، حيث وخزت المربع بداخل بطنه، لا ننسى أن بداخل العالم الثنائي الأبعاد يبدو للناظر (الثنائي الأبعاد) أن الأجسام كلها مغلقة، وأن الأحشاء كلها محاطة بخطوط تحوي ما بداخلها، ولكن بالنسبة للناظر من الأعلى فهو يستطيع أن يرى ما بداخل بطن المربع من الأعلى، فتفاجأ المربع بهذه الوخزة وطار عقله.

حاول المربع أن يمسك بالكرة، حدها في زاوية، وإذا بالكرة تتخذ القرار أن تخلع المربع من عالمه وتدخله إلى العالم الثلاثي الأبعاد، صعق المربع واصدم من هول المشهد، رأى عالما جديدا لم يكن ليخطر على ذهنه، وانبهر لما رآه من شكل الكرة، فزاد احترامه وتبجيله لها (الدائرة في العالم المسطح مبجلة، فكيف بالكرة).

بعد أن اكتشف المربع العالم الجديد أصبح هو رسول يدعو للعالم الثلاثي الأبعاد، عاد إلى عالمه وحاول أن يقنع أفراد العالم المسطح بما رآه، ولكن الدوائر رفضت الاقتناع، وخصوصا أن هناك مرسوم برفض أي أكذوبة عن عالم ثلاثي الأبعاد، وسجن المربع، وبقي في السجن إلى أخر عمره.

لنعد الآن للتفكير في العوالم المختلفة، في البعد الواحد طول، وليس هناك عرض، وفي العالم المسطح هناك طول وعرض، وليس هناك ارتفاع، وفي العالم الثلاثي الأبعاد هناك طول وعرض وارتفاع، الطول العرض والارتفاع كل منهم يأتي بزاوية 90 درجة مع الخطوط الأخرى، تستطيع أن تنظر إلى زاوية الغرفة، هناك طول وعرض وارتفاع، كل منهم بخط مستقيم عامودي على الآخر، الآن أريدك أن تتخيل الصورة التالية، ولن تستطيع مهما حاولت.

تخيل أن هناك أبعاد أربعة، بشرط أن يكون البعد الرابع هو عامودي على الأبعاد الثلاثة الأولى: الطول والعرض والارتفاع، هل تستطيع أن تقوم بذلك؟ لن يكون بإمكانك أن تتخيل هذه الصورة بأي طريقة، حتى وإن استخدمنا الأبعاد الأربعة في الرياضيات والفيزياء والكمبيوتر لن يمكنك أن تتخيل بعدا إضافيا واحدا. تخيل لو أن الدائرة أرادت أن تشرح للمربع كيف يكون المكعب، الطريقة التي يمكنها أن تشرح هذه الفكرة هي أن تقول للمربع أن تكدس مجموعة من المربعات فوق بعضها البعض للحصول على المكعب، ولكن كيف للمربع أن يتخيل الأشياء فوق بعضها البعض؟ فهو لا يعرف سوى اليمين واليسار والشمال والجنوب.

لنبسط الأمور قليلا، تخيل لو أن لدينا نقطة، اسحب هذه النقطة لتصبح خطا، ستكون هناك نقطتان نهائيتان أو طرفين للخط على الجانبين، الآن اسحب الخط إلى الجانب، سيصبح لدينا مربع، وسيكون عدد الأطراف الحادة هي أربعة، الآن أركم مربعات فوق بعضها البعض ستحصل على مكعب، وسيكون عدد أطراف المكعب هي ثمانية، الآن – وهذا هو الشيء الصعب – أركم المكعبات على بعضها في البعد الرابع، سيكون لديك شكلا لا يمكنك تخيله، وهذا الشكل سيكون لديه 16 طرفا. هل تستطيع أن تتخيل هذا الشكل؟

بل هناك لقطة لكارل سيجان يحاول أن يشرح فيها كيف يكون شكل هذا العالم ولكن لعدم تمكنه من ذلك قام بشرح ظل هذا العالم في عالمنا، كما أن الكرة حينما تدخل إلى العالم المسطح تصبح دائرة، فإن الشيء الوحيد الذي يمكننا أن نعرفه هو “تسطح” أو “تكعب” الشكل الذي يدخل إلى عالمنا من العالم الرباعي الأبعاد.

لن تستطيع أن تتخيل عالما رباعي الأبعاد، ولن تستطيع أن تتخيل العوالم الأخرى التي تحتوي على عدد أكبر من الأبعاد. وهذه هي إحدى حدود خيالك.

اللانهاية

قصة قصيرة كتبها هورهي لوي بورخس (Jorge Luis Borges) سنة 1941 عن المكتبة اللانهائية الملقبة بـ “بيبل”، عنوان الكتاب هو: مكتبة بيبل (The Library of Babel)، هذه المكتبة لا نهائية في الحجم، تحتوي على غرف سداسية الشكل (تشبه خلايا النحل)، على أربعة حيطان من كل غرفة هناك أرفف وتحتوي الأرفف على كتب، وكل كتاب يحتوي على 410 صفحة، كل صحفة تحتوي على فقرات وجمل، وكل جملة تتكون من “كلمات” وهذه الكلمات تتكون من 25 رمزا، 22 منها حروف، والثلاثة الباقية هي النقطة، والفاصلة والفراغ، وعلى كل كتاب عنوان. أما الحائطان الآخران ففي إحداهما باب للخروج إلى ممر، وفي الممر مخزنان قائمان، واحد منهما للنوم والآخر حمام، وتتصل هذه الغرف مع بعضها عن طريق الممرات وسلالم توصل الطبقات المختلفة من المكتبة ببعضها.

لو أنك فتحت كتابا من هذه الكتب لوجدت أنها تحتوي على سلسلة من الكلمات، بعضها يعني شيئا والبعض الآخر (وهو الغالب الأعم من الكتب) لا يعني شيئا أبدا. فعلى سبيل المثال بالإمكان أن تجد حروفا مكررة مثل MCV عدة مرات، أو أن تجد حروفا لا يمكن فهم معانيها لأنها ليست حروفا لأي كلمة في أي لغة. البعض يعتقد أنه بالرغم من عدم وجود معاني للكثير منها إلا أن الكتب قد تكون مشفرة، وخصوصا أن الله خالق المكتبة هو الذي خلق كل هذه الكتب.

يعيش في هذا العالم بشر أو أمناء للمكتبة، هم متنقلون بين المكتبات المختلفة بحثا عن الحقيقة، فلا أحد يعرف بثقة مطلقة إن كانت المكتبة نهائية أو لا نهائية، البعض يبحث عن كتب معينة اشتهرت بأنها مشفرة، ويعتقد أن فيها جميع علوم المكتبة، ويعتقد أن هناك شخصا اكتشف هذا الكتاب وهو يعرف كل شيء، والبعض يبحث عن كتب تكشف له مستقبله، وبما أن الكون المكتبي هائل، وبما أن تراتيب الحروف كلها موجودة بداخل الكتب، إذن، لابد أن يكون هناك كتابا يحتوي على تفاصيل حياة أي شخص في المكتبة، وكذلك عن مستقبله، والآخرين يبحثون عن إيمان أعمق بالله من خلال اكتشافهم للكتب.

وفي المقابل هناك من يعتقد أن الكتب عشوائية الحروف، ولا تحتوي على معان حقيقية، لذلك فهم يقومون بتدمريها إذا مروا عليها، ويعتبرهم المجتمع المكتبي كفارا لبعض معتقداتهم المخالفة عن المكتبة، ولكنهم لا يخافون من تدميرهم للكتب، لأنه حينما تدمر بعض الكتب فإن في هذه المكتبة الهائلة هناك نسخة أخرى مكررة للكتب المدمرة مع اختلاف بسيط جدا (مثل الفاصلة أو النقطة).

واحدة من أهم المعاني الموجودة في هذه القصة الجميلة المسبوكة بأسلوب رائع هي اللانهائية، المكتبة لا تنتهي، فهي تمتد شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وكذلك إلى الأعلى والأسفل إلى ما لا نهاية، كل كل غرفة في هذه اللانهائية هي المركز، لو أن أحد الأمناء سافر في المكتبة طوال عمره، لما استطاع أن يعبرها، ولو عمر مدى الدهر. هذه اللانهائية هي واحدة من الأمور التي لا يستطيع أن يتخيلها كان من كان من أمناء المكتبة، ففي محاولة تخيل المكتبة بلا نهائيتها يجدون سرابا ينتقل إلى الأمام كلما تقدم الخيال.

اللانهائية هي واحدة من أغرب الأشياء التي نتعامل معها في بعض مجالات العلوم. وهي أيضا كما في الأبعاد المتعددة تستخدم في الرياضيات بالخصوص، وتستخدم رياضياتها في شتى مجالات العلم، البعض يعتقد أن اللانهاية هي رقم، ولكنها في الحقيقة ليس كذلك، بل هو معنى مجرد يصف شيء لا نهاية له، وفي الأغلب الأعم أنك لن تجد تعريفا واضحا لما هي اللانهاية. ويرمز له بالرقم 8 بالأرقام العربية الغربية بحيث تكون هذه الثمانية نائمة على جنبها، والمعنى من هذا الرمز أنك كلما مشيت على خطوطه لن تتوقف عن الحركة.

واحدة من غرائب اللانهاية هي علاقة تساوي الجزء مع الكل، فمثلا نحن نعلم أن بإمكاننا أن نعد ابتداء من الرقم 1 ثم 2، 3، 4، … وهكذا إلى ما لا نهاية، الآن لو ربعنا كل رقم من تلك الأرقام، سيصبح لدينا تربيع الرقم 1 هو 1، وتربيع الرقم 2 هو 4، وتربيع 3 هو 9، وتربيع 4 هو 16، نتساءل الآن، كم هو عدد الأعداد المربعة؟ بإمكاننا أن نعرف بالطريقة التالية، ضع أمام كل رقم من الأرقام التي تؤدي إلى ما لا نهاية الرقم المقابل له من التربيع، سيكون لدينا التالي:

1 —- 1

2 —- 4

3 —- 9

4 —- 16

وهكذا إلى ما لا نهاية، سنجد أن عدد الأعداد المربعة لا نهائي، فبإمكاننا أن نعدها باستخدام الأعداد الصحيحة كلها إلى ما لا نهاية، الغريب في الموضوع أن الأرقام المربعة هي جزء من الأرقام الصحيحة والتي تتجه إلى ما لا نهاية، أي أن الرقم 1، 4، 9، 16، كلها موجودة من ضمن عد الأعداد الصحيحة، ولكن لو أننا حسبناها إلى ما لا نهاية، سنجد أن أعدادها تتساوى، بالرغم من أن الأعداد المربعة هو جزء من الأعداد الصحيحة، فكيف للجزء أن يتساوى مع الكل؟

أيضا هناك ما يسمى بالمتناقضات أو المفارقات في اللانهاية، فمنها مثلا “فندق هيلبرت اللانهائي” وهو فندق تخيلي تحدث فيه ما لا يحدث في عالم الطبيعة، هذه الفكرة التخيلية ترجع للرياضي ديفيد هيلبرت. تخيل لو أن فندقا مليئا من أوله إلى ما لا نهاية، كل غرفة فيه سكن فيها زبون، أتى زبون جديد لهذا الفندق، وأراد غرفة، العامل في مكتب الاستقبال احتار في اختيار كيفية استيعاب هذا الشخص الجديد، ولكن بما أنه يعيش في الفندق اللانهائي، قرر أن يتصل بجميع النزلاء، وأخبر الذي في الغرفة الأولى أن ينتقل إلى الغرفة الثانية، وأخبر الثاني أن ينتقل إلى الغرفة الثالثة، والثالث إلى الرابعة، وهكذا إلى ما لا نهاية، ثم أدخل النزيل الجديد في الغرفة الأولى، فتمكن من إسكان شخص جديد في فندق قد امتلأ قبل ذلك كلية.

بل المعضلة الأدهى التي واجهها عامل الاستقبال هي حينما جاءت الباصات تلو الأخرى محملة بالنزلاء، وكان عددهم هو لا نهائي من النزلاء، فكيف يمكن للعامل أن يسكنهم جميعا في فندق قد امتلأ بالسكان إلا ما لا نهاية؟ بعد أن فكر قليلا، اتصل بالنزلاء، وأخبر النزيل الأول أن يذهب للغرفة 2، وللثاني أن يذهب للغرفة 4، وللثالث أن يذهب للغرفة 6، أي أن كل نزيل ينتقل للغرفة 2* رقم غرفته، وفي المحصلة النهائية ستكون جميع الغرف الفردية الرقم كلها فارغة من النزلاء، وبما أن الأعداد الفردية لا نهائية سيستطيع كل النزلاء الجدد والذي عددهم لا نهائي أن يسكنوا في تلك الغرف.

وربما كذلك من غرائب الأعداد اللانهائية أن بعضها أكبر من بعض، فلا تتساوى اللانهائيات، فمثلا أيهما أكبر الأعداد الصحيحة أم الأعداد الحقيقة؟ الأعداد الصحيحة هي: 0، 1، 2، …، ليس فيها كسور، وتشتمل على الأعداد السالبة إلى ما لانهاية من الجانبين، أما الأعداد الحقيقية هي الأعداد كلها بما فيها الكسور، فمن الممكن أن تشتمل على 0، .25، 0،5، وهكذا. أي الأعداد أكبر الصحيحة أم الحقيقية، نستطيع أن نقول أن بما أن الأعداد لا نهائية في كلا الجانبين، سيكون كل منهما متساو مع الآخر. ولكن من الناحية الرياضية فإن الأعداد الحقيقة أكبر بكثير في لا نهائيتها من الأعداد الصحيحة. فحتى بين الرقم 0 و 1 هناك عدد لا نهائية من الكسور يتعدى العدد اللانهائي من الأعداد الصحيحة.

تستطيع أن تتخيل أن حبلا طوله مترا واحدا، يمكنك تقسيم الحبل إلى قسمين، وكل قسم إلى قسمين، وكل قسم إلى قسمين وهكذا فإن كل قسم يمكن تقطيعه إلى أقسام إلى ما لانهاية (على افتراض الحبل لا يتكون من ذرات)، بل إن الأرقام الحقيقية تحتوي على أعداد لا يمكن حتى كتابة كسرها بالكامل لأنها تذهب إلى ما لا نهاية، فخذ على سبيل المثال الرقم باي، هذا الرقم لا يمكنك كتابة أرقامه من بعد الفاصلة لأنه لا ينتهي. وقد أثبت هذه الرياضي كانتور أن الأرقام الحقيقة أكبر بكثير من الأرقام الصحيحة، وبين أنه مهما حاولت أن تحصى الأعداد اللانهائية الحقيقية لن تستطيع باستخدام الأرقام الصحيحة.

من رياضيات اللانهاية يمكننا أن نستنتج أن التعامل مع اللانهاية يختلف عن التعامل مع الأرقام النهائية. ففي الأرقام النهائية الأجزاء أقل من الكل، ولكن في الأعداد اللانهائية فإن الجزء قد يتساوى مع الكل.

هناك ثلاث أنواع للانهائيات، الأول هو اللانهائي الممكن أو الكامن، والثاني هو الحقيقي أو الفعلي، والثالث هو المتسامي، الكامن هو ما سيصبح لا نهائيا مع الوقت، ولكنه لن يكون لا نهائيا في أي لحظة من لحظاته، خذ على سبيل المثال إحدى النظريات العلمية تقول أن الكون يتسع ويتسارع في اتساعه، وكلما مر الوقت كلما اتسع أكثر، وهذا يعني أنه سيصبح لا نهائي الحجم مع مرور لا نهاية من الوقت، أما النوع الثاني وهو الحقيقي، فهو غير محدود بالزمان، بل إنه لا نهائي كما هو، فالأرقام الصحيحة لا نهائية، وكذلك الأرقام الحقيقة، فكلاهما لا نهائي، أنت لا تضيف رقما بعد رقما بعد رقم حتى تحصل عليها كلها، بل هي فعليا لا نهائية. وقد قام بتحليل الفرق بين هذين الطريقتين الفيلسوف أرسطو. لن أتطرق لللانهائي المتسامي في هذه الحلقة.

الصعوبة التي ستجدها في تخيل اللانهاية هو أنك كلما فكرت في رقم نهائي تجد نفسك تنجرف إلى الأمام، العقل يريد الوقوف عند نقطة محددة، ولكن هذه النقطة ليست النهاية، هذا بالنسبة لللانهاية الكامنة، وإن أتيت إلى اللانهاية الفعلية، فكيف لك أن تتخيل الأعداد كلها؟ ربما أنت تستطيع أن تتخيل المعاني، أو الفكرة من وراء اللانهاية، أو كلمة لا نهاية، ولكنك بالتأكيد لا تستطيع أن تتخيل أي شيء لا نهائي، فالعالم من حولك لا يحتوي على شيء محسوس أو ملموس لا نهائي، فكيف للمخ أن يتصور هذا الشيء؟ حتى لو تحاول أن تركب فكرة على فكرة بحيث تتخيل شيئا جديدا كما تفعل في أن تتخيل رجلا بجناحين من ألماس، ففي اللانهاية ما الذي تستطيع أن تركبه على بعضه حتى تكون صورة له؟ فكيف يمكن لك أن تتخيل حبات رمل لا نهائية مثلا، وكلما أضفت صورة إلى صورة أنت لا تتخيل الكل، بل تتخيل الجزء، وهذا الجزء ليس نهائيا بل هو محدود.

وهذا هو الحد الثاني لخيال المخ.

سنكمل باقي الأشياء التي لا يمكن تخيلها في الحلقة القادمة.

Posted in Math, Philosophy | 12 Comments

مقابلة مع المهندس مراد حمدوش وجمعية الشعرى لعلم الفلك

speaker_icon disk
ipod

مقابلة

أتحدث مع مراد حمدوش، مهندس يعمل بمركز البحث في علم الفلك و الفيزياء الفلكية و الجيوفيزياء، وهو من بلدية – قسنطية، عضو مؤسس ونائب رئيس جمعية الشِّعرى لعلم الفلك – اختصاصي في علوم الأرض – الخرائط والكشف عن بعد. بالإضافة لنشاطاته في الجمعية والتي تهتم بعلوم الفلك إلا أنه أيضا يعمل كمقدم لبرنامج “دنيا العلوم”، ولديه هو فريقه اهتمام بنشر العلم بصفة عامة.

مدة المقابلة 57:40

· الموقع الرئيسي لجمعية الشعرى : http://siriusalgeria.net

· الرابط الذي تشاركون به مع ناسا: http://apod.nasa.gov/apod/lib/about_apod.html

· الموقع العربي ل الصورة الفلكية اليومية ل NASA و الذي تشرف عليه جمعية الشعرى لعلم الفلك: www.apodar.com

· موقع قياس محيط الأرض: http://siriusalgeria.net/erat.htm

Posted in Biology, Evolution | Leave a comment

مقابلة معي على إذاعة الجزائر برنامج دنيا العلوم

speaker_icon disk
ipod

مقابلة معي على إذاعة الجزائر برنامج دنيا العلوم

هذه الحلقة ليست كعادة الحلقات الأخرى، إنما هي مقابلة معي أجريت على قناة الجزائر على الهواء مباشرة من خلال برنامج دنيا العلوم، وهذا تسجيل لها. قابلني في هذه الحلقة السيد مراد حمدوش. تحدثنا في الحلقة عن السايوير بودكاست، وكيفية تحضيري للحلقة، وعن العالم العربي وعلاقته بالعلم.

Posted in Biology, Evolution | 1 Comment

نظرية التضخم الكوني مع د. نضال قسوم

speaker_icon disk
ipod

نظرية التضخم الكوني مع د. نضال قسوم

أتحدث مع د. نضال قسوم الفيزيائي الفلكي من الجامعة الأمريكية بالشارقة عن نظرية التضخم الكوني، والتي أثبتت تجريبيا من خلال رصد الموجات الجاذبية المطبوعة على الخلفية الإشعاعية الماكرويفية. إعلان هذا الاكتشاف قد يؤدي إلى حصول عدة علماء – أسسوا لهذه النظرية قبل ثلاثين عاما – على جائزة النوبل.

Posted in Biology, Evolution | 3 Comments

مقابلة مع الدكتور الفلكي نضال قسوم

speaker_icon disk
ipod

مقابلة مع الدكتور الفلكي نضال قسوم

مقابلة مع د. نضال قسوم، نتحدث عن عمله في ناسا، وكيف يمكن للشخص العمل هناك، وأيضا نتحدث عن تطوير الفلك في العالم العربي والإسلامي من خلال إنشاء مراصد، وكذلك من خلال تطوير المناهج في الجامعات لتشتمل على الفلك، ونتحدث عن نشر العلم عن طريق القنوات الإعلامية المختلفة.

في نهاية الحلقة أصحح خطأين وقعت فيهما في الحلقة السابقة: “ما هي الحياة؟”

Posted in Biology, Evolution | 2 Comments

ما هي الحياة؟

speaker_icon disk
ipod

ما هي الحياة؟

في سنة 1943 قام العالم الفيزيائي الكبير إيروين شرودنجر بسلسلة من المحاضرات عن الحياة، كانت المحاضرات بعنوان: ما هي الحياة؟ حضر لهذه المحاضرة ما يقارب 400 شخص، وفي سنة 1944 ألف كتابا صغيرا بنفس العنوان اعتمادا على تلك المحاضرات، لم تكن لمحاضراته في حينها شعبية أو انتشارا واسعا، ولكنها وتعتبر واحدة من أكثر المحاضرات تأثيرا على العلماء للتفكير في الحياة من باب الكيمياء والفيزياء معا، وقد ذكر واتسون وكريك العالمان الحائزان على جائزة النوبل لاكتشافهما شكل الدي إن إي الإهليجي أنهما مدينان لكتاب إيروين شرودينجر لاستلهامهما منه الفكرة لتركيب الدي إن إي اللادوري.

محاولة فهم ما هي الحياة هو بحث قديم، ولكنه تجدد في العصر الحالي مع التقدم العلمي الهائل، ومع فهم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والأحافير والفلك وغيرها من العلوم، بدأت الأمور تتضح شيئا فشيئا حنيما بدأ العلماء باكتشاف تفاصيل دقيقة لبيولوجية وكيميائية وفيزيائية الكائنات الحية، ولكن لم يستطع أحدا إلى يومنا هذا أن يجيب على السؤال: “ما هي الحياة؟” بوضوح.

في هذه الحلقة سأستعرض مجموعة من المعلومات التي تتعلق بمعرفة الحياة وتعريفها، ومكونات الحياة والغلاف الحيوي، وتجارب خاطئة لفهم الحياة، وأيضا عن تجربة ميلر ويوري، وكيفية ابتداء الحياة. ربما لن تجد ضالتك في هذه الحلقة، ولن تعرف بالتحديد ما هي الحياة، ولكنها ستعطيك انطباعا لبعض ما توصل إليه العلماء، وربما تفتح الحلقة لك المجال للنقاش مع الآخرين حول الموضوع.

كيف نعرف الحياة؟

اذهب إلى حديقة، وانظر إلى ما حولك، هناك رمال وصخور وماء وخشب، وستجد أيضا أن هناك نباتات بأنواع مختلفة، وستجد طيورا تطير السماء، وربما بعض الحشرات كالفراش والنحل، وبعض العناكب، أغرف من الماء غرفة بيدك، وضعها تحت المجهر، ستجد أن هناك أجساما صغيرة تتحرك فيه. كيف تفرق بين ما هو حي وما هو غير حي؟ هل الطير حي؟ هل النبات حي؟ ماذا عن الصخرة، هل هي حية؟ ماذا عن التراب هل هو حي أيضا؟ هل الماء حي؟ كيف علمت أن الأجسام الصغيرة التي تتحرك في الماء هي حية؟ هل لأنها تحركت فإذن هي حية؟ ماذا لو أنها كانت تتحرك ولكن بعد أو ضعتها على المجهر وسلطت عليها الضوء توقفت فجأة عن الحركة، فهل هي كائنات حية؟ أنت لا تعلم أنها كانت تتحرك في السابق، كل ما شاهدته على المجهر هي أجسام لا تتحرك.

ماذا لو أنك عالم في الأحافير، وبعد حفرك للأرض وجدت أجساما معينة لم ترها من قبل، فهل ستعتبرها كائنات كانت حية ثم بعد ذلك نفقت؟ ماذا لو أنك وجدت أن بداخل الصخور التي حفرت حولها قنوات صغيرة منتظمة جدا، فهل ستعتبر أن هذه القنوات كانت بيوتا لكائنات حية؟ كيف ستعرف ذلك؟ وإذا كان وجود نظاما معينا في الجسم هو الدليل على وجود حياة، فهل يعني ذلك أن كرسالات الثلج المنتظمة الجميلة الشكل هي أيضا حية؟ حينما نظر العلماء إلى المريخ باستخدام المناظير في السابق رأوا قنوتا منتظمة على السطح، فاعتقدوا أن هناك حضارة ذكية عليه، ولكن اليوم نحن نعلم أن المريخ لا يحتوي على حياة ذكية ناهيك عن وجود حضارة.

ناسا استطاعت أن ترسل مراكب كثيرة إلى المريخ، وواحدة من الأهداف الرئيسية التي تتبناها هو هدف البحث عن الحياة، فلو أنهم وجودوا أثرا لها سيقولون أن المريخ كان مؤهلا لها، قد لا تتوفر الحياة على السطح الآن، ولكنها ربما كانت متوفرة في الماضي. إذن، كيف ستعرف ناسا أن تلك الآثار تدل على وجود الحياة في السابق؟ وإن وجدت حياة أخرى تختلف عن الحياة على الأرض، فهل بإمكانها أن تقول أن تلك هي حياة؟

لنذهب إلى أبعد من ذلك، كيف يمكن للعلماء معرفة ما إذا كانت الظروف المناخية تسمح بتكون الحياة في الأساس؟ ما هي تلك الظروف المناخية المناسبة التي تسمح للحياة بالتكون؟ فكم هي درجة الحرارة الدنيا القصوى التي لا يمكن للحياة بالتكون فيها؟ ماذا عن الضغط الجوي المناسب؟ هل الأشعة الكونية تسمح للكائنات بالعيش؟ ماذا عن مكونات الأجواء من غازات، ما هي تلك الغازات التي تسمح للحياة بالبقاء؟

كيف بدأت الحياة على الأرض؟ العلماء يعلمون اليوم أنه ابتداء من أبسط أنواع الكائنات الحية إلى أكثرها تعقيدا فإن كلها تتكون من جزئيات، وهذه الجزئيات تتكون من ذرات، الذرات المشتركة بين الكائنات الحية معروفة، ولكنهم يتساءلون، كيف بدأت الحياة؟ كيف بدأ الخلق؟ الإجابة على مثل هذه الأسئلة يوفر فرشة تسهل على العلماء اكتشاف الحياة على الأرض أو في كواكب أخرى، ومن غيرها ربما لا تكتشف الحياة حتى لو أنها بين أيديهم وفي قلب أجهزتهم. وستسهل مثل هذه المفاهيم في معرفة ما إذا كانت هناك إمكانية لتكون الحياة على كواكب أخرى.

حتى أن مفهوم الحياة له أثر كبير في حياتنا الاجتماعية، فهناك صراع في اعتبار الجنين في بداية تكونه هو حي أم غير حي، فهل يمكن مثلا أن نسقطه حتى يستخدم العلماء الخلايا الجذعية التي فيه في إنقاذ حياة المرضى المحتاجين لها؟ مثل هذه الأسئلة تحتاج لإجابات دقيقة، حتى ترشد الفلاسفة ورجالات الدين في تكوين تصورات أكثر دقة في الأخلاق.

تعريف الحياة

إلى يومنا هذا لا يمتلك العلماء تعريفا واضحا للحياة، والسبب يعود لصعوبة تعريفه، فكلما وجدوا تعريفا مناسبا، كلما وجودوا شيئا مناقضا للتعريف، لذلك ستجد أن هناك الكثير من التعاريف، كل منها يمتلك جانبا من معاني الحياة أو جانبا من الصحة، ولكنه ينكسر بسرعة حينما يتم التمحيص فيه. ليس هناك اتفاق على أي من تلك التعاريف ليكون المؤشر النهائي لها.

الكل يعرف ما هو تعريف الماء، ويستطيع أن يصفه بدقة متناهية، فمن الممكن تعريف الماء على أنه ذرتي هيدروجين مرتبطتان مع ذرة من الأكسجين، ويمكن وصف الماء أيضا على أنه سائل شفاف بلا رائحة، ويمكن أيضا أن نقول أنه يتبخر عند درجة حرارة 100 سيليزية، ويتجمد عند درجة صفر سيليزية، وهناك صفات أخرى يمكن وصف الماء فيها، حتى إذا ما رأى أحدهم الماء يوما ما، ولم يكن ليره قبل ذلك، لتمكن من معرفة ما هو، فلا يحتاج لأن يراه مسبقا حتى يتعرف عليه لاحقا.

وهنا تكمن أهمية التعريف، الكثير من الفلاسفة والعلماء لا يحبون الحديث أو البحث في الشيء حتى يتم تعريفه بشكل جيد، لنفترض أننا أردنا أن نتحدث عن الحب، فلو أنك كنت تعتبر الحب هو مجموعة من المشاعر والعواطف من شخص تجاه شخص آخر، وأنا أعتبر أن الحب هو عطاء يقدمه طرف لطرف آخر، فلن يمكن لنا أن نميز المحب بطريقة نتفق عليها، فبإمكانك أن ترى رجلا منغمسا في تفكيره اليومي في امرأة، فتقول لي أنه يحبها، وفي المقابل الممكن أن ترفض أن تفكير وشغف شخص بلوحة فنية أو قصة جميلة حبا لعدم وجود الطرف الآخر في الحب، بينما في التعريف الآخر، لو أنني أرى أبا يحضن ابنه ويقدم له الهدايا يوميا فسأعتبر ذلك حبا، حتى وإن لم يكن يشعر بأي عاطفة ناحية الابن، وسيكون هناك اختلافا بينك وبيني فهم الحب، وبالتالي في فهم طبيعة البشر في التعامل مع الآخرين والأشياء من حولهم.

وتنطبق فكرة التعريف على الحياة، فلو عرفنا الحياة مثلا على أنها الجسد المتحرك ذاتيا، فهو يبحث عن الطاقة بنفسه، ويتحرك بنفسه. فسيكون مثل هذا التعريف منطبقا على الكثير من الكائنات الحية، فالصرصور يتحرك بنفسه، ويبحث عن الطعام ليبقي نفسه متحركا، وكذلك بالنسبة للكثير من الكائنات الحية بما فيها الإنسان، وكذلك أيضا فإن البكتيريا تتحرك، وتبحث عن الطعام، ولكن بالإمكان ندخل في هذا التعريف بعض انواع الروبوتات ليخل به، فمثلا أنا أمتلك آي روبوت (iRobot)، وهو روبوت منظف للسجاد والأرضيات، تشغله ليكنس السجاد، وحينما تشارف طاقته على الانتهاء يتوجه هو بنفسه إلى محطة الطاقة ليقف فوقها وتتصل أسلاك الكهرباء بوصلاته، ويعيد شحن نفسه. فهل الروبوت حي؟ لا يوجد من يدعي أن المكنسة الكهربائية – الآي روبوت – هي حية. وأيضا قد نقول أن بحسب هذا التعريف إن النبات غير حي، فهو لا يتحرك بالمعنى المتعارف عليه من الحركة، وإن كان ينمو، وبنموه يصل إلى مكان الغذاء فيتغذى عليه. إذن، بهذا يكون التعريف قاصرا، غير قادر على تصنيف الحياة بأسلوب معقول.

ماذا لو عرفنا الحياة على أنها الأجسام التي تنمو أو تتكرر (تتكاثر) ذاتيا؟ الآن نستطيع أن نقول أن النباتات ينطبق عليها هذا التعريف، وأيضا الحشرات والثديات والإنسان وحتى البكتريا، وهكذا اقتربنا من تعريف الحياة، قد يبدو أن هذا التعريف صحيح ودقيق لأول وهلة، حتى أن الآي روبوت لا يمكن إقحامه في هذا التصنيف، فهو لا ينمو ولا يكرر نفسه أو يتكاثر. ولكن المشكلة أنه لا يشمل الفيروس، فالفيروس لا يتكاثر ذاتيا، بل يحتاج لخلايا أخرى لكي تصنع من الدي إن إي أو الآر إن إي نسخ منه، فهل الفيروس هو غير حي؟ وكذلك ذكر البغال لا يستطيع أن يتكاثر، وبهذا التعريف يصبح البغل غير حي.

وإذا قلنا أن الأحياء تتكاثر ذاتيا، فلابد أن نقول أن معظم الأحياء غير حية، لأنها لا تتكاثر ذاتيا، فصحيح أن البكتيريا تتكاثر ذاتيا وتنقسم على نفسها، ولكن الحشرات والثديات والمعظم الكائنات الحية تحتاج لأزواج لكي تتكاثر، فذكر الغزال يحتاج للأنثى، وكذلك ذلك الطيور والحشرات، وحتى الإنسان لا يتكاثر ذاتيا، فالإبن لا يأتي من غير التزاوج. أما لو قلنا أن الفيروس الطبيعي لا يتكاثر ذاتيا فهو ليس بحياة، ماذا عن الفيروسات الكمبيوتر؟ هذه لديها القدرة على التكاثر بنفسها، فهي برامج قادرة على نسخ نفسها في البيئة التي تعيش فيها، فبما أنها تتكاثر فهي بحسب التعريف هي حية، لن يصدقك أحد إن قلت فيروسات الكمبيوتر كذلك.

حتى نتفادى بعض مشاكل التعريف السابق نستطيع أن نضيف للتعريف أن الكائنات الحية هي الأيضية، أي أنها قادرة على حرق الطعام، أنت حينما تأكل الطعام فإن جسمك يقوم بحرق الكربوهيدرات باستخدام الأكسجين لتحويلها إلى طاقة حرارية، إذن الحياة تنمو وتكرر نفسها باستخدام الأيض (Metabolism)، المشكلة في هذا التعريف أن يسمح للنار بالدخول في قائمة الحياة، فالنار تحرق وتستخدم الأكسجين، وهي أيضا تنمو وكذلك تكرر نفسها. بل لو أننا قلنا أن الأحياء تموت، فكذلك النار تنطفئ، ويمكن القول أنها تموت أيضا. فهل النار حياة؟

بإمكاننا أيضا أن نقول أن الكائنات الحية هي التي تستعشر ما حولها وتتفاعل معه، فالكائنات بإمكانها مثلا أن تستشعر الضوء، لترى ما حولها، وتتحرك في الإنارة بدلا من الظلام، أو أنها تستشعر الحرارة فتتعرق لتخفض حرارة الجسم، أو أنها تسمع الأصوات المخيفة لها وتهرب، أو الميكروبات تتغير في تفاعلها مع محيطها إذا تغير تركيز الأملاح فيها، أو إن عرضت البكتيريا للحمض فإنها تهرب منه، إذن الكائنات تستشعر مؤثرات في محيطها وتستجيب لهذه المؤثرات بشكل أو بآخر. بهذا التعريف بالإمكان إقحام بعض أنواع الروبوتات التي تستخدم الكاميرات لترى وتتفاعل مع الأجسام من حولها، أو حتى الثيرموستات الذي يتحكم بدرجة حرارة المكيف، فهو أيضا ينطفئ حينما تنخفض الحرارة، ويعود ليشغل حينما ترتفع الحرارة مرة أخرى.

هناك من يعرف الحياة على كل ما هو يتطور عن طريق الانتخاب الطبيعي، ذلك يعني أن الكائن الحي هو الذي يستطيع أن يتكيف مع البيئة ويتطور في كل جيل بناء على الانتخاب الطبيعي، ولكن حتى مع هذا التعريف سيبقى الإشكال مترافقا معنا، المشكلة هنا أيضا تكمن في أن هناك برامج كمبيوتر قادرة على التطور والتكيف في بيئة حاضنة لها، ولكنها لا تعتبر حياة.

قد يقول البعض أن الشيء الحي هو الشيء الذي يمتلك الروح، المشكلة في هذا التعريف أن حتى الروح غير معرفة بتعريف واضح متفق عليه، فلا يمكن بناء تعريف الحياة على الروح غير المعرفة، فمن الممكن أننا نقول أن الإنسان فيه روح، وكذلك الحيوان يمتلك الروح مثلا، ولكن ماذا عن البكتيريا، أو حتى الفيروس؟ هل لهما أرواح؟ ماذا عن النبات؟ هل للنباتات أرواح؟ وكيف يمكن لنا التوصل لوجود الروح فيها إن لم تكن هناك أي وسيلة لمعرفة الروح ذاتها، أنا أنظر للفيروس تحت المجهر وأقول لك أنه بلا روح، وأنت تنظر له وتقول أن له روحا، كيف لنا أن نفصل النزاع بيننا؟ إذن حتى الروح لا يمكن استخدامها في تعريف الحياة.

حتى التعريف الذي ألفه الفيزيائي شرودنجر عن الحياة في محاضراته، والذي يعتبر ربما من أغرب وأكثر التعاريف اختصارا وجمالا لا يعد تعريفا مناسبا، فقد عرف الحياة على أنها تلك التي تقاوم الفوضى، هنا شرودنجر يعتمد على القانون الثاني للديناميكا الحرارية، فمبدأ هذا القانون يقول أن الأنظمة في الطبيعة تتجه لزيادة في سوء التنظيم (ربما أنا حاولت أن أبسط القانون، وقد أكون غير دقيق في ذكره، ولكن هدفي هو إيصال الفكرة). تخيل مثل لو أنك تركت حديقة المنزل من غير اهتمام منك، مع الأيام ستزداد الحديقة سوء، وستموت النباتات، وتطول، ثم بسبب انقطاع الماء عنها ستصفر، ثم ستتجمع الأوساخ التي تطايرت إلي داخل الحديقة، وستتاقط أوراق الشجر، وهكذا شيئا فشيئا ستتحول من حديقة منتظمة إلى غير منتظمة، قارن هذا مع الحياة، فهي شيء منتظم، فهي تمتص الطاقة من حولها وتقوم بعمليات منتظمة شأنها التقليل من سوء النظام. طبعا لابد أن نراعي أن النظام في الكون بشكل عام يزداد سوء، فحتى وإن كانت الحياة منتظمة، إلا أنها تزيد في سوء النظام خارج محيطها، في مقابل تخفيظها بداخل محيطها. حتى تعريف شرودنجر غير مناسب لتعريف الحياة بدقة، لأن بعض الكريستالات المختلفة تعتمد على أخذ الطاقة من المحيط لتصبح أشكالا منتظمة، ولكنها لا تعد هي في ذاتها حياة.

العلماء حذرون من انتقاء تعريف قد لا يتناسب مع المكتشفات التي ستأتي من خارج الكرة الأرضية، فماذا لو أنهم عرفوا الحياة بطريقة تتماشى مع ما يرونه على الكرة الأرضية دون فتح المجال لإمكانية أن تكون الحياة بشكل آخر؟ ذلك سيؤثر على الآلات التي سيصنعونها لاكتشاف الحياة خارج الأرض، فإذا بعثوا مراكب فضائية مجهزة فقط بأجهزة تكتشف الحياة كما عرفوها، فلربما لن يكتشفوا حياة تختلف عما يعرفونه، أو لو أنهم قرروا أن الحياة لا يمكن لها أن تعيش في بيئة معينة ذلك يعني أنهم قد يغضوا الطرف عن كواكب قد تعيش عليها حياة في بيئات مختلفة.

وربما مع المكتشفات خارج الكرة الأرضية في المستقبل سيتمكن العلماء من وضع تصور أفضل وتعريف أكثر شمولية للحياة، خصوصا أن كل ما لدى العلماء اليوم هو نموذج واحد للحياة على الأرض، كل تراكيبها تتشابه في العموم من مواد كيميائية وهي تعيش في ظروف بيئية واحدة.

إذن ما الحل؟ الحل في أن العلماء وبغض النظر عن التعريف يقومون بمحاصرة الحياة بأساليب أخرى، فمنها محاولة إضفاء أوصاف مختلفة عليها، وكذلك فهم يحاولون أن يحددوا مكونات الحياة التي تجمع بين كل أنواع ما يعتقد أنها حياة، بالإضافة لذلك فهم يقومون بتحديد الظروف البيئية التي من الممكن أن تنشأ فيها الحياة. وبذلك يصبح عملهم كعمل النحات الذي ينحت في الصخور محاولا الوصول إلى الشكل النهائي تدريجيا. أو مثل عالم الآركيولوجي الذي يبحث في الأرض عن آثار لفخار قديم، فيزيل التراب تدريجيا حتى يكتشف شكل الفخار على هيئته الحقيقة.

في المحصلة النهائية، يصف العلماء على أن الحياة هي التي تحتوي على الأمور التالية، هذه الأوصاف ضرورية، ولكنها كافية (Necessary but insufficient):

1. منتظمة في تراكيبها وهيكليتها تنظيما عاليا.

2. تقوم بعمليات الأيض، حصاد الطاقة من حولها (Metabolism)

3. تتكاثر (أو تستنسخ) ذاتيا سواء أكان ذلك جنسي أو لا جنسي.

4. تستشعر ما حولها في البيئة وتتفاعل معه.

5. تنمو، ربما تزداد خلاياها وتكبر.

6. تتطور بالانتخاب الطبيعي للتأقلم مع بيئتها عبر الأجيال.

مكونات الحياة والغلاف الحيوي

ما هي المكونات الأساسية للحياة، أي ما هي الذرات التي تتكون منها جميع أنواع ما يطلق عليه العلماء بالأحياء؟ هناك تراكيب معينة مشتركة بين كل الكائنات الحية، بعض الحياة تحتوي على مركبات لا تحتوي عليها الكائنات الحية الأخرى، ولكن العلماء حددوا المركبات الدينا التي تشترك فيها جميع الكائنات، يمكن اختصار حروفها بكلمة تشنوبس (CHNOPS)، وفي حروف هذه الكلمة جميع الذرات المشتركة: الكربون، الهيدروجين، النيتروجين، الأكسجين، الفسفور، والكبريت، أو باللغة العربية بالإمكان استخدام كلمة “ككهفنا” للتعبير عن المواد المشتركة (استخدمت برنامج يعطي جميع التباديل للكلمات، ثم وضعت الكلمات في الميكروسوفت ورد، ومسحت جميع الكلمات التي لم تكن في قاموسه، ثم اخترت كلمة مناسبة للحفظ). لو أنك أخذت كل كائن حي على وجه الأرض اليوم، لوجدت أن كلها تشترك بهذه المواد، فقد يحتوي جسدك على الحديد، ولا يكون ذلك متوفرا في البكتيريا، ولكن على الأقل نحن نشترك مع البكتيريا بالمواد الأخرى التي ذكرتها قبل قليل.

اكتشفت عالمة الميكروبيولوجي فليسا ولف سايمون (Felisa Wolfe-Simon) من ناسا حياة تختلف مكونتها عن باقي الكائنات، فبدلا من أن تحتوي على CHNOPS، كانت تحتوي على مادة الزرنيخ Arsenic، الزريخ مادة سامة وتقتل معظم الكائنات على وجه الأرض، إلا أن الاكتشاف الذي اكتشفته ناسا هي أن بعض الميكروبات تتكون تركيباتها الكيميائية منه، فالزرنيخ هي مادة قريبة كيميائيا من الفسفور، وهذا يعني أن الكائن الحي المكون من هذه المادة يختلف اختلافا مهما عن كل الكائنات المعروفة، وخصوصا أن الدي إن إي هو الذي احتوى على المادة السامة.

انتشر الخبر كالنار في الهشيم على الإنترنت، وتناقلته وسائل الأخبار حول العالم، وصرحت ناسا به في مؤتمر صحفي ضم مجموعة من العلماء، وفهم الناس عمق مثل هذا الاكتشاف، فلو أن الحياة تتكون من مواد أخرى تختلف عن كل بعض مواد الرئيسية في الكائنات الموجودة في شجرة الحياة، ذلك يعني وجود شجرة حياة أخرى بصفات جديدة، وهذا يعني أن الحياة من الممكن أن تتكون بطريقة أخرى تختلف عن المتعارف عليه على الأرض، فإذا كانت هناك حياة مختلفة هنا، فلماذا لا تكون هناك حياة مختلفة على كواكب أخرى، وبالتالي سيكون تعريف الحياة أكثر شمولية واتساعا.

ولكن سرعان ما تدارك علماء الميكروبيولوجي الخبر، وبدأوا بالبحث في هذه الميكروبات، واكتشفوا أن الادعاء الذي ادعته (فليسا) لم يكن صحيحا، بل إن الميكروبات هذه كانت مجرد قادرة على تجميع الزرنيخ بداخل الخلية في بعض الجزيئات بدلا من الفسفور، ولكنها لم تستبدل الفسفور في الدي إن إي. ونشر العلماء ورقتين علميتين العلمية في مجلة ساينس الشهيرة (Science) تنفي صحة الخبر، ولم يعد لهذا الاكتشاف أي سحر، وفقد قدرته على توسعة المواد التي تتكون منها الحياة. إذن، الحياة كما نعرفها اليوم لا تتكون من مواد أكثر من الستة في الاختصار CHNOPS أو ككهفنا.

ذلك كان بالنسبة للمواد المشتركة، ماذا عن البيئة الحاضنة أو الغلاف الحيوي (Biospace or Biosphere)؟ أحضر كوبا (مثل كوب القهوة الكبير)، اقلبه على ورقة، احضر قلم رصاص نحيف جدا، ثم خط بالقلم بمحاذات فوهة الكوب لترسم دائرة، لو افترضنا أن الدائرة هذه تمثل محيط الكرة الأرضية، لكان الخط هذا يعبر عن أماكن تواجد الحياة عليها، بل إن سماكة خط قلم الرصاص ستكون أكبر بكثير من المساحة الكلية التي تعيش فيها الكائنات الحية، فهي موجودة على السطح وكذلك في السحب وأيضا في باطن الأرض والبحار، ولكنها لا تذهب إلى أعماق كبيرة، ولا تصعد إلى خارج الغلاف الجوي. والسبب يعود لكون الحياة محصورة في مجال بسيط من الظروف البيئية. فلا هي تتحمل الحرارة العالية، ولا الضغط الكبير، ولا الأشعة الكونية، ولابد أيضا لوجود الماء والمواد المختلفة الكيميائية التي تُكوِّن الحياة.

ما هي الحدود القصوى والدنيا لإمكانية تكون الكائنات الحية أو بقاءها حية لفترة طويلة من الزمن؟ لو أنك تأتي بخلية حية مثل خلية البكتيريا وتعرضها للحرارة العالية، فإنها ستموت، العلماء يعتقدون أن الحد الأقصى حراريا لبقاء الكائنات على قيد الحياة هو 122 درجة مئوية بحسب ما هو مكتشف من كائنات حية قادرة على التأقلم مع مثل هذه الدرجة العالية، مثل هذه الحرارة تمنع الكائنات الحية من التواجد بداخل الأرض في أعماق غزيرة جدا، فكلما اقتربنا من مركز الأرض، كلما ارتفعت درجة الحرارة مما لا يسمح للكائنات بالبقاء حية.

أو لو أنها تعرض للأشعة الكونية ربما لن تعيش أيضا، أقام العلماء تجربة لتعرف ما إذا كانت الكائنات الحية تستطيع العيش في الفضاء الخارجي حيث تتعرض لأشعة قاتلة تأتي من الشمس، الأرض تحمي سكنها من هذه الأشعة بعدة أمور منها الغلاف الجوي ومنها المجال المغناطيسي، فهل تستطيع الكائنات الحية أن تعيش في خارج البيئة التي تحميها من هذه الأشعة؟

أرسل العلماء 300 نوع من الميكروبات إلى المحطة الدولية الفضائية، ووضعت هذه الميكروبات خارج المركبة. فتعرضت لعدة ظروف قصوى منها: الأشعة الفوق بنفسجية، وأشعة أخرى مؤينة، والفراغ الخالي من الأجواء، ودرجات حرارة تتراوح بين 20 إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر، وكذلك جاذبية مخففة جدا، بالإضافة لعدم وجود أي غذاء تتغذى عليه. وضعت هذه الميكروبات في غبار نيزكي مصنع، ربما تستطيع أن تتخيل السبب لمثل هذه التجربة، فهل يمكن أن تحمل النيازك حياة على متنها ونقلها إلى كواكب أخرى؟ أو من الممكن أن نتساءل هل يمكن أن تنقل ناسا ميكروبات إلى المريخ؟ لو أن ناسا نقلت ميكروبات من الأرض إلى المريخ، وهي تحاول البحث عن حياة هناك فكيف ستميز ما إذا كانت الحياة هذه أصلها من الأرض أم من المريخ؟ ماذا لو أن هذه الميكروبات لوثت سطح المريخ، فهل يعني ذلك أنها ربما ستبدأ بالانطلاق هناك لتتطور ثم لتتكون حياة جديدة؟

بعد سنة وعشرة أشهر من التجربة أعيدت الميكروبات إلى الأرض للفحص، اكتشف العلماء البكتيريا أن برسيلاس ستاليس (Bacillus subtilis) نفذت بجلدها في الفضاء الخارجي، حيث اتجهت للسبات وانتظرت إلى أن توفرت الظروف والغذاء ثم عادت للتكاثر مرة أخرى، لكن لا يعني ذلك أنها لم تتأثر، لا ننسى أنها تحتوي على دي إن إي، وهو يتكون من جزئيات مترابطة مع بعضها، وحينما تتعرض جزيئاته للأشعة فإنها قد تتلف، لذلك عمل العلماء لمعرفة مدى التأثر والتغير الذي طرأ على هذه البكتيريا.

العديد من التجارب أقيمت على الكائنات لمعرفة الظروف القصوى أو المجال المسموح به للبقاء حية، أهمية هذه التجارب تكمن ليس فقط في معرفة ما إذا كانت هي قادرة على أن تعيش في ظل هذه الظروف، بل هي لمعرفة ما إذا كان بالإمكان أن تنشأ في أماكن أخرى في الكون، بحيث تكون أجواء تلك الكواكب مختلفة عن الأرض، فهل تستطيع أن تتكون هناك؟ فمواد ككهفنا التي تُكوّن الدي إن إي مثلا مترابطة بقوة ضعيفة كيميائيا، الظروف المحيطة القاسية تستطيع أن تكسرها بسهولة، فبمعرفة هذه الظروف بإمكان العلماء بسهولة معرفة الكواكب الآهلة لحياة مشابهة للأرض، وذلك بمجرد معرفتهم من بعيد لمناخ تلك الكواكب.

تجارب خاطئة لفهم كيف تنشأ الحياة

في القرن السابع عشر انتشرت فكرة تكون الحياة من خلال “التوليد التلقائي” (Spontaneous Generation)، أي أن بعض الكائنات الحية تنشأ تلقائيا من خلال وجود حياة أخرى تولدها، فمثلا من الممكن لو أننا قطعة من اللحم في مكان دافئ، وتركنا اللحم لفترة من الزمن، فستنشأ عليه كائنات حية مثل الديدان أو اليرقات، أو من الممكن أن تنشأ الفئران بالتوليد التلقائي من خلال وضع القليل من قشور القمح وملابس داخلية بداخل حاوية مغلقة، ونأتي لتلك الحاوية بعد 21 يوما سنجد أنها تحتوي على الفئران، قد تكون مثل هذه الفكرة غريبة، ولكن الناس كانوا يعتقدون بإمكان حدوثها. بل أقام البعض التجارب “العلمية” لإثباتها، فمن الممكن أن نجرب أن نضع قطعة من اللحم في مكان دافئ وإذا بالحياة مثل الديدان تدب على سطحه، ونحن نعلم أن مثل هذا الشيء يحدث في الحياة اليومية.

لم تتغير فكرة التوليد التلقائي حتى قام العلماء بتجارب علمية دقيقة ومنضبطة، وبعد التحليل المنطقي لتلك التجارب الغير منضبطة اكتشف الناس أن مثل تكون فئران في حاوية قشور القمح لم يكن إلا سوء ملاحظة، حيث أن القمح المنقول للحاوية كان يحتوي على الفئران الصغيرة بداخل القمح قبل نقلها، وأن الملابس الداخلية ليس لها أي تأثير في توليدها. أضف لذلك التجارب العلمية الدقيقة التي قام بها الطبيب والشاعر الإيطالي فراسيسكو ردي (Francisco Redi)، لم تدع مجالا للشك في أن الديدان التي نشأت على اللحوم كان تحتوي على بيض الذباب وبعد ذلك فقست لتصبح يرقات.

لكشف حقيقة التولد التلقائي قام ردي بإحضار 6 قناني، قسمهم إلى مجموعتين، كل مجموعة تحتوي على ثلاث قناني، في كل قنينة من المجموعتين وضع سمك ميت ولحم ني وجسم غير معروف، قام بتغطية المجموعة الأولى بغطاء شبكي بحيث لا يسمح للذباب بالدخول فيها، ولكنه سمح للمواد المختلفة بالتعرض للهواء، أما المجموعة الثانية فلم يغطيها، وإذا بعد أيام بدأ الدود بالتكون على اللحم المكشوف فقط، وأما المجموعة المغطاة بالشبك فلم يتكون عليها شيء، ومنها ومن تجارب عديدة أكدت له بلا أدنى شك أن الذباب هو السبب في تكون اليرقات، حتى أنه أخذ اليرقات، وتركها لتكبر وإذا بها تتحول إلى ذباب.

هذه الأفكار القديمة حول التولد التلقائي للحياة ألغيت بعد مثل هذه التجارب، ولم تعد محل اعتبار في نظر العلماء اليوم.

تجربة يوري وملير

واحدة من أكثر التجارب العلمية شهرة على نشوء الحياة من المكونات الكيميائية هي تلك الملقبة بتجربة يوري وملير، تعتمد فكرة التجربة على تكوين الأجواء الطبيعية التي كانت موجودة في بدايات نشأة الأرض، ومنها محاولة معرفة إن كان بالإمكان تكوُّن التراكيب الموجودة في الكائنات الحية كما نعرفها، وقد أساء الكثير من الناس فهم أهداف هذه التجربة، فهناك من يعتقد أن العلماء الذين قاموا بها كانوا يهدفون لخلق الحياة بداخل وعاء، ويدعي البعض أن التجربة فشلت في تكوينها، ولكن الحقيقة أن التجربة نجحت فيما كان مخططا لها. بل لا يزال العلماء يراجعون نتائج التجربة لمعرفة ما إذا كانت هناك مواد عضوية أخرى لم تكتشف في ذلك الوقت.

التجربة التي أقامها العالمان ستانلي ميلر (Stanley Miller) وهارولد يوري (Harlod Urey) في سنة 1953 هي تجربة بسيطة، كانت تحاول اكتشاف ما إذا كانت الأرض في حالتها الأولى وقبل تكون الأكسجين وثاني أكسيد الكربون بإمكانها أن تكون موادا عضوية، هذه المواد العضوية تعتبر المكون الأساسي للتركيبة الكيميائية للحياة. قبل أن يكون هناك أكسجين وثاني أكسيد الكربون على الكرة الأرضية، كانت السماء مليئة بالسموم، ولو أننا نعيش في نفس الأجواء في تلك الأيام لما استطعنا أن نتنفس، ولنفقت معظم الكائنات الحية على الأرض. وبالرغم من ذلك فإن مثل تلك الأجواء السامة، ستكون بيئة مناسبة لتكون التراكيب الابتدائية.

كان الاعتقاد السائد بين العلماء آنذاك أن الأرض كانت تحتوي على الماء والميثان والهدروجين والأمونيا ولم تحتوي على ثاني أكسيد الكربون أو الأكسجين، ولو أن هذه المواد عُرِّضت لظروف مناخية سائدة في تلك الفترة ستتركب الجزيئات على بعضها في عمليات كيميائية لتتكون موادا عضوية والتي هي أساس ما تحتويه الخلايا في أي كائن حي. وقد أسس لهذه الفكرة العالم الروسي أليكساندر أوبارين (Alexander Oparin)، وكتب كتابا يشرح فيه فرضيته. واعتمد العالمان على هذه الفكرة لإقامة التجربة.

وضع العالمان يوري وميلر قنينة بها ماء، وفي أعلى القنينة أوصلوا أنبوبة ترتفع إلى الأعلى ثم تعود لتنزل في قنينة أخرى، وهذه القنينة الثانية تحتوي على الغازات: الميثين، والأمونيا، والهيدروجين. واحتوت القنينة أيضا على سلكي كهرباء، لتوليد الشرارة الكهربائية بينهما، قد تكون شاهدت تولد القوس الكهربائي بين طرفين من الأسلاك، حينما يكون فرق الجهد بينهما عال، هذه الشرارة تماثل البرق الطبيعي. يسخن الماء من أسفل القنينة فيتبخر، ويمر عبر الأنبوب إلى أن يصل إلى القنينة الأخرى، فيجتمع مع الغازات المختلفة، ثم تعرض هذه المواد للشرارة، ثم تهبط هذه الخلطة التي تكونت في الأسفل خلال أنبوب متصل بالقنينة الثانية وتترسب في الأسفل.

حينما نظر ميلر إلى المواد المترسبة اكتشف أنها تحتوي على الأحماض الأمينية، وهي المكون الأساسي للبروتينات. كانت هذه التجربة دليلا على أن الأرض لو كانت بهذه الظروف وبهذه الغازات لتمكنت من إنتاج الجزيئات المناسبة لنشوء جزء أساسي من البروتينات.

تجربة ميلر ويوري

نشرت مقالة قصيرة جدا في مجلة الساينس الشهيرة، وإلى يومنا هذا يضرب المثل بهذه التجربة، ولكن هناك جانبان أساسيان يجب الانتباه لهما بالنسبة للنتائج. صحيح أن بعض المواد المستخدمة كانت موجودة في الأرض في سنواتها الأولى، وصحيح أن التجربة نجحت في إنتاج المواد العضوية، إلا أن الظروف التي اعتقد العلماء أنها كانت موجود في المليار سنة الأولى لم تكن دقيقة، فقد اكتشفوا أن الأرض كانت تحتوي على نسبة متدنية منها، بل كانت هناك غازات أخرى في الأرض كثاني أكسيد الكربون والأكسجين (بنسب مختلفة عما هي عليه الآن).

النقطة المهمة الأخرى هي أن الكثير من الناس يدعي أن التجربة لم تنجح، وهذا غير صحيح بتاتا، بل أن التجربة أنتجت موادا عضوية كما تصور العلماء، الخطأ الشائع بين الناس أن التجربة كان هدفها هو تكوين حياة في المختبر، الصور الذهنية التي يتخيلها البعض أن ميلر ويوري كانا يعتقدان أنه بمجرد إجراء هذه التجربة ستتكون حياة بكتيرية أو كائنات حية تتحرك بداخل القنينة، لم يكن هذا هو الهدف.

ولكن من الواضح أنه لو كان الهدف هو هذا الشيء (إنتاج الحياة) لكان بالإمكان القول أن التجربة فشلت، مثل هذه الإشاعة لم تكن إلا استهدافا للأبحاث التي يعمل بها العلماء لفهم الحياة، الإشاعة المفبركة هي التي تتهم التجربة بأهداف خاطئة حتى تدعي أن التجربة فاشلة، وهذه هي مغالطة رجل القش، والتي يختلق فيها المجادل حجة ضعيفة ثم يحاول أن يفند الحجة الحقيقة بها.

كيف بدأت الحياة؟

تحدثنا عن تجربة يوري وملير، هذه التجربة وإن كانت بسيطة إلا أنها تبين شيئا مهما، وهو أن طبخ المواد مع بعضها قد تَنتج منه المكونات الأساسية للحياة، المشكلة في الحقيقة ليست فيما إذا كانت التجارب تُنتج المكونات الأساسية للحياة، لأنه من المعقول جدا أن تتكون جزئيات أو تراكيب أولية من عمليات كيميائية، المشكلة الكبرى هي كيف تشكلت هذه المكونات لتكون البروتينات والدي إن إي والآر إن إي؟ ثم كيف دخلت كل هذه المكونات بداخل جدار الخلية؟ ربما تكون الإجابة على هذا السؤال من الصعوبة بدرجة التي جعلت الفيسلوف “آنتوني فلو” الشديد الإلحاد في التحول إلى الإيمان بوجود خالق كما ذكر في كتابه: “هناك إله” (There is a God).

هناك مشكلتان أساسيتان في الموضوع، المشكلة الأولى هي أن الخلية الحية تحتوي على مجموعة من المكونات المعقدة، ففيها الدين إن إي، وفيها البروتينات، وفيها أيضا الغلاف المحيط بالخلية الذي يغلف جميع المكونات (بالإضافة لإمور أخرى، ولكن لنركز على هذه الأشياء بالخصوص)، السؤال الأول: ما هو الجزيء الذي تكون أولا، هل تكون الدي إن إي أولا أم البروتينات؟ البروتينات يمكن مماثلتها بجهاز الكمبيوتر، والدي إن إي بالبرمجة أو الشفرة، لا يمكن الاستفادة من جهاز الكمبيوتر إن لم يكن هناك برامج بداخله، ولا يمكن الاستفادة من البرمجة إذا لم يكن هناك كمبيوتر يعالجها خطوة بخطوة. فلا يمكن أن يتم تكرار الدي إن إي من غير البروتين، حيث أنه هو الآلة التي تمسك بالدي إن إي وتعمل على نسخه، ولا يمكن إنتاج بروتينات إن لم يكن هناك دي إن إي، فالدي إن إي هو الذي يحتوي على المعلومات التي تشفر لتصنيع البروتينات. مشكلة البيضة والدجاجة مرة أخرى.

أضف لذلك، كيف دخل الإثنان إلى داخل الخلية؟ هل جدار الخلية كان موجوا أولا، ثم بعد ذلك تكون الدي إن إي والبروتين بداخلها، أم أنهما تواجدا أولا ثم أحاط بهما جدار الخلية؟ ما هو الاحتمال الذي يسمح لمثل هذه الثلاث أشياء أن تجتمع؟ الاحتمالات كبيرة جدا.

بل إن الاحتمالات في تكون الدي إن إي ذاته هي معضلة أكبر، وهذه هي النقطة الأساسية في رحلة آندروا فلو للتحول من الإلحاد إلى الإيمان، حيث أن المأزق الأساسي يتعلق بالمعلومات، فالدي إن إي هو حامل لشفرة تشكيل الحياة، بمجرد أن يمسك البروتين بالشفرة يتحرك لصناعة المكونات بداخل الخلية، ثم تنقسم، وتتكر العملية، كيف يمكن لهذه الشفرة المعقدة أن تتشكل؟

تخيل لو أعطيتُ لك الحروف الأبجدية، وطلبت منك أن تعيد كتابة القرآن الكريم، لنبدأ من أول كلمة في القرآن وهي “بسم”، اكتب الحروف الأبجدية على أوراق متفرقة، ثم ضعها في كيس، واسحب ثلاثة أوراق منه، ما هو الاحتمال أن تخرج لك الكلمة الأولى؟ بحساب التوافيق الرياضية نكتشف أن الاحتمال هو 1 من 3276، هذا فقط لكلمة واحدة، الآن ما هو الاحتمال لأن نسحب حروف الكلمة الثانية وهي “الله”؟ نكتشف أن الاحتمال هو 1 من 20475، الاحتمال أن تنتقي هذين الكلمتين بالتوالي هو 1 من 67,076,100، هذا فقط لكلمتين، فكيف إذن بجميع كلمات القرآن؟ إذا كان هذا بالنسبة لكلمات القرآن، فكيف إذن تسلسلت الجينات لتحتوي على شفرة أو معلومات كاملة لتكوين الكائنات الحية كما نراها اليوم، مثل هذه المعلومات لا يمكن أن تنشأ بالصدفة أو من خلال العشوائية.

دعنا من الدي إن الإي الذي تطور باستخدام نظرية التطور ليصبح أكثر تعقيدا كما هو في الإنسان مثلا، لقد ذكرت في حلقات سابقة أن نظرية التطور هي نظرية يتفق عليها العلماء، ليس النقاش في الدي إن إي البالغ التعقيد، بل حتى في أبسط تركيباته، السؤال يرجع لبداية تكون الدي إن إي لأول كائن حي، حتى أبسط الكائنات الحية تحتوي على الآلاف من الأحماض الأمينية في الدي إن إي، فكيف لها أن تتراكب بطريقة يمكن لها أن تشفر للحياة؟ فالاحتمالات الهائلة تعني أن المطبخ الأرضي لم يكن باستطاعته تكوين هذه التسلسلات في الفترة الزمنية المناسبة، حتى لو كان الطبخ لمليارات السنوات.

هذه لا تزال مشكلة لم يستطع العلماء علاجها، وربما ستأخذ سنوات عديدة لحلها، وقد لا يصل العلماء إلى حلها أبدا، فالظروف التي بدأت فيها الحياة غير معروفة بالكامل، وكذلك الطرق التي تؤدي إلى تكون الدي إن إي متعددة، أُشبهها بالإهرمات أو بعض الأبنية القديمة، لم يدون الصناع طريقة البناء، ولا تركوا خرائط لنراها، لذلك في محاولة العلماء لاكتشاف الطريقة التي أنشأت بها هذه الأبنية يقترحون عدة احتمالات، ولكن لا يُعرف أي منها كانت هي الطريقة الصحيحة. فهل سيكتشف العلماء كيف تكوت الحياة؟ هذا السؤال ندعه للمستقبل، وخصوصا أن هناك تحركات كبيرة لحل السؤال، العلماء في المختبرات والمفكرون يعملون ليل نهار، فكما علموا أن الحياة اليوم تطورت تدريجيا لتصل إلى ما هي عليه من تعقيد، وكذلك كما اقترحوا عدة طرق لإنشاء الإهرامات، فلربما يأتي اليوم الذي تُكتشف فيه الطريقة التي نشأت فيها الحياة في البداية.

قصة الحياة من البداية

انفجر الكون انفجارا عظيما، وتكونت النجوم والمجرات والكواكب على مدى مليارات السنوات، واحدة من هذه المجرات كانت مجرة درب اللبانة، وبداخل هذه المجرة تكونت الشمس قبل 4.5 مليار سنة، ومع تكون الشمس تكونت مجموعة من الكواكب من حوله، واحدة من هذه الكواكب كانت هي الأرض، كانت الأرض حارة جدا في البداية، وبدأت حرارتها بالانخفاض، كانت مليئة بالغازات التي تختلف نسبها عن نسب الغازات الحالية، بعد فترة من الزمن بعد حوالي 800 مليون إلى مليار عام منذ بداية تكون الأرض (أي قبل 3.5 مليار سنة تقريبا) ظهرت أول كائنات حية بسيطة جدا، كانت مجرد خلايا من نوع بروكاريوت (Prokaryote)، ثم بعد ذلك وقبل 3.4 مليار سنة تكونت الحياة القابلة للتمثيل الضوئي، ثم بعد 2 مليار سنة تكونت الحياة المعقدة الملقبة بيوكاريوت (Eukaryotes)، وقبل مليار سنة في الماضي ظهرت الحياة المتعددة الخلايا، ثم حدث الإنفجار في تنوع الكائنات الحية، حيث أن قبل 542 مليون سنة في الماضي تنوعت الكائنات على مدى 80 مليون سنة بسرعة هائلة، تسمى هذه الفترة بالإنفجار الكامبري (Cambrian Explosion)، لم يكن لها مثيل لا في الماضي ولا في الحاضر، ثم ظهرت الديناصورات قبل 230 مليون سنة، وبقيت هي المهيمنة على الأرض حتى 65 مليون سنة، ثم بعد ذلك انقرضت فيما يظن العلماء بسقوط نيزك هائل قضى عليها كلها تقريبا، ولكن بقيت بعض الحيوانات تحت الأرض وبعض الطيور، وإلى أن بدأت حقبة الثديات، وهكذا إلى أن ظهر البشر قبل حوالي 6 ملايين سنة وإلى يومنا هذا مع باقي الثديات.

العلماء يعرفون هذا التدرج من خلال الدراسات العلمية، ابتداء من الإنفجار العظيم إلى يومنا هذا، من الواضح أن هناك تدرج منطقي لما يحدث في الكون من البداية إلى الوقت الحالي، الصورة مجزأة، ولكنها مؤشر واضح على أن الكائنات أخذت هذا المنحى في الحركة من البسيط إلى المعقد كما نراه اليوم، نشوء الكون وتكون النجوم والمجرات والكواكب في مجمله واضح بالنسبة للعلماء الفيزيائيين، وكذلك نظرية التطور التي تحكي قصة انتقال الكائنات من حالة إلى حالة إلى وصولها إلى يومنا هذا، النظرية أيضا واضحة وصريحة في تدرج الكائنات الحية، بين هذين التدرجين تبقى هناك معضلة، وهي تكون الكائنات في بداية انطلاقها، لا يزال البحث قائما في هذا المجال، العلماء لا يعلمون كيف بدأ الخلق، ولكنهم لا يشكّون في أن هناك تدرج طبيعي له.

من الواضح أن العلماء في الغرب والشرق يبحثون عن فهم لبداية تكون الحياة، ولكن في هذه المنطقة التي أعيش فيها فحتى التساؤل شبه معدوم، بحثت على الإنترنت عن جملة “ما هي الحياة؟” فلم أجد إلا إجابات لأسئلة نفسية ودينية، لم أجد شيئا في الجانب العلمي إلا ما ندر، وحتى إن تحدثت عن الكائنات الحية، لم أجد سوى بساطة في محاولة فهمها، بحثت أيضا عن جملة “كيف بدأ الخلق” استنادا على الآية الكريمة التي تقول: ” قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ”، فوجدت أن جل الإجابات على السؤال تعتمد على الدين، ليس هناك من يجلس في المختبر ويبحث بحثا علميا في الموضوع، وبعض الإجابات تحاول أن تجيب على السؤال حول تكون الكون والانفجار العظيم، كل الإجابات تأخذ النتائج التي خرجت من مختبرات الغرب والشرق للإجابة، بينما من الواضح أن السير هو في الأرض لمعرفة كيف بدأ الخلق هنا وليس الكون كله. أرجو أن بهذا الطرح البسيط عن الحياة أن تستثار العقول ونخرج للبحث عن الحياة على باستخدام أصول العلم الطبيعي.

الدلائل على تكون الحياة كثيرة، ولكننا نحتاج لشخص يوحد هذه المعلومات في ملاحظات دقيقة جدا للوصول إلى معرفتها بشكل صحيح، وإلى طريقة تكونها في البداية، ربما تكون أنت الشخص الذي يجد الحل، وستكون بمثابة نيوتن أو آينشتاين أو داروين، ويخلد اسمك في التاريخ.

ما الذي لم أتحدث عنه في هذه الحلقة؟

هناك العديد من الأمور التي كنت أود التحدث عنها في هذه الحلقة، ولكن قررت أن أدعها لحلقات أخرى. وهي

1. من سبق؟ الدي إن إي أو البروتين أو الآر إن إي؟ وكذلك تجربة سبيجلمان الملقبة بـ”الوحش الصغير” وهي تجربة مثيرة جدا.

2. هناك العديد من التجارب الأخرى غير تجربة ملير يوري لفهم كيف نشأت الحياة، لم أذكر أي منها.

3. هناك أيضا عمل كريج فنتر في تخليق أو تصنيع خلية في المختبر، أو بالأحرى تكوين الدي إن إي في المختبر وزرعة في خلية ثم إحياءها.

4. البحث عن أقصر دي إن إي بحيث يكون قادرا على أن يشفر للحياة.

5. البحث عن الحياة في كواكب أخرى، هذا بحد ذاته يحتاج لحلقة كاملة.

المصادر

  1. Life at the Speed of Light: From the Double Helix to the Dawn of Digital Life, J. Craig Venter.
  2. What is life?, Erwin Schrodinger.
  3. Origins of life, Freeman Dyson.
  4. A Production of Amino Acids under Possible Early Earth Conditions, Stanely Miller.
  5. There is a God, Antony Flew.
  6. Astrobiology and the Search for Extraterrestrial Life, University of Edinburgh, Charles Cockell, lectures at Coursera, 2014
  7. Astronomy 141: Life in the Universe, The Ohio State University, Richard Pogge, 2009, Audio Lectures.
  8. NASA-Funded Research Discovers Life Built With Toxic Chemical, Nasa.
  9. Scientists say NASA’s ‘new arsenic form of life’ was untrue, Kerry Sheridan, 2012.
  10. Are Viruses Alive, Scientific American, December 2004

 

Posted in Biology, Evolution, Science | 5 Comments

السايوير 2012-2013

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

لقد قمت في نهاية سنة 2011 بطرح حلقة مراجعة للسنوات التي قبلها، وذكرت أن في العادة تقوم البودكاستات بمراجعة السنة السابقة بحلقة في نهاية كل سنة، لم أستطع أن أقدم حلقة نهاية السنة في سنة 2012، ولكني أعود مرة أخرى الآن لأجمع بين السنتين 2012 و 2013. سأقوم بذكر أفضل 10 حلقات على مدى السنتين السابقتين.

كذلك طلبت من المستمعين الأحباب أن يرسلوا رسائل وتسجيلات صوتية يستعرضون آراءهم في السايوير بودكاست، وأرسلت لي بعض التسجيلات، وكذلك بعض الرسائل، للأسف قدمت هذا الطلب قبل يومين لذلك لم أجمع الكثير منها، البعض علق على صفحة الفيسبوك وقدم الشكر من خلال الفيسبوك، ولكني سألتزم بطرح من أرسل لي الرسائل عن طريق الإيميل.

هناك رسالة واحدة غريبة جدا، سأقدمها في كآخر رسالة أرسلت لي، رسالة لم أكن أتوقعها، الرسالة من أمريكي لغته الأم هي اللغة الإنجليزية، شككت في الرسالة في البداية، ولكن اتضحت الأمور بعد أن طلبت من الأمريكي طلبا خاصا. وربما ستجد الرسالة غريبة أيضا، ولكنها بلا شك واحدة من أفضل الرسائل التي أرسلت لي.

هناك رسائل أخرى عادة ما ترسل لي في الإيميل (لم تكن من تلك التي طلبتها في خلال اليومين الماضيين)، بعضها كان من القوة في التعبير لدرجة أنني لم أتمالك نفسي ودمعت عيني، ولكني للأسف لا أستطيع قراءتها لأن أصحابها لم يأذنوا لي بقراءتها.

في هذه الحلقة أيضا سأضيف بعض النشاطات الأخرى التي أقوم بها من ضمن التوعية العلمية العامة، فصحيح أنني بدأت بالسايوير، ولكن العمل شيئا فشيئا يتسع، ربما سيصل إلى المستوى الذي يمكنني أن أفتخر به.

الرسائل

في البداية أود أن أستعرض الرسائل الصوتية، وبعد ذلك سأقرأ الرسائل المكتوبة، وأنا أقدم شكري لكل المستمعين سواء أرسلوا لي هذه الرسائل أم لم يرسلوها، أنا أعرف – من عدة قنوات – كم هو اهتمامهم بسماع السايوير بودكاست، أجد هذا الصدى على الفيسبوك أو التويتر أو الرسائل الخاصة أو حتى من خلال أرقام إنزالات السايوير بودكاست، وهذه كلها صورة كافية لي ودلالة على الاهتمام في إكمال مسيرة السايوير.

(أصوات المستمعين الأحباب)

(رسائل المستمعين)

بالنسبة للرسالة التي قرأتها ربما ستستغرب أن الذي أرسلها هو أمريكي لغته الأم هي اللغة الإنجليزية، وأنا معك، ما دعاني للاستغراب هو أن الشخص الذي أرسلها كتب في البداية كلمة “دوكتور” ولكن بقية الرسالة كانت من دقة في التعبير أنني شككت في المرسل، فكيف يمكن لشخص أن يتعلم العربية ويكتب بهذه القوة بمجرد دراسة اللغة خلال سنة ونصف، وخصوصا أنه ليس عربيا في الأصل، عبقري أو مازح! كنت أعتقد أن المرسل يريد أن يقوم بمقلب، ربما كان يتظاهر أنه أمريكي. لكن المشكلة أنني لا أحب أن أقلل من شأن أي شخص، ولا إهانته.

فأرسلت له رسالة طلبت منه أن يتحدث السايوير بودكاست باللغة الإنجليزية في تسجيل، فأرسله، وصدمت صدمة إيجابية بكل تأكيد، وأرسلت له رسالة بينت فيه شكي في البداية، وشكرته كثيرا على رسالته. فله جزيل الشكر، وللجميع أيضا الشكر الكثير، لا يقل امتناني لهم عن Alex، ولا حتى بقدر نيوترينو.

(صوت أليكس في الرسالة)

من خلال الرسائل التي أرسلت لي أريد أن أوضح بعض النقاط الأساسية التي أعتبرها بصمة للسايوير بودكاست، وهي واضحة من ملاحظات المستمعين.

1. تسهيل المعلومات: أقضي الوقت الكثير في محاولة تبسيط المعلومات بحيث أستطيع أن أوصلها لعامة الناس، الكثير من الوقت يذهب للتفكير والتحضير لها، وأحاول في الكثير من الأحيان إما انتقاء أفضل الأمثلة أو أن أكوّن أمثلة من عندي تتناسب مع الفكرة المطروحة. ولكن في نفس الوقت، لا أريد أن أبسط المعلومات أكثر من ذلك بحيث تفقد محتواها العلمي، وكذلك لا أريد أن أبسطها بحيث لا يتطور المستمع، واحدة من الأمور التي تعلمتها خلال حياتي من المطالعة هي أن أي موضوع أقرأه في البداية أجد صعوبة في فهمه، ولكن مع الاستمرار في قراءته على مر الزمن من عدة مصادر أجد نفسي تصعد مع مستوى المعلومات، فبدلا من أن يتم تخفيض المادة لتتناسب مع مستواي العلمي كنت أنا الذي يرتفع معها، ولذا أفضل أن يرتفع المستمع مع مستوى العلم تدريجيا بدلا من أن ينخفض العلم لمستواه. وأفضل أن يتابع الموضوع من عدة مصادر ليفهمه بدرجة أكبر، ويرتقي بنفسه.

2. الدقة في المعلومات: تلاحظون أنني أكرر كثيرا اهتمامي في دقة المعلومة، لا أدعي أنني أستطيع أن أكون في منتهى الدقة، ولكني بالتأكيد إذا اكتشفت أي خطأ أعالجه في حلقات لاحقة دائما، وهذه واحدة من أهم – ما أعتقد – يتميز به السايوير بودكاست، وربما هذا هو انعكاس لشخصيتي في التعاملات اليومية، فأنا أبحث عن المعلومة من عدة مصادر في الكثير من الأحيان، وحينما أواجه أقل شك في المعلومة أنفر منها بسرعة، بل أكثر من ذلك، أحاول أن أفهم المعلومة بالشكل الصحيح إن أمكن من غير المؤثرات الإعلامية، فالكثير من المواقع تستعرض المعلومات بتبسيط وبمالغة شديدتين إلى درجة أن المعلومة تصبح غير صحيحة، أو أنها تستخدم مصطلحات جاذبة بحيث تتغير المعاني، فتفقد المعلومة صدقها، كشف حقيقة الخبر أمر صعب الإحاطة به بدقة، ولذا أنا أبذل جهدا لا بأس به في محاولة إزالة المكياج عن وجه الخبر إلى أن أصل إلى الجلد.

3. التنوع: أحاول بقدر الإمكان التنويع في الموضوعات، كثيرا ما أبدأ بحلقة أولى لموضوع معين، ثم أترك الموضوع لأعود له مرة أخرى في أسبوع بعيد أو شهر أخر، هناك سببان لذلك: الأول هو المستمع، والثاني هو أنا، لأني لا أريد أن يمل المستمع من طرح الموضوع بتكرار أتفادى تتابع الموضوع ذاته (هناك اسثناءات لهذه القاعدة، فأحيانا أكون في مقابلة مع ضيف، ولا أستطيع أن أفصل المقابلة). والسبب الآخر هو أن بعض المواضيع المطولة تحتاج لجهد كبير في الإعداد، وبما أني أريد أن تكون الحلقة بمستوى يكون مناسب مع تطلعات المستمع أقضي الوقت الطويل في إعدادها. فأقحم بينها مواضيع صغيرة أستيطع إعدادها في وقت أقصر.

4. الامتناع عن طرح رأيي الشخصي بقدر الإمكان: لا أقول أنني لا أذكر رأيي في البودكاست، ولكن ستجد أن آرائي تكاد تكون معدومة، وهذه أيضا ميزة خاصة في البودكاست ومهمة جدا في نظري، لعدة أسباب، منها أولا أني أتصور أن المستمع لا يريد أن يعرف ماذا أعتقد شخصيا عن موضوع معين، بل يريد أن يستمع لرأي متخصص في الموضوع: رأي شخص قام بتجربة علمية دقيقة، وحللها وأجهد نفسه للوصول إلى رأي صحيح أو رأي قد يكون صحيحا، فماذا أستطيع أن أقدم أنا شخصيا في مقابل رأي ذلك العالم المجتهد إن لم أكن متخصصا في الموضوع؟ أتصور القليل أو اللا شيء أبدا.

كثيرا ما أذكر لطلبة الدكتوراة أنه إذا أردت أن تكتب معلومة في ورقة علمية أو في بحث فلابد أن تكون هذه المعلومة أتت بإحدى طريقتين، الأولى أن يكون هناك من قام بالبحث والتفكير والتجربة والتحليل والنقد لهذه الفكرة ثم نشرها وأنت نقلتها عنه بثقة، أو أنك قمت أنت بالتفكير والتجربة والتحليل والنقد لفكرتك ونشرتها ثم ذكرتها في بحثك، عدا ذلك تصبح المعلومة هزيلة القوائم، ضعيفة الأركان.

ثانيا، إذا قمت بطرح آرائي أنا فكيف للمستمع أن يفرق بين المعلومة الصحيحة الدقيقة وبين الرأي (الذي قد يكون صحيحا أو قد يكون خاطئا)؟ وربما هذا سيفقدك الثقة في المعلومات ولن تعتمد عليها كمصدر موثوق به. وتهمني ثقة المستمع بالدرجة الأولى.

ثالثا، الآراء تحتوي على مزيج من الأهواء والانتماءات الشخصية، ربما سيؤثر هذا على صدق الطرح، العالم حينما يفترض فكرة معينة عليه أن يتجرد من أهوائه حتى يصل إلى الحقائق. لا يعني أنه سيصل،  فهل من حقي أن أحكم على التجربة وأبدي فيها رأيي؟ لا طبعا، أنا بعيد عن التجربة، وأحتاج لأن أطلع عليها وعلى الأبحاث المختلفة لأصل إلى رأي معقول ومقبول. ثم إن هناك علماء آخرين مختصين قد يختلفون مع البحث العلمي، فلماذا لا أطرح هذه الآراء بدلا من رأيي؟ وهذا ما أفضله شخصيا.

5. الحيادية: في الحقيقة أنا غير محايد تماما، أنا منحاز للعلم، والسايوير بودكاست عن العلم والتكنولوجيا وبعض الفلسفة والخيال العلمي، فتوقع أن أنتقي المواضيع التي تتناسب مع الطرح بشكل داعم، ولكن ذلك لا يعني أنني حينما أطرح الموضوع لا أذكر الآراء المضادة والمختلفة – والتي تريك جوانب متعددة للموضوع. فمثلا حتى وإن كنت منحازا للعلم لا يعني أنني لن أقوم بحلقة تبين مساوئه، وهذا الموضوع (موضوع مغالطات العلم) أيضا موجود في قائمة المواضيع التي سأطرحها، لماذا؟ لأنك حينما تعرف الآراء العلمية المختلفة ستستطيع أن تتجنب السلبي منها، وستستطيع أن تعدل منها، وستستطيع أن تفهم الأمور بشكل الحقيقي، وكشف الأخطاء هو جانب فلسفي عميق كلنا نحتاج لمعرفته.

6. النقاشات: أمر من أهم الأمور التي أصبو إليها، هو خلق جو للنقاش في المواضيع العلمية، أمنية وحلم كبير بالنسبة لي، أصادف الكثير من المستمعين والأصدقاء ممن يذكرون لي استخدامهم للمعلومات في النقاش، حتى أن البعض من المدرسين والدكاترة يستخدم بعض موضوعات السايوير من ضمن الدروس والمحاضرات، بالطبع فأني أتشرف بذلك، وأشكرهم كثيرا، ولو أن الشرف الأساسي يرجع للعلماء الذين قاموا بالتجارب، فلست إلا ناقلا وصائغا لتلك الصور العلمية الزهية الجميلة، أتمنى أن يستمر الناس في النقاش.

المشكلة أن النقاشات الإنسانية والسياسية والإقتصادية والدينية تأكل الأجواء الاجتماعية أو الجماعية، الود كل الود لو ينشق مجرى جديد في النقاش، ويجري فيه نهر العلم، لماذا؟ لأن الدول الكبرى – بالإضافة لكونها تتحرك بما نتناقش فيه نحن من سياسة ومال ودين وغيره من المواضيع – فهي أيضا تتحرك وتتغير شعوبها وقوانينها وثقافاتها بالعلم، فبالإضافة لكون العلم جارفا لمنتجات مادية ومحسوسة ومؤثرة ومغيرة للإنسان، إلا أن خرير الفكر العلمي يحسن من اتخاذ القرار في الدول على المستوى الجماعي وأيضا على المستوى الفردي.

هل استمعت لحلقة “التصنيف والجماعات”؟ هل غير العلم نظرتك لكيفية تصنيفك لنفسك، هل أنت تنظر للجماعات بنفس الطريقة القديمة بعد أن أجريت عملية ليزك على بصيرتك؟ ماذا عن حلقة “لماذا نعد النجوم؟”؟ هل كنت تعتقد أن الصرف الهائل على الفضاء لا فائدة منه؟ ماذا تعتقد الآن بعد أن علمت بعوائد هذه المبالغ على تحسين حال البشر جميعا على الصعيد المادي والنفسي؟ ماذا عن مغالطة الانحياز التأكيدي التي أقيمت عليها الدراسة تلو الدراسة؟ هل أصبحت تعرف من ينتقي المعلومات لصالحه ويهمل التي ليست من صالحه؟ ماذا عن الصراع بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي؟ هل تعتقد اليوم أن الكمبيوتر قد يتغلب على الإنسان، فلربما نحتاج لأن ننتبه من أن يتسيد علينا. ماذا لو رأيت نمطا معينا، هل لا تزال تضفي عليه المعاني الخاطئة بعد أن اكتشفت المغالطة من حلقة “لماذا نرى الأنماط؟”؟ هل لا تزال تقبل السرد القصصي في الاستدلال على فكرة أم أنك تستخدم الأدلة الدقيقة لذلك بعد أن سمعت حلقة “الدليل بين السرد القصصي والعلم التجريبي”؟ كل هذه العلوم تغيرك، وتغير نظرتك للعالم، وحينما تغير نظرتك للعالم ستغير أصدقاءك، وجماعتك، وبلدك، والعالم بأسره.

نشاطات أخرى للسايوير

لا يزال المشوار في البداية، ولكني أحاول أن أنوع في النشاطات، حتى يكون الناس على اطلاع دائم على العلم، فبالإضافة للبودكاست ومدونة السايوير (https://sciwarepod.wordpress.com)، لدي صفحة السايوير على الفيسبوك (http://www.facebook.com/sciware)، لها أكثر من 100,000 متابع، ربما تكون أنت واحدا منهم، في هذه الصفحة أضع أحدث المعلومات العلمية والتكنولوجية والفنية والفلسفية وما إلى ذلك، هناك حركة دائمة على الموقع، بدأت الصفحة قبل عدة سنوات لوحدي، ولكن قبل حوالي الشهر حولت الموضوع إلى عمل جماعي، والآن يكتب في الصفحة 3 أشخاص أخرين وهم: حسن البلوي من السعودية وهو يدرس الدكتوراة في الولايات المتحدة الأمريكية، إبراهيم الدرعاوي وهو من سوريا ويعيش في الكويت، وكذلك عبد العزيز القرني من السعودية، كل شخص يتميز بطريقة في طرح المعلومات، والتعليق عليها. وأتمنى أن يستمر العمل الجماعي على الصفحة ويتطور إلى أكثر من ذلك.

وكذلك لدي التويتير الشخصي والذي أخصصه للمواضيع العلمية، أضع الموضوع مع الرابط للمتابعين، تستطيع أن تتابع التويتر على @mqasem. أضف لذلك أنا أقوم أيضا بإلقاء محاضرات في قاعات عامة وكذلك محاضرات في المدارس، وهذه مهمة بالنسبة لي لأني أري الصور مقاطع الفيديو وأقرب المعاني المفقودة في البودكاست، وغالبا ما يكون الإقناع أكبر من الصوت لوحده، بسبب هذه المحاضرات تعرفت على الكثير من المتابعين وتحدث معهم وجها لوجه. وذلك يسعدني كثيرا.

بالإضافة لبعض المقابلات التلفزيونية السابقة، قبل أيام كنت في راديو الكويت إذاعة البرنامج العام في مقابلة ببرنامج صناع المستقبل، كانت المقدمة للبرنامج الأستاذة باسمة الشمار، المقابلة سجلت وسيتم عرضها خلال الأسبوعين القادمين، وحالما يتم إعلامي بالحلقة سأخبركم بالمواقع من خلال السايوير أو التويتر أو الفيسبوك.

لدي أيضا قناة السايوير على اليوتيوب، هذه أيضا أضع فيها لقطات بين الحين والآخر، فيها لقطات مراجعة لبعض المنتوجات التكنولوجية، وكذلك حلقتين علميتين عن العوالم المتعددة والعوالم المتوازية، وأيضا عن النظرية النسبية الخاصة، صورها وأخرجها ومنتجها المندس هاني بهي الدين، ومن غرائب الصدف أن هاني أمه الكريمة هي ناعسة الجندي التي كانت تقدم البرنامج العلمي المتنوع “أخبار جهينا” مع  أحمد سالم، وهو واحد من البرامج التي أثرت بي في الصغر وحببتني في العلم.

عرضت علي العديد من الفرص لعمل برنامج تلفزيوني علمي، ولكني تنزالت عنها كلها، ليس لأني لا أريد برنامجا تلفزيونيا، وخصوصا أنني ظهرت على التلفزيون عدة مرات، ولكن المشكلة أني لا أريد أن أكون جالسا على الكرسي وأمامي طاولة وأحدث الناس وكأني في السايوير بودكاست الصوتي، البرامج التلفزيونية العلمية اليوم بصرية بالدرجة الأولى، أمنيتي أن يكون البرنامج على مستوى البرامج العالمية، مثل الديسكفري أو البي بي سي أو غيرها، أسافر إلى العلماء وأدخل إلى مختبراتهم، وأريكم كيف يعمل العلماء عن كثب، أريد أن أدخل إلى المصادم الهدروني الكبير وأصوره لأخبركم عن الهيجز بوزون وبجانبي المغناطيسات المهولة، وأريد أن أذهب إلى كريج فينتر إلى داخل مختبره المتنقل لأريكم الدي إن إي والبكتيريا التي صنعها، أريد أن أدخل، وأتحدث مع ميشو كاكو ونيل دري جراس تايسون والعديد من العلماء الممتازين أثناء عملهم، ليشرحوا العمل من أفواههم. أضف لذلك مثل هذه البرامج تحتاج إلى متخصصين في المؤثرات الصورية، بحيث إذا ما تحدثت عن الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة يستطيع الشخص أن يرسم رسمة ثلاثية الأبعاد تلتهم القلوب. هذا ما أتمناه. وربما يتحقق يوما ما.

أكثر الحلقات إنزالا في السنتين الماضيتين

هذه الإحصائية تقوم على الأعداد لشهر واحد من صدور كل حلقة. ستعرف الآن إذا كانت أذواق الناس تتناسب مع ذوقك الشخصي. ها هي بالعد التنازلي

10. SW078 مغالطات في التفكير النقدي

9. SW086 التنافس الكبير بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي 3 : نهاية البشر

8. SW081 المادة الداكنة والطاقة الداكنة في الكون 1

7. SW076 الدليل بين السرد القصصي والعلم التجريبي

6. SW080 2 المركبة كيوريوسيتي والبحث عن الحياة على المريخ

5. SW088 كيف تعمل نظرية التطور

4. SW075 كيف تكشف المغالطات

3. SW077 الهيجز بوزون

2. SW073 مستقبل البشرية 1: الطب

1. SW074 لماذا نعد النجوم؟

مع ملاحظة أنني لو جمعت الحلقتين الأوليين من مقابلة الدكتور فيصل الصايغ وعن نظرية التطور، لحازت هي على المركز الأول، لأن الحلقتين في الحقيقة هي حلقة واحدة.

أما بالنسبة لأكثر الدول استماعا لهذه السنة بالترتيب التنازلي: السعودية لا تزال هي المتصدرة الدول كلها بفارق هائل، ثم الولايات المتحدة الأمريكية، ثم الكويت، ومصر، والمغرب والجزائر، والإمارات والعراق والمملكة المتحدة وعمان، الفارق عن 2011 أن المغرب تقدمت على الجزائر بعد أن أتت بعدها بالمرتبة، وتنحت البحرين بسبب عمان في المركز العاشر.

وأخص بالذكر أحد أسلحتي الكبرى في إنجاح مواضيع البودكاست، وهو المهندس عايد العجمي (والذي يدرس في الولايات المتحدة الأمريكية الآن للحصول على الدكتوراة) لنقاشاته التي لا يمكن استبدالها بأي بديل يضاهيها في المستوى العلمي، كثيرا ما قدم نصائح ومعلومات وانتقادات بناءة لا يمكنني الاستغناء عنها، وكذلك فيصل المهدي الذي من غيره لم يكن لنشاط البودكاست أي وجود، فاستشاراته في شتى المجالات الإدارية كانت كالدفة بيد ربان السفينة.

بالطبع فإن أهم مكون للسايوير بودكاست وكل نشاطاته هو أنتم المستمعون، باهتمامكم بالاستماع للحلقات، ونشرها، وذكرها والمناقشة في مواضيعها، والتعليق عليها وإرسال الرسائل الشخصية قام الأساس الداعم الأكبر لهذا النشاط، فمن غيركم أنتم لم يكن ليستمر البودكاست، واقتراحاتكم أيضا ساهمت بشكل مباشر في التحسين من البودكاست وتطوير المواضيع.

Posted in Review | 3 Comments