الدليل بين السرد القصصي والعلم التجريبي

الدليل بين السرد القصصي والعلم التجريبي

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

حينما كنت في المدرسة الإبتدائية، كنت أجرب بعض التجارب، ومن هذه التجارب هي تكوين الصداع في المدرسين من خلال التركيز عليهم بالنظر إليهم من بعيد، فإذا سئمت من حصة كنت أنتقم من المدرس، فأنظر إليه بتركيز شديد، إلى الحد الذي تبدأ هالة زرقاء بالظهور من حول رأسه، فإذا بدأت هذه الهالة بالظهور بدأ هو بالاحساس بالصداع، وحتى أقوي نسبة التركيز كنت أضع قطعة معدنية بين أصابع يدي، وكنت أوجه هذه القطعة المعدنية كالذي يحاول تصويب الهدف باستخدام المهداف (المؤشر) على ظهر المسدس، فتراني أنظر من خلال القطعة المعدنية، وأوجه ليزر التركيز للرأس المدرس، وكان التركيز مؤثرا جدا، وأتذكر جيدا أنني سئمت من إحدى الدروس، فأخرجت القطعة من جيبي، وبدأت بالتركيز على المدرس لفترة من الزمن، وظهرت الهالة تدريجيا، وإذا به بعد فترة وجيزة يضع يده على رأسه، لقد بدأت بودار النجاح في خطتي، وبعدها بقليل، لم يعد يحتمل المدرس شدة التركيز عليه، وإذا به يوقف الحصة، ويستأذن للذهاب للطبيب، حيث أنه لم يعد يتحمل الصداع الذي في رأسه، رائع، لقد أوقفت الحصة بقوة تركزي، جرب ذلك الشيء بنفسك، وسترى أن التجربة تأتي بثمارها.

هذه قصة صحيحة، وأنا قمت بذلك فعلا، والنتائج أتت كما ذكرت، ومن خلال القصة إدعيت أن بإمكانك أن تقوم بخطوات معينة للحصوال على نتائج، هل صحيح أن لو أنك قمت بهذه العملية ستنجح في تكوين الصداع في الآخرين؟ إذا كان لديك الخيال الكافي لأن تصدق أن تجربتي السخيفة هذه هي تجربة علمية، فإنت وقعت في فخ تأثير وسحر القصة.

القصة جاذبة، ولها تأثير كبير على الناس، وحينما يبدأ أحدهم بسرد قصة معينة فإن الأنظار تتوجه له، إجلس في أي مجلس، إبدأ بذكر حادثة سيارة كادت أن تحدث لك، انقلبت سيارة في الشارع أمام عينيك كانت من الممكن أن تكون أنت لولا أنك تأخرت في الخروج من البيت بسبب وضع عامل النظافة برميل القمامة خلف سيارتك، أو اذكر قصة نسيان طبيب لمقص في بطن المريض بعد إجراء العملية لإخراج عملة معدنية، أو حب مع بنت اتضح في الآخر أنها بنتا للقاضي الذي سيبت في قضية الطلاق بينك وبين زوجتك، أو حلم حلمته قبل سفرك في الطائرة عن وقوع الطائرة التي ستسافر بها، فإذا بك تستيقض متأخرا عن موعد الرحلة التي انتهت بسقوط الطائرة التي كنت ستركب عليها، إذا ما سردت مثل تلك القصص ستجد العيون متجهة إليك، والآذن كلها صاغية لك.

لربما ليس هناك أي ضرر من سرد تلك القصص، لكن الضرر يأتني حينما تستشهد بهذه القصص لإثبات فكرة أو  للاستدلال على صحة إدعاء معين أو مبدأ أو قانون، عندها تتحول القصة إلى آلة توظف لخدمة هدف، صحيح أن القصة بإمكانها خدمة الهدف من خلال التأثير على الناس، ولكنها في نفس الوقت ليست دليلا علميا على صحة الفكرة، ولربما تأثر الشخص بالقصة واعتقد بها وأدت به إلى فقدان ماله أو صحته – وفي الحالات القصوى – إلى الموت. بالطبع، فإن من الممكن استخدام القصة كمثال، ولكن من المهم جدا أن نعرف أن القصة وإن صحت لا تعني أنها دليلا على صحة المعلومات التي تطرحها، والبديل المناسب للقصة هو العلم الحديث، هو الذي يثبت أو ينفي صحة إدعاء، وصحيح أن العلم ربما لا يأتي في كل مرة بنتائج مضمومة 100% ولكنها على الأقل أفضل أداة لدى البشرية في تثبيت أو دحض الإدعاءات والفرضيات والنظريات.

في هذه الحلقة سأبين الفرق بين القصة وبين العلم التجريبي، وسأبين أهمية العلم التجريبي في الحصول على النتائج الدقيقة، وبعض الآراء الفلسفية التي تحدد الفرق بين العلم وشبه العلم.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

العلماء حذرون

كنت أستمع لمقابلة على البرنامج الأمريكي العلمي ساينس فرايدي (Science Friday) ذات يوم، عنوان المقابلة هو: “ماذا يختبئ في رأس رشاش الدوش؟” (What’s hiding in your Showerhead؟)، وكانت المقابلة عن الميكروبات التي تأتي من رشاش الدوش (في حمام السباحة)، فكان البروفيسور نورمان بيس (Norman Pace) يتحدث عن التجربة التي بينت لهم أن الماء الذي يخرج من رأس الرشاش يحتوي على الكثير من الميكروبات الضارة جدا، والتي قد تتسبب بأمراض خطيرة (طبعا ليس بالضرورة أن تصاب بهذه الميكروبات، راجع الرابط حتى تعرف عن الموضوع أكثر، ليس هدفي هو شرح هذه الموضوع بالذات)، فسأله مقدم البرنامج السؤال التالي: “أنت تعلم، هناك أنواع كثيرة من رؤوس رشاشات الدوش، هناك المعدنية، هناك البلاستيكية، هل أي منها تقاوم البكتيريا بشكل أفضل؟”

فاجابه البروفيسور بيس بجواب تحتاج أن تنتبه له، وهو يبين الدقة التي يتناول فيها العلماء محاولتهم الإجابة على تساؤل دقيق: “حسنا، ليست لدينا معلومات مؤكدة على ذلك، لدينا معلومات قصصية فقط…” ثم يكمل بعد شرح بسيط عن طريقة المقارنة بين أنواع الرشاشات ليقول، “النتيجة الغير المعتَمِدة على التفكير الدقيق في هذه المرحلة من اللعبة تبين أن استخدام الرشاشات المعدنية قد تكون الشيء الأفضل الذي يمكن القيام به بالمقارنة مع الرشاشات البلاستيكية.”

لابد من ملاحظة دقة اللغة في التعبير عن المعلومة في هذه المقابلة، البروفيسور بيس قام بتجارب معينة في المختبر وعلم من خلالها البكتيريا الموجودة في الرشاش، وكان الهدف من تجاربه هو معرفة ما هو مخبأ فيها من ميكروبات، وأيضا قام بتجارب بسيطة وغير دقيقة على أنواع الرشاشات، ولكن البحث في أنواع الرشاشات لم يكن الهدف، فلم يتجرأ أن يؤكد الفروقات بين أنواع الرشاشات بصورة جازمة، بل قال أن كل ما يستطيع أن يقدمه هو “سردا قصصيا”، أي أنه لديه تجربة معينة بسيطة في الفروقات بين الرشاشات، ولكنها لم تكن كافية لتسمى تجربة علمية دقيقة.

كلمة “الأدلة القصصية” (Anecdotal Evidence) متداولة بين العلماء، فهم يميزون بين أن يقوم الشخص بتجربة علمية دقيقة، وبين أن يقوم الشخص بذكر تجربة شخصية أو غير علمية، الأولى دقيقة وتقام بضوابط وتحاول أن تكشف عن الأسباب، بينما الأخرى غير دقيقة، حينما أتكلم عن الدليل القصصي هنا، فأنا لا أقصد السرد القصصي المتعارف عليه مثل القصص التي ذكرتها في مقدمة البودكاست فقط، بل تشمل تلك التجارب الشخصية أو النقلية التي لا تعتمد على التجارب العلمية الدقيقة. لماذا يا ترى الاهتمام في المعلومة الدقيقة؟ لأن الاعتماد على الأدلة القصصية يؤدي لتلويث  الفكر، وإمراض الناس، وحتى قتلهم، نعم قتلهم.

شخص يتوجه للطبيب حينما يصاب بالزكام فتجده يطلب من الطبيب مضادا حيويا، فيخبره الطبيب أنه لا يحتاج لذلك لأنه مصاب بفيروس وليس ببكتيريا، ولكن المريض يصر، لأن ابن عمه جرب المضاد الحيوي في آخر زيارة للطبيب وشفي تماما، يا سلام! وإذا ما سألت ابن عمه تجد أن ابن خاله جرب نفس التجربة وشفي، جيد، وهل ذلك يكفي لأن يكون دليلا على أن السبب في علاج الزكام هو المضاد الحيوي؟ وهل نرمي رأي الدكتور الذي جاهد لأكثر من سبع سنوات للحصول على شهادته الطبية في القمامة؟ وهل رأي ابن عمه أفضل من رأي الطبيب؟

يأخذ المريض المضاد، ومن المعروف أنه  لابد من إكمال تعاطي المضاد بكامل جراعته حتى لا تتكون مناعة عند البكتيريا، فيبدأ المريض بتعاطي الجرعات اليوم الأول، والثاني، فيشعر بالتحسن، فيعتقد أن المضاد قاوم المرض، بالرغم من أن الجسم هو الذي قاوم الفيروس، فيتوقف عن تعاطي باقي الجرعات، وهكذا يتم تكرار هذه العملية من الشخص عدة مرات، وكذلك من الكثير من الناس، العديد من المرات حتى تتكون مناعة عند البكتيريا بسبب سوء استخدام الأدوية، بذلك تصبح المضادات الحيوية غير فعالة، مثلما بدأت بعض المضادات بفقدان مفعولها فعليا كما تدل عليه الأبحاث العلمية، وهذه مساهمة مباشرة للاستدلال باستخدام السرد القصصي في تقوية الميكروبات، فلتنفعه الآن قصة ابن عمه.

تذكر أن تكرار تداول فكرة معينة مرة تلو الأخرى لا تعني بأي شكل من الأشكال أنها صحيحة، فإذا شفي ابن العم وابن الخال والخال والأب والأم والأخت من المرض بعد تعاطيهم دواءا معينا، فإن تكرار ذكرهم لقصصهم  لك لا يعني شيئا في النطاق العلمي، السرد القصصي قد يكون نقطة بداية للكشف عن صحة الإدعاء، والتجارب هي التي تنفي أو تؤكد صحة القصة.

هناك دراسة غربية تقول أن 56% من الناس لديها الاعتقاد أنه إذا كان هناك شخص في الخلف يحدق النظر إلى رأسك ستحس بأنه ينظر إليك، وهذه فكرة كانت منتشرة بين الناس، ولكن أثبتت التجارب العلمية التي قام بها البروفيسور إدوارد تيشنر (Edward Tichener) على أن مثل هذه الأشياء غير صحيحة، ونشرت له مقالة سنة 1898 في مجلة السانيس (Science Magazine) وبينت عدم صحة هذا الزعم، فلماذا يا ترى يعتقد البعض بهذا الشيء، لأنه بكل بساطة نحن نتذكر تلك اللحظات التي أدرنا فيها وجوهنا للخلف لنكتشف أن شخصا يحدق في رؤسنا، وننسى كل تلك الحالات الأخرى المخالفة لها، وحينما سئل البروفيسور إدوارد تيشنر عن السبب الذي يدعوه للقيام بمثل هذه التجربة، قال أن التجارب “لها مبرراتها في تحطيم الخرافات التي لها جذور منتشرة في الوعي الشعبي”، بالرغم من ذلك فإن مثل هذه الأفكار لم تختفي حتى بعد الدراسة العلمية الدقيقة (المرجع)، وهذه هي قوة تأثير السرد القصصي الغير قائم على العلم.

العلم لا يجامل أحدا، فهو يحاول أن يكتشف طريقة عمل الأشياء كما هي، وليس كما نعتقد، الإنسان حينما يبدأ بالتفكير وبعد ذلك يقوم بطرح فرضية معينة هو يستخدم الخيال، ربما يكون ما يتخيله صحيحا وربما يكون خاطئا، ولكن التجربة المنضبطة الدقيقة تكشف ما إذا كانت تلك الفرضية صحيحة، وإذا كانت صحيحة فبالإمكان الاستفادة منها، وإذا كانت خاطئة إما التعديل على الفرضية أو إلغائها.

التنين في كراجي

كتب كارل سيجن قصة في كتابه “عالم مسكون بالشياطين: العلم كشمعة في الظلام” (Demon-Haunted World: Science as a Candle in the Dark) عن تنين يبث النار في كراجه، ويقول لو أنني أخبرتك الآن أن هناك تنين في كراجي، فلا شك أنك تريد أن ترى ذلك التنين، أليس كذلك؟ فتأتي إلى كراج كارل وتدخل فترى سلما وعلب من الصبغ الفارغة ودراجة على أرض الكراج، ولكن لا تجد التنين، فيقول لك كارل سيجن أنه موجود هنا، ويلوح كارل بيده لمكان التنين، ويقول لك أيضا أنه نسي أن يخبرك أن هذا التنين هو تنين خفي، لا تستطيع أن تراه.

لا بأس، بإمكانك أن تجري بعض التجارب حتى تتحقق من وجود التنين، فتقول لكارل سيجان لننثر القليل من الطحين على الأرض، حتى نرى آثار أقدام التنين، فيقول لك أن هذا التنين في الحقيقة طائر، وهو مرتفع عن سطح الأرض، ولا يمكنه أن يترك أثرا لأقدامه في الطحين.

لا بأس، إذا كان التنين ينفث النار، نستطيع أن نجرب تجربة أخرى، نستطيع أن نأتي بجهاز يقيس حرارة ناره، فيرد كارل سيجن عليك بأن النار هذه باردة ولا يمكن قياسها بأجهزة الحرارة.

لا بأس، لنرش صبغ على التنين حتى نستطيع أن نراه، وفيرد عليك كارل أن التنين معنوي، ولا يمكن لأن يلتصق الصبغ بجسمه.

فتحاول وتحاول أن تبثت وجود هذا التنين بكل ما أوتيت من علم، فتفشل أمام كل تفسيرات كارل ومبرارته. هنا نتساءل، ما الفرق بين تنين خفي معنوي طائر ينفث نارا لا يمكن قياسها مع تنين غير موجود في الأساس؟ إذا لم تكن هناك طريقة لدحض أو تأكيد لوجود التنين بأي تجربة كانت، فماذا يعني أن يقول كارل أن هناك تنين؟ الشيء الوحيد الذي من الممكن أن نتعلمه من إصراره على وجود تنين أنه هناك شيء غريب يدور في عقله. الحقيقة أن المشكلة تكمن في إيجاد تبريرات لأي احتمال للكشف عن حقيقة وجود التنين، وهذا ما يحدث فعليا في الكثير من الحقول الغير علمية، أو الشبه علمية.

وهنا نقطة أساسية لابد من ملاحظتها، وهي الطريقة التي ينظر بها الناس للأدلة القصصية، البعض يسرد القصة معتمدا عليها لتثبيت القصة، وحينما تسأل عن الأدلة يقول لك: “بعض الأشياء لا يمكن تفسيرها، فتلك الأشياء خارقة للعادة” والغريب أن هذا المنطق متناقض، حيث أنه يقول: “هناك أشياء لا يمكن تفسيرها، إذن هذا هو تفسيرها.” في الوقت الذي لا يجد الشخص طريقة لتفسير الخوارق هو في الحقيقة يقوم بتفسيرها.

هنا يطرح كارل سيجن بطريقة غير مباشرة فكرة فلسفية أسس لها الفيلسوف كارل بوبر (Karl Popper)، وهي فلسفة التفنيد أو الدحض (Falsifiability)، وهي تختلف عن فكرة تأكيد النظرية، الفكرة تعتمد على أن أي فرضية أو نظرية تطرح لابد أن تكون لها طريقة لتفنيدها من خلال التجربة أو الملاحظة، فمثلا تخيل أنني أقول لك أن “كل البجع أبيض اللون”، هذه هي نظريتي أو فرضيتي، وحينما نقوم بإحصاء البجع، نجد أنه بالفعل لا توجد بجعة سوداء واحدة، في هذه الحالة فإن الطريقة التي يمكن أن تدحض فيها نظريتي هي أنك تجد بجعة واحدة فقط لونها أسود، عندها تفند النظرية، وهذه الطريقة غير موجودة في قضية التنين، فمهما حاولت ليست هناك أي طريقة لتفنيد النظرية، فما الفرق بين أني أقول أن هناك تنين أو فيل خفي أو إنسان خفي أو سيارة خفية أو أي شيء في محل التنين؟ لا فرق. والطريقة الوحيدة التي يمكن لأي شخص أن يصدق بوجود التنين هو بالاعتماد والتصديق لما قاله كارل سيجان، وهو أنه يعتقد بوجود ذلك التنين، ولا توجد أي طريقة أخرى، وهنا يمكننا أن نطرح التساؤل التالي: إذا لم توجد أي طريقة لاختبار وجود التنين كيف اقتنع كارل بوجوده في الأساس؟

لأوضح الفكرة بشكل أفضل من خلال فلسفة كارل بوبر، حيث كتب مقالة رائعة جدا في سنة 1962، وهي ربما تكون من أهم المقالات التي جعلت هناك خطاً فاصلا بين العلم التجريبي وبين وشبه العلم أو الفلسفة، كنت أود لو أنني ترجمت المقالة لاستحقاقها لذلك، ولكني سأمر على النقاط الأساسية التي فيها من خلال شبه الترجمة.

كان يحاول كارل بوبر أن يكتشف الفرق بين العلم التجريبي وشبه العلم، فالعلم يخطئ أحيانا وشبه العلم قد يكون صحيحا أحيانا، قد نعتقد أن العلم التجريبي يأتي من خلال الفرضية والتجربة أو من خلال الملاحظة فقط، المشكلة في ذلك أن هذه  التجربة والملاحظة قد لا يضعان حدا فاصلا بين العلم التجريبي وشبه العلم، خذ على سبيل المثال التنجيم أو الأبراج، الأبراج تعتمد على تجارب عديدة وتعتمد أيضا على الملاحظة، ولكن هل تعتبر الأبراج علما تجريبيا؟ من الممكن أن نسأل نفس هذا السؤال من نظرية كارل ماركس أو حتى نظريات فرويد، ما الذي يفرقها عن النظرية النسبية العامة لآينشتاين؟ لماذا نحس أن هناك فرقا واضحا بين تلك النظريات الاجتماعية والنفسية وبين نظرية أينشتاين، على الأقل ربما تحس أنت بذلك على المستوى الوجداني، أنت تحس أن هناك فرقا بين نظريات فرويد ونظريات آينشتين، وربما تقول أنه يمكن إقامة التجربة على نظرية آينشتاين  لإثباتها، أليس كذلك؟ صحيح، ولكن كذلك نظريات فرويد يمكن التحقق من صحتها (Verfication) أيضا، هنا يختلف كارل بوبر في رأيه معك، الموضوع أبعد من أثبات النظرية من خلال التجربة، بل هناك بعدا آخرا مهما يفسر الفرق بشكل واضح.

بدأ كارل بوبر بالشك بادعاءات كل من المدرسة الماركسية والمدرسة الفرويدية على أنهما ينتميان للعلوم التجريبية، حيث أنه لاحظ أن كل تلك النظريات في ما عدا النظرية النسبية الخاصة كلها كانت أقرب للأساطير منها للعلم التجريبي، وهي أقرب لمبادئ للتنجيم أو الأبراج منها لمبادئ الفلك. المشكلة في تلك النظريات هي قدرتها المبهرة على تفسير الأشياء لصالحها، أي أن لديها القدرة على تفسير أي ظاهرة في مجال اختصاصها، فتخيل لو أنك كنت تتبنى نظرية كارل ماركس وكنت تقرأ الجريدة الآن لفسرت جميع الأمور من خلال النظرية بلا أدنى تردد، ولو أنك كنت تتبنى نظريات فرويد والذي قال: “إني وجدت في نفسي حبا دائما لأمي وغيرة من أبي، وإني أجد تلك ظاهرة عالمية في الطفولة”، لقلت أن كل حالة نفسية هي نابعة من حب الإنسان لأمه وغيرته من أبيه، حدد المدرسة التي تنتمي لها وسترى نفسك تفسر الأمور بعيون تلك المدرسة، كل شيء بالنسبة لك يبدو وكأن له تفسيرا منطقيا وواضحا.

لأضرب مثالا آخرا، لنفترض أنني أقول لك أن أي عمل  – بلا استثناء – يقوم به أي شخص إنما هو نابع من حب الذات، فليس هناك أي عمل يمكنك القيام به لا تنطبق عليه هذه النظرية، فترد علي لتدحض الفكرة: “أنا أقدم الصدقة، فلو أن الصدقة نابعة من حبي لنفسي لفضلت أن أحتفظ بالمال لنفسي” فأرد عليك بالقول أن بسبب حبك لنفسك فإن الصدقة هذه كانت لأنك تريد الحصول على الحسنات، ولذلك أنت تصدقت، فتقول لي: “لو قلت لك أنني أتصدق من غير أي مقابل، فلا أريد أن أجازى، إنما هي لوجه الله،” فسأرد عليك بأنه حتى لو دفعت الصدقة من هذا الباب إنما هي تشعرك بالسعادة والطمأنينة لأنك ترضي الله، وهكذا حتى لو ذكرت لي الأم التي تضحي وتقوم في منتصف الليل لإرضاع طفلها بالرغم من أن ذلك يضنيها ويتعبها نفسيا، فأقول لك أن قيامها مدفوع بحاجتها للتخلص من الحليب الذي يملأ ثديها، أو أنها تقوم حتى توقف الشعور بالذنب أن طفلا رضيعا بحاجة ماسة للرضاعة ولم ترضعه، أو تقوم لأنها تحب طفلها، وذلك يشعرها بالسعادة.

إذن، أنا أنتمي إلى مدرسة حب الذاب، وأرى كل شيء بعيون هذه المدرسة، ليست هناك أي طريقة يمكن فيها دحض نظرية حب الذات، بل بالعكس كل تجربة تحقق (Verify) وتؤكد على صحة النظرية هذه، ولا يمكن تفنيدها بأي وسيلة، وأضف لذلك أن أي شخص يعترض على هذه النظرية إنما هو شخص لا يريد أن يعرف الحقيقة، والسبب الوحيد لأي شخص أن يعترض على هذه النظرية إنما اعتراضه نابع من عدم إنتمائه لهذه المدرسة، أو أن الاعتراض يحتاج للتحليل لاكتشاف الخلل فيه، وليس في النظرية.

يذكر كارل بوبر نقاشا دار بينه وبين الدكتور في العلاج النفسي آلفريد آدلر (Alfred Adler)، آدلر أنشأ مبدأ سيكولوجية الفرد (Individual Pscychology)، أتى بوبر إلى آدلر وشرح له حالة لطفل لم تبدو لبوبر على أنها تتماشى مع المبادئ التي أسس لها آدلر، فقام آدلر بتفسير حالة الطفل من خلال نظرية عقدة النقص، وتخيل أن آدلر قضى وقته في تفسير الحالة السيكلوجية للطفل من غير أن يراه، فصُدم بوبر لذلك، وسأله كيف يمكن له أن يثق بما قاله، فرد عليه آدلر: “بسبب تجربتي المضاعفة بقدر ألف مرة”، فرد عليه كارل بوبر: “وأعتقد أن مع هذه الحالة الجديدة تجربتك تضاعفت ألف وواحد مرة.” رد جميل ومنطقي من بوبر.

ومن هذه الإنطلاقة، وبما أن كل شيء يصب في صالح النظريات، وكل شيء يؤكد على صحة كل من تلك النظريات، والتي ربما يعتبرها البعض مصدر قوة لها، اتضح لكارل بوبر أن مصدر القوة ليس إلا ضعفا فيها، وبدا له أن نظرية آينشتين تختلف عن باقي النظريات، ولكن ما هو هذا الاختلاف؟ قبل فترة وجيزة (بالنسبة للفترة التي عاش فيها كارل بوبر) قام السير آرثر أدينجتون بتأكيد صحة نظرية النسبية العامة لآينشتين، نظرية آينشتين تنبأت بشيء وفعلا ثبت للسير آرثر أدينجتون صحة التنبؤ، كانت هناك درجة عالية من الخطورة في هذا النوع من التنبؤ، لو أن الملاحظة لم تتطابق مع التنبؤ فكان بالإمكان القول أن النظرية غير متوافقة مع بعض نتائج الملاحظة المحددة،  كان بالإمكان رفض النظرية، وهذا يختلف تماما من النظريات الأخرى، تلك النظريات متوافقة مع أغلب السلوكيات البشرية حتى المتباينة منها، ولم يكن بالإمكان وصف أي سلوك إنساني لا يحقق النظرية.

وهكذا توصل كارل لعدة نتائج لتفريق العلم التجريبي من شبه العلم، وهو أنه بدلا من البحث عن شيء يؤكد النظرية لابد أن تكون النظرية قابلة للدحض، أي لو أن النظرية تنبأت بشيء معين دقيق وخالفت التجربة هذا التنبؤ، يمكن عندها إلغاء النظرية، فمثلا التنجيم أو علم الأبراج، لم يجتز اختبار التكذيب أو الدحض، المنجمين أعجبوا كثيرا بالأدلة التأكيدية التي تبين قدرة الأبراج على التنبؤ، ولكن هذا الاعتقاد مضلل، أضف لذلك أن التنبؤات التي يتنبأ بها المنجمون دائما ما تكون غامضة ومبهمة لدرجة أنه بإمكانهم تفسير أي شيء مخالف لنظرياتهم لصالحهم، فقد جعلوا لأنفسم متسعا للتفسير، وحتى يهربوا من دحض النظرية دمروا أي طريقة لاختبارها.

وهنا أيضا شمل كارل بوبر النظرية الماركسية ، حيث كان بالإمكان اختبار النظرية، ولكن يبدو أن بعد أن فشلت النظرية بتفسير بعض الأشياء، أصر معتنقيها على تغيير تفسير النظرية والأدلة حتى يتوافق كل منهما، فأنقذوا النظرية من النقض، وبذلك تبنوا آلة لا يمكن نقضها، وبهذه الحيلة دمروا الدعاية التي تقول أن النظرية الماركسية هي علم، أما بالنسبة لفرويد وآدلر، فلم تكن هناك طريقة لاختبارهما ومن ثم إيجاد طريقة لتكذيبهما، وكل الملاحظات كانت تؤكد صحة النظريات تلك كما في التنجيم.

بالطبع أن تلك النظريات كانت فيها أفكار جيدة، وصحيح أنها كانت غير قابلة للاختبار، ولكن كانت إنطلاقة لأفكار أخرى مفيدة. علم النفس اليوم يعتبر في الكثير من جوانبه علما تجريبيا، فهو يقوم بدراسات ميدانية، ويقوم بعمليات إحصائية دقيقة، ولذلك هو يختلف عن المدرسة الفرويدية (إن صح التعبير).

كارل بوبر لا يدعو الناس للتخلي عن كل ما لا يمكن دحضه، إنما كان يريد أن يجعل خطا فاصلا بين العلم التجريبي (Science) وأشباه العلوم (Pseudo-science)، حتى أن الفلسفة التي استخدم أدواتها المنهجية لا تدخل في حقل العلم التجريبي، إذن حتى الفلسفة لم تدخل إلى الخط الفاصل بين العلم وشبه العلم.

الإنحياز التأكيدي

واحدة من الأمور التي تدفعنا لتقبل السرد القصصي على أنها دليل هو ما يسمى بالانحياز التأكيدي (Confirmation Bias)، ماذا تعني هذه الكلمة؟ حينما تعتقد بفكرة معينة فستعمل على التركيز على ما يؤكد لك هذا المعتقد، أي أنك ستنحاز لأي قصة تدعم ما تعتقده، وإذا ما كانت هذه القصة غير واضحة وقابلة لعدة تفاسير، ستجد نفسك تفسرها بطريقة تؤكد ما تعتقده، تاركا الاحتمالات المختلفة ومركزا على احتمال واحد، وستجد نفسك تسأل الأسئلة التي توصل لإجابة مؤكدة لفرضيتك، وحتى حينما تريد أن تتذكر شيء، فستقوم بانتقاء الذكريات التي تدعم فكرتك، لاحظ حينما تناقش أحدا في المرة القادمة، وركز على طريقة استرجاعك للمعلومات، ستجد أن كل فكرة تنتقيها من الذاكرة ستكون داعمة لرأيك، وستترك كل ما يناقضها.

قدرة العلم على التنبؤ

قام الساحر جميس راندي في تجربة ليدحض بها الأبراج، توجه لصف من الطلاب، وقدم لكل طالب ورقة وعليها اسمه، وكتب بداخل كل ورقة وصف للشخص بناءا على برجه، وقيل للطلاب أن الذي كتب تلك الصفات هو شخص متخصص في التنجيم بناءا على المعلومات التي قدمها الطلاب عن موعد ومكان ولادة كل منهم، بعد أن انتهى كل طالب من قراءة محتوى الورقة طلب منهم جيمس راندي بتقييم مستوى التنبؤ، هل أنه يصفهم بطريقة دقيقة أو غير دقيقة، وطلب منهم أن يقدروا ذلك برقم بين 1 و 5، بحيث يكون الرقم 5 دليلا على أعلى دقة للوصف، والرقم 1 هو الأقل دقة، وحينما سألهم أن يرفعوا أيديهم للرقم 1، لم يرفع أحدا يده، ثم 2، ثم 3، إلى أن وصل إلى 4، فرفع عدد من الطلاب أيديهم، وكذلك بالنسبة للرقم 5 رفع الباقي أيديهم، إذن، الطلاب يعتقدون أن التنجيم المكتوب يصفهم بشكل دقيق جدا.

هنا كشف جيمس الخدعة، فطلب من الطلاب تبادل الأوراق، بحيث تقوم الصفوف الأمامية بنقل الأوراق للصفوف الخلفية، والصف الذي في المؤخرة يقدم أوراقه للصف الذي في المقدمة، ماذا تتوقع أن يكون الشيء الذي اكتشفه الطلاب؟ صدم الطلاب عندما قرأوا الأوراق، حيث أن الأوراق كلها كانت نسخة واحدة من نفس الصفات. علام يدل ذلك؟ ألا يدل على أنه يمكن خداعنا بكل سهولة؟ بالطبع.

لا نقف عند حد التجربة، فصحيح أن التجربة تفند أو تؤكد على صحة الفرضية، ولكن العلم يذهب لأكثر من ذلك، العلم لديه قدرة على التنبؤ، بينما التنجيم بالرغم من بقائه معنا لأكثر من 2000 سنة إلا أنه لم يقدم للبشرية شيء، لابد من ذكر ملاحظة هامة، وهي أن المقصود بالتنبؤ ليس العامود القصير في نهاية الجريدة الذي يخبرك بأنك ستواجه مصاعب اليوم فلا تطع شريكك لأن طلباته ستزيد من سوء حظك، ولا تسرف بالمال، وأن الرقم 11 هو حليفك لهذا اليوم، أقصد أنه حينما يكتشف العلم السبب لمرض معين هو البكتيريا فبالإمكان أن يخترع مضادا حيويا لعلاج ذلك المرض، أو أنه إذا قال أن بحسب هذا القانون الرياضي يمكن أن تجعل جناح الطائرة بطريقة لتكوّن الرفع يمكنك صنع طائرات تحلق في السماء، وإذا ما تنبأ أنه يمكن تحويل المادة إلى طاقة استطاع أن يصنع القنبلة الذرية، وإذا ما تنبأ أن الكواكب تدور بحسب تلك القوانين استطاع أن يعرف مواقيت  الكسوفات المختلفة، إلى آلاف السنين وبدقة متناهية.

والقدرة هذه للعلم تترجم مباشرة إلى منشآت جبارة في كل مجالات الحياة، منها لصناعة السيارات والطائرات وللأدوية وللطب وللكمبيوتر وللفضاء وللسفن، وللبناء، وللمصدمات، وللروبوتات، وللمخ، للنفس، للاجتماع، وحدث ولا حرج، كل ذلك يخدم البشرية مباشرة بطريقة معنوية ومادية، في المقابل، حاول أن تذكر مؤسسة قائمة نشأت على دعائم التنجيم، أين المختبرات، وأين نتاج التنبؤات، لا تجد لها نتيجة بعد كل هذه السنوات، نعم تجد لهذه المؤسسة وجود يخدم وجودها، ويصب فيها هي، وهذا هو الفرق بين العلوم وأشباه العلوم.

بالطبع هذا الكلام لا ينطبع على التنجيم فقط، هناك مجالات كثيرة، وتستطيع أن تعرف من خلال الإنترنت إذا ما بحثت عن كلمة Pseudoscience.

التهويل في  فشل العلم

الكثير يستخدم مصطلحات قوية جدا في تضعيف العلم، فحينما يُكتشف قانون جديد يصحح القانون القديم، البعض يستخدم ذلك شماعة لكي يقول أن العلم متغير وغير ثابت، والمثال الذي تطن له الأذن من كثرة سماعه هو قانون ينوتن للحركة في مقابلة قانون آينشتين للنسبية، فيقول لك أحدهم مثلا أن قوانين نيوتن انهارت بعد أن ظهرت قوانين آينشتين، بالضبط كيف انهارت قوانين نيوتن؟ ما هو الذي انهار في الحقيقة؟

السيارة تعمل بقوانين نيوتن، الطائرات بقوانين نيوتن، المراكب الفضائية تعمل بقوانين نيوتن، تخيل معي ماذا تعني أن تنهار هذه القوانين، إنهيارها بعد ظهور قوانين آينشتين تعني أنه فجأة تنقلب السيارة وتقع الطائرة وتنقذف المركبة في الفضاء بلا رجعة، كل ذلك لم يحدث، مع أنها تعمل بقوانين نيوتن، غريب، المفروض أن تنهار، المفروض أن تلغى القوانين هذه من الكتب المدرسية، فما الداعي لتعليم الطلاب هذه القوانين بعد أن أتت قوانين أعلنت بتحدي الميكانيا النيوتونية؟ الجواب بسيط، قوانين نيوتن لا زالت تعمل في نطاقها الطبيعي، نعم، قوانين آينشتين أدق وأصح، ولكن حتى تبدأ الفروقات في قوانين نيوتن وآينشتاين بالظهور لابد من التحرك بسرعات عالية، ولابد أن تكون الجاذبية كبيرة جدا، هنا تبدأ الفوارق، وفي استخداماتنا اليومية لا تظهر عيوب قوانين نيوتن، ولذلك هي لم تلغى، ولذلك هي لم تنهار، ولذلك لن يتوقف العلماء من استخدامها ولا من تدريسها في المدارس.

والمقارنة هنا لا تتوقف، قوانين آينشتين لا تعمل في العالم الصغير، بل هناك تبدأ قوانين المكانيكا الكمية، فهل تنهار قوانين آينشتان أيضا، لماذا لا نلغيها هي أيضا؟ لأنها كما في قوانين نيوتن لا تزال تفسر الأمور في نطاقها، نعم الكثير كان يعتقد أن قوانين نيوتن هي الوصف الكامل لطريقة عمل الكون، ولكن اليوم نحن نعرف أنها تعمل في نطاق محدود، ونظرية آينشتاين أشمل وأعم، ولكن هدم النظرية السابقة بالكامل هذا ما لم يحدث.

صحيح أن الكثير من الناس والفلاسفة والعلماء أيضا يستخدمون نفس هذه اللغة لوصف قوة قوانين آينشتين في مقابل قوانين نيوتن وقوة الميكانيكا الكمية في مقابل قوانين آينشتاين، التعابير المستخدمة بلاغية، ولكنها لم تكن من باب التقليل من شأن تلك القوانين، وعلى الأقل ليس من باب القول أن هناك ما هو أفضل منها، البعض الآخر يستخدم هذه اللغة للتعبير عن ضعف العلم، اعتقادا منه أن العلم فعلا ضعيف، وعلى تقلب من حال إلى حال، وعلى عدم ثبات، في مقابل ماذا بالضبط؟ ولنقل أنه فعلا حدث وأن أخطأ العلم في نقطة معينة، لنكن صادقين، هذا هو العلم، يقبل الخطأ ويصحح من المسار، فصحيح أن العلم يخطئ ويتأقلم، ولكنه يصبح أكثر دقة، وأكثر قدرة على التنبؤ بالأشياء، أنظر حولك لترى النتائج، قارن ذلك مع العلوم الأخرى، هل ترى نفس التواضع  في قبول الأخطاء، ونفس القوة في تفسير الأشياء؟

كشف سر الحبل السحري الهندي

الكل يعرف القصة الشهيرة التي ربما بدأت من ابن بطوطة عن الساحر الهندي أو الصيني الذي يرمي بحبل طويل في الهواء، فيتعلق بلا سقف في الهواء، ثم يأمر طفلا للصعود على ذلك الحبل. أنت تعرف القصة ربما إلى هنا، ولكن ربما لم تكمل القصة بالكامل، بعد أن يصعد الطفل إلى أعلى الحبل يختفي عن الأنظار، وحينما يدعوه الساحر للنزول، لا يستجيب الطفل، فيأخذ الساحر سكينا ويعض عليه بأسنانه ويصعد على الحبل، فيغيب هو أيضا في السماء، بعد ذلك تقع أجزاء جسم الطفل المقطعة على الأرض، بداية بيده ثم برجله، وهكذا إلى رأسه، لقد قطع الساحر الطفل إلى قطع بعد أن عصاه.

بعد ذلك ينزل المشعوذ من الحبل وهو يلهث وثيابه ملطخة بالدماء، وبعد أن قبل الأرض وقبل يد الأمير، وأمر الأمير بشيء من المال له، جمع الساحر أجزاء الصبي، وركبها على بعضها، ثم ركل الجثة، وإذا بها تقوم من مكانها.

الكثير من الناس تؤمن بأن مثل هذا الشيء حدث، وخصوصا في الهند.

إذا ما ذهبت إلى اليوتيوب اليوم لتبحث عن ساحر يقوم بهذا السحر لوجدت هناك من يقوم برفع الحبل، فيتصلب، فيصعد عليه طفل، ثم ينزل مرة أخرى، أي أن الاختفاء لا يتحدث أبدا، ولا التقطيع، ولا التركيب، هذا السحر بالتفصيل الذي ذكره ابن بطوطة لم يتم عمله إلى يومنا هذا على حد علم الكثيرين، ومع ذلك تجد أن قصصيا هذا السحر منتشر في بعض أنحاء الهند.

الفيسلسوف دانيال دينيت (Daniel Dennett) تحدث في إحدى المحاضرات – التي تحدث فيها عن الوعي –  عن هذا السحر، وكشف الطريقة التي تجعلك قادرا على القيام بسحر الحبل الهندي، هذه هي الطريقة:

1. أجمع جمهور، وادعي أنك ستقوم بسحر الحبل الهندي.

2. خدرهم أو نومهم تنويما مغناطيسيا.

3. أوحي لهم أنهم رأوا سحر الحبل الهندي مع ذكر التفاصيل المعروفة، ثم دعهم ليفيقوا.

ربما لن تعجبك هذه الطريقة، فهذا ليس سحرا، هذا خداع، فيقترح طريقة أخرى:

1. ادعي أنك ستقوم بسحر الحبل الهندي.

2. إرشي بعض الصحافيين حتى يقوموا بنشر الخبر بقيامك بالسحر في جريدة اليوم التالي.

ربما لم تعجبك هذه الطريقة أيضا، وهذه أخر طريقة:

1. ادعي أنك ستقوم بسحر الحبل الهندي.

2. استأجر متخصصين في الخدع السينمائية، ليصنعوا لك لقطة تبدو وكأنها حقيقية لدرجة أنها تخدع المتخصصين في السي إن إن.

3. أرسلها للسي إن إن أثناء البحث المباشر مدعيا أنك حاليا تقوم بالسحر على الهواء مباشرة.

كل هذه الطرق لن تعجبك، لماذا؟ ربما لأنها خداع، عم تبحث؟ هل تبحث عن السحر الحقيقي؟ لماذا إذن حينما تذهب لساحر لتشاهده يقوم بسحره على المسرح لا تتضايق؟ لأنك لا تتوقع أن يكون ما يقوم به هو سحرا حقيقيا، أنت تعلم أن المسرح تم تجهيزه بالكامل بكل ما يمكن أن يصور للناس أن ما يقوم به الساحر هو خارق للطبيعة، إذن، لماذا تتضايق حينما تعرف طريقة دانيال دينيت في كشف السحر؟ هل تتمنى أن يكون سحر الحبل الهندي فعلا خارق للطبيعة؟ العلم لا يعمل بهذه الطريقة، العلم يفترض فرضيات واقعية، وإذا ما اكتشف أن تلك التجربة تأتي بخلاف الفرضية سيقوم بفرض أخرى، وبتجربة أخرى، حتى لا يدع مجالا للشك في النتيجة النهائية.

إن أردت أن تؤمن أن قصة الحبل السحري صحيحة، أو أن تنين كارل سيجن موجود، فلا بأس وهذا الشأنك حتى في غياب الأدلة، وربما تقول أنه ربما العلم سيكتشف شيئا يثبت صحة ما أؤمن به في المستقبل، ربما، ولو أن هذه تعتبر مغالطة تسمى بمغالطة “الجدل من الجهل” (Ad Ignorantium)، وهو القول بأنني أعتقد بأن هذا الشيء صحيح لأنه لا يوجد دليل على عدم صحته، غياب الدليل ليس بدليل على صحة الشيء، ولكن مع ذلك، تستطيع الإصرار على إيمانك بهذه الأمور، والعلم سيقول لك: “سأحاول أن أصبر إلى أن يأتي الدليل،” ولكن في المقابل لا تفرض إعتقادك على الآخرين في ظل غياب الأدلة، كن معقولا في التعامل، كن حذرا، وإلا إن كشف العلم السر، فستكون أنت الخاسر.

الخلاصة

القصة بلا شك ترتبط بطريقة التواصل بين البشر لنقل المعلومات، وهي تستخدم – كما استخدمتها أنا في هذه الحلقة – لإعطاء بعض الأمثلة، ولكن لا يمكن الاعتماد على القصة لتكون هي الدليل الكامل على فرضية أو نظرية، حينما نتحدث مع بعضنا البعض ونسرد القصص لا نتوقع أن يثبت القصاص تفاصيل القصة أو حتى المعاني التي يريد إيصالها، ولكن إذا استغل الشخص القصة لكي يثبت قضية معينة عندها الأمور تختلف والبرهان مطلوب، القصة قد تكون بداية لشرح الفكرة، وبعدها لابد للعلم أن يتدخل في إثبات أو نفي الفكرة أو الفرضية، لابد أن يكون هناك تحقيق دقيق وصارم لقطع الطريق أمام أي شبهات، ربما لن يكون للعلم الكلمة الأخيرة، ولكن ليس هناك ما يضاهي العلم في قدرته على الكشف عن الحقائق.

لماذا العلم؟ لأن العلم يتحدى الحكمة السائدة، لا يدع مجالا للسرد القصصي أن يمر مرور الكرام، نعم العلم يستخدم الخيال، ولكنه يقوم بنقد هذا الخيال، العلم منضبط، ويحتوي على آلية لتصحيح الخطأ، نعم العلم يبدأ بفكرة، ثم بفرضية، ثم بنظرية واختبار، وقد يفشل الاختبار، وذلك يدعو العلماء لتعديل الفرضية أو النظرية ثم إعادة الاختبار مرة أخرى وهكذا، لماذا؟ لأن العلم يحاول أن يفسر كيف يعمل العالم، وليس كما نشتهي أن يكون العالم، الكون لا يتفاوض، لا يقوم على مبادئ  نتمنى أن تكون، بل هو قائم على مبادئ دقيقة، إما أن نكتشفها كما هي أو أننا نغوص في بحر من الأوهام، إما أن نقوم بالتجارب للكشف عن حقيقة الأشياء ومن ثم تفسيرها ونعيد النظر فيها مرة تلو الأخرى، أو أننا نبدأ بنخلط الحقائق مع التمنيات، عند ذلك الخلط لن يستجيب الكون.

Posted in Uncategorized | 14 Comments

حلقة 2 من الفي-بود: النظرية النسبية الخاصة

حلقة 2 من الفي-بود: النظرية النسبية الخاصة

speaker_icon disk
ipod

حلقات سريعة علمية على اليوتيوب

بالإضافة للبودكاست الصوتي أقدم لكم الحلقة الأولى من السايوير في-بود (V-POD) عن الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة، هذه لقطات قصيرة، مدتها حوالي 5 دقائق، وأحاول فيها التحدث عن فكرة علمية معينة، للذين لا يحبون  المواضيع الطويلة، هذه ستكون مناسبة لكم.

الحلقة 2 من الفي-بود V-POD، أتحدث فيها عن النظرية النسبية الخاصة لآينشتين، نظرية غريبة. الوقت يعتمد على سرعة الجسم، إذا ما سافرت في مركبة فضائية بسرعة كبيرة جدا ثم رجعت إلى الأرض ستجد أن عمرك لم يزد عن سنة واحدة، بينما يكبرك أخوك التوأم بعشر سنوات، كيف؟ شاهد اللقطة للتعرف على النظرية النسبية الخاصة. تحدثت في السابق عن النظرية النسبية الخاصة في البودكاست الصوتي.

الشكر الجزيل للمهندس هاني بهي الدين على عمله الرائع في الإخراج والتصوير والمونتاج.

Posted in Uncategorized | 1 Comment

حلقة 1 من الفي-بود: الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة

حلقة 1 من الفي-بود: الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة

speaker_icon disk
ipod

حلقات سريعة علمية على اليوتيوب

بالإضافة للبودكاست الصوتي أقدم لكم الحلقة الأولى من السايوير في-بود (V-POD) عن الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة، هذه لقطات قصيرة، مدتها حوالي 5 دقائق، وأحاول فيها التحدث عن فكرة علمية معينة، للذين لا يحبون  المواضيع الطويلة، هذه ستكون مناسبة لكم.

أتكلم في هذه الحلقة عن الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة، أتحدث عن عالمين، العالم الأول اللا متناهي، والعالم الآخر الذي ينشأ بسبب المكانيكا الكمية، هناك عوالم أخرى، وقد ذكرتها في الحلقة الصوتية للسايوير.

 الشكر الجزيل للمهندس هاني بهي الدين على عمله الرائع في الإخراج والتصوير والمونتاج.

Posted in Uncategorized | 6 Comments

كيف تكشف المغالطات

كيف تكشف المغالطات

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

أنت تقرأ على الإنترنت الكثير من المقالات، وتستمع للكثير من المحاضرات، وتشاهد لقطات يوتيوب وتتناقش مع الأصدقاء في الكثير من المواضيع، وتتأثر بما تتعلم من كل هذه الوسائط، هذا الخليط من المعلومات فيه الغث والسمين، فكيف يمكنك التمييز بينها لمعرفة أخطاء تلك الحجج؟ أنت أيضا تستمع للسياسي ولرجل الدين ولرجل العلم، فيبدو أن كل ما يقولونه صحيح، ولكن هل هو صحيح فعلا؟ ما الذي يجعل حجة تتغلب على أخرى وما الذي يجعل الحجة قوية والأخرى هزيلة، هل هو المنطق السليم أم المنطق السقيم؟ وهل توجد مغالطات أوخلط في المعلومات لتقوية حجته؟ كيف يمكنك أن تكشف المغالطات؟ وما هي بعض القواعد التي تكشف لك أسرار بعض هذه الحجج؟

الشخصيتان اللتان سأستخدمهما في هذا البودكاست لطرح بعض الأمثلة على المغالطات هما شن وطبقة، القصة ربما تكون معروفة لديك، ولكن باختصان أن ر جلا من دهاة العرب يدعى بـ “شن” كان يريد الزواج من إمراة مثله، فقابل رجلا في الطريق، وانطلق معه، وتحدث الرجلان، وكان كلما يسأل شن الرجل سؤلا يحس الرجل الذي يصاحبه أن سؤاله تافها، فمثلا أثناء مرورهما بجنازة قال شن للرجل: “أترى صاحب هذا النعش حيا أو ميتا؟” فيرد عليه الرجل: “ما رأيت أجهل منك، ترى جنازة تسأل عنها أميت صاحبها أم حي.” وهكذا يسأل شن أسئلة وكأنها غبية، وحينما يصل الرجل إلى بيته، ويخبر ابنته عن شن الغبي تفسر له ابنته ما قصد شن من وراء أسئلته، وأن تلك الأسئلة لها عمق أكبر، وفسرت له مثلا قضية سؤال الجنازة أنه أراد أن يعرف إذا ما ترك الميت عقبا يحيا بهم ذكره أم لا، وهكذا، فاتضح أن شن ذكي وليس بجاهل، وحينما علم شن أن بنت الرجل، والتي اسمها “طبقة” أنها تتوافق معه بمستوى الفهم تزوجها، وهنا قيل “وافق شن طبقة”. سأقول أن بعد زواجهما كانا يتناقشان في أمور كثيرة، وبما أن كلاهما ذكي فقد كانا يستخدمان أساليب المغالطات لتفنيد حجج بعضهما البعض،  فصحيح أن شن وافق طبقه، ولكنهما لم يتفقا بعد زوجهما أبدا.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

ما هو الجدل

قبل أن أبدأ بشرح المغالطات لابد أن أقدم فكرة الجدل، كلمة الجدل تستخدم كثيرا في نقاش حاد، وهذا النقاش الحاد قد تصل فيه الأمور إلى النزاع والخصام، ولكني هنا أتكلم عن الجدل المنطقي الذي يأتي من قواعد منطقية حيث يبدأ الشخص فيه بإفتراض أساسي وبناء على ذلك الافتراض الأساسي – والذي يعتبره المجادل صحيحا – يصل إلى نتيجة، والهدف من هذا الجدال هو محاولة لإقناع الطرف الآخر بفكرة معينة، طبعا البعض يسمي الجدل المنطقي (logical argument) بإسم الحِجاج أو المنطق، ولكني سأستخدم كلمة “الجدل المنطقي” تماشيا مع العصر الحديث، وخصوصا أن الجدل المنطقي اليوم يعتمد على قواعد رياضية منطقية متطورة عن السابق، لن أخوض في الجدل المنطقي من الناحية المنطقية البحتة، لأنني إن قمت بذلك سيمل المستمع من الموضوع، وسيصبح الموضوع صعب الفهم علي وعليه، ولذلك سأتكلم عن المغالطات بأسلوب مبسط، سأطرح أمثلة عليها.

وهناك أيضا نقطة أخرى، ما يهمني في هذه الموضوع ليس إثبات أو نفي وجهة نظر أو جدل معين، بل تركيزي سيكون على المغالطات المستخدمة لإثبات أو دحض جدل بغض النظر عن صحته أو خطئه، حتى يمكن تمييز بعض هذه المغالطات أثناء نقاشك مع الأصدقاء، أو أثناء سماعك لمحاضرة يحاول فيها المحاضر إقناعك بفكرة معينة، أو من متابعتك لسجالات في الأندية السياسية وهكذا.

مغالطة “رجل القشStraw man

حينما تتناقش مع صديق، وتقدم له حجة قوية، تكون هذه الحجة بدرجة من القوة لدرجة أن الطرف الآخر لا يعرف كيف يرد عليك، سلاح قوي يستخدمه البعض لتحييد حجتك: وهو أن يطرح حجتك بطريقة أخرى مغالطة بحيث توهم الآخرين أن حجتك الأصلية ضعيفة، فيمكنه الرد على الحجة المغالطة الضعيفة بكل سهولة، بذلك بدلا من أن يتغلب على حجتك القوية فهو تغلب على حجة ضعيفة ليبدو للناس أنه تغلب على حجتك، وأكثر أسلوب يستخدم لتحويل حجة قوية إلى حجة يمكن التغلب عليها هو من خلال المبالغة فيها بحيث لا يمكنك الدفاع عنها.

شن: لابد أن نصرف على العلم حتى يمكن علاج مشاكل كثيرة.

طبقة: العالم المتقدم صرف المليارات على المليارات من المال، وأهملوا الفقراء في بلدانهم، فكان بإمكان مثل هذه الدول أن توفر المال لتغطية مجاعات العالم التي راح ضحيتها الملايين من الناس.

في هذا المثال طبقة حولت الأنظار من التفكير في قضية صرف المال على العلم إلى وضع الفقراء البائس، وهولت صرف المبالغ، وبالغت في سوء التوزيع، وربطت بين صرف المال في العلم مع عدم صرف المال على الفقراء، مع أن الحجة الأولى لم تقترح بأي شكل عدم صرف المال على الفقراء، إنما كانت تدعم موقفا محددا وهو الصرف على العلم كواحدة من الجهات التي من الممكن صرف المبالغ عليها.

لا يبدو واضحا من أين أتتك كلمة رجل القش تاريخيا، ولكن الفكرة من وراء رجل القش هي أنه في مبارزة يستبدل المبارز الخصم القوي برجل قش، فيضرب رجل القش ليوقعه أرضا، فيوهم الناس أنه تغلب على المبارز القوي وإن لم يممسه بسوء، إذن، البعض يستخدم هذه الطريقة في تبديل الحجة ببديل آخر يمكن ضربه بكل سهولة، وفي نقاش شن مع طبقة، فعلت ذلك طبقة، لأنها أنها تعلم أن الناس تتعاطف مع الفقراء، وأنها تتفاعل مع الصرف على الفقراء، فبدلا من تركيز النقاش على صرف المال على العلم (لأنها تعرف أن النقاش في هذا الموضوع خاسر، تضع رجل القش، وهو صرف المال على الفقراء كبديل للجدل الحقيقي).

هناك أيضا مغالطة قريبة من هذه وهي مغالطة المُنْحَدَر الزَّلِق، وهو أن تهول الجدال وتتدرج في طرح النتائج السلبية التي تترتب عليها، ثم تصل إلى نتيجة أن الفكرة المطروحة خاطئة.

طبقة: شن، ألا تعتقد أن من حق المرأة أن تصارع الثيران؟

شن: بالطبع لا، إذا ما بدأت المرأة بمصارعة الثيران ربما تتعلق قرون الثور بملابس المصارعة، وإذا ما انشقت هذه الملابس بدت العورة، وإذا ما بدت العورة سينتشر الفساد في الجمهور ومن الجمهور إلى المجتمع ليتحول المجتمع متحلل أخلاقيا، وبعدها تنهار أخلاق الأمة كلها.

وهذه النقطة أرى الكثير من الناس تستخدمها في السياسة والدين، ربما تجدها أيضا مجودة في العلم حينما تنشر الخبر الصحافة، فالعلم يحدد النتيجة في إطار ضيق، ولكن الصحافة تضخم الخبر ليصل تأثيره على كل مجالات الحياة، وخصوصا في بعض العلوم الإنسانية.

للتغلب على مثل هذه المغالطة، عليك بإعادة تصحيح الطرح بحيث لا يلتبس على المستمع الفكرة التي كنت تحاجج فيها.

مغالطة “ضد الرجل” (Ad Hominem)

طبقة: “لا يمكن للسلام أن يفرض بالقوة، بل يمكن تحقيقه فقط بالتفاهم.” كلمة جميلة أليس كذلك يا شن؟

شن: هل تعرفين من قائل هذه الكلمة؟ إنه يهودي، وأنت تعرفين اليهود.

طبقة: ولكن بالغض النظر عن القائل، ما رأيك بالمقولة؟

شن: وهل تريديني أن أصدق اليهود الذين يقتلون الأطفال الرضع في الأراضي المحتلة، ويأخذون حقوق الناس بالسلاح؟

مغالطة ضد الرجل (Ad Hominem) مستخدمة بشكل مروع في عالمنا العربي الإسلامي، والفكرة تعتمد على ضرب الفكرة المطروحة بضرب صاحب الفكرة، إما من خلال شخصية الشخص أو من خلال معتقدات الشخص، في المثال السابق طبقة تطرح حكمة، وهذه الحكمة جميلة، وتدعو الناس لمحاولة التفاهم بدلا من فرض السلام بالقوة، فيقوم شن بتفنيد الكلمة بطريقة غير مباشرة، فبدلا من أن يناقش مضمون ومحتوى الكلمة، يقوم ضرب صاحب الكلمة، ويحاول أن يكره طبقة بالكلمة من خلال كره الشخص.

هذه الكلمة فعلا هي كلمة أتت من شخص يهودي، وقد يتبادر لذهنك حال اليهود الإسرائليين واحتلالهم لفلسطين، وأخذ حقوق الناس بالقوة، فبذلك ترى وكأن هذه المقولة خداع ووهم لأن القائل يهودي، ولكن ماذا لو قلت لك أن اليهودي الذي قال هذه المقولة هو آينشتين؟ فهل ستغير نظرتك إلى المقولة الآن؟ ولو قلت لك أن آينشتين عرضت عليه رئاسة إسرائيل ورفض، هل ستبدأ بقبول النظر في الكلمة على أنها قد تكون حكيمة؟

بغض النظر عن آينشتين، وبغض النظر عن موقفه، إقحام كلمة يهودي في المناقشة كانت للتمويه، ونقلت المناقشة من الفكرة إلى الشخص، وهذا ما نقوم به نحن بشكل متكرر في حياتنا الشخصية، فإذا ما كنا نستمع لفكرة نحول النقاش من الفكرة إلى طائفية أو قبلية أو ما أشبه، “هل تعلم أن حسين شيعي؟ كيف يمكنك الاستماع لمثل هذا الشخص”، “انتبه، قائل هذه العبارة سلفي يريد أن؟”، “لماذا تستمع لفهد البدوي فكرة التصالح تأتي من منظور قبلي؟”، “أنور لبرالي، بالتأكيد سيؤيد فكرة الاختلاط”

هناك حالة واحدة يمكن استخدام ضرب الشخص لدحض الفكرة، إذا كانت الفكرة متعلقة تماما بتخصص الشخص، وأحيانا تستخدم هذه في المحاكم، فمثلا يأتي متخصص ليشهد في أن آثار الإطارات على الأرض هي آثار إطارات سيارة الفيراري، فإذن لابد أن الفراري هي السبب في الحادث، فيقوم المحامي بتفنيد رأي المتخصص بعد أن يبين أنه متخصص في مكائن السيارات وليس في الإطارات، فلا يمكن الاعتماد على شهادته. ودحض الفكرة بدحض مؤهلات الشخص هو مجال ضيق جدا للاستخدام ودقيق.

مغالطة “الارتباط لا يعني التسبيب” Correlation Does not mean causation

مغالطة “الارتباط لا يعني التسبيب” وبالاتينية (Cum hoc, ergo propter hoc)، وهي المغالطة التي تحدث بشكل متكرر، وهي نوع من المغالطات التي يحاول العلماء أن يزيلوها من أي تجربة يقيمونها، وهي أن نستخدم الملاحظة لربط حوادث مراتبط أو متسلسلة مع بعضها ثم نقول أن واحدة تسبب الأخرى، فمثلا لدينا هنا في الكويت كلمة دارجة، كلمة لا أحبها نهائيا، وهي كلمة “مصاب بالبرد” أحيانا يصاب بعض الناس بالرشح أو بالكحة أو بآلام بالمعدة أو بآلام بالظهر أو بآلام بالرجل فإذا لم يعرف السبب يقول أنه مصاب ببرد، وهذه من أكثر التشخيصات “الطبية” إزعاجا بالنسبة لي.

تخيل اننا انتقلنا من فصل الخريف إلى فصل الشتاء، فتلاحظ أنا انتقلنا من جو دافئ إلى جو بارد، فتصاب عندها بالزكام، وتجلس في البيت لعدة أيام مداويا مرضك، وبعد عدة سنوات من الملاحظة يتبين لك أنه كلما انتقلت الأجواء من الدافئ في فصل الخريف إلى البارد في فصل الشتاء أصيب الكثير من الناس بالزكام، فتربط ما بين الانتقال من الدافئ أو الحار مع البارد، وتعتقد أن سبب مرضك ومرض الكثير من الناس هو هذا الانتقال، فتقول أن سبب المرض هو الإصابة بالبرد، وبناءا عليه تجد الكثير من الناس حينما يأخذ دوشا دافئا يقوم بتغطية جسده تماما حتى إذا ما انتقل من الدوش الدافئ إلى الغرفة المكيفة الباردة لا يصاب “بالبرد” (ولكن بالمقابل لو أنه في فصل الصيف تراه يهرب من الحر إلى مكيف السيارة بلا أي تردد، عندها لا يصاب بالبرد!!).

السؤال هو، هل من الصحيح أن سبب الزكام هو البرد؟ هل تزامن العلاقة ما بين الدفئ  والبرد هي علاقة سببية أم أنه علاقة ارتباطية تزامنية؟ حتى نتحقق من هذه الموضوع لابد من دراسته علميا، فقد يكون أن أثناء انتقال الأجواء من الدفئ إلى البرد بين فصلي الخريف والشتاء تنتقل الفيروسات أو البكتيريا بين الناس بكفاءة أكثر، وقد يعني ذلك أن ليس كل انتقال من دفئ إلى برد سببا في انتشار الميكروبات، وخصوصا أن الانتقال مخصص لفترة الانتقال بين الخريف والشتاء، وبذلك قد لا نحتاج أن نتغطى بكل ما أوتينا من ملابس حينما نخرج من الحمام،  ثم أن فهمنا للسبب الحقيقي يمكننا من صناعة أدوية مقاومة للمرض بالشكل الصحيح، وإلا كيف يمكن مقاومة البرد؟ وهل في حياتك ذهبت إلى الصيدلية واشتريت دواءا يقضي على الرشح و الكحة أو آلام المعدة أو آلام الظهر أو آلام الرجل بضربة واحدة ومكتوب على جدار علبته دواء للبرد؟

شن: الرجال أذكى من النساء.

طبقة: كيف؟

شن: ألا ترين أن أغلب العلماء الحاصلين على جوائز النوبل هم من الرجال؟

هنا يحاول شن أن يجعل السبب في حصول الكثير من الرجال على جوائز النوبل هو الذكاء، فبيّن أن سبب الحصول عدد من الرجال أكبر على جوائز النوبل هو ذكاؤهم الغالب على ذكاء النساء، ولكن هل هذه علاقة سببية أم أنها هناك أسباب أخرى تسببت في أن يحصل عدد أكبر من الرجال على جوائز النوبل؟ ربما الأمر يحتاج لأن نعرف ما إذا كانت الضغوطات الاجتماعية هي السبب في أن المرأة تركز على الأسرة، وربما أن الضغوطات الاجتماعية جعلت من المرأة تهمل نفسها في سبيل أن يوفق زوجها، أو ربما بسبب إعطاء فرصة أكبر للرجل في التعلم للعديد من السنوات في الماضي كان هو السبب، وربما يكون الرجل أكثر مخاطرة، هناك عدة أسباب لابد من دراستها قبل الوصول إلى النتيجة أن “أن ذكاء الرجل الذي هو أكثر من المرأة هو السبب في حصول عدد أكبر من الرجال على جوائز النوبل”، فلابد أن لا نخلط الأمور ونجعل الارتباط والتزامن سببي.

وهناك أيضا ما ذكره ابن خلدون في مقدمته في فوائد الغبار، حيث يقول: “ذكر أن الأرض بعد تقلب الفصول من فصل إلى فصل.. أي من الشتاء إلى الصيف.. تبدأ بلفظ أمراض وحشرات لو تركت لأهلكت العالم فيرسل الله الغبار.. فتقوم هذه الأتربة والغبار بقتلها..وتتراوح حجم حبة الرمل بحسب الحشرة فبعضها صغير يدخل عيونها وبعضها يدخل أنوفها وبعضها في جوفها وبعضها في أذانها وتميتها.” يبدو أن ابن خلدون لاحظ أن حينما ننتقل من فصل الشتاء إلى الصيف الكثير من الحشرات تموت، ولاحظ أيضا أن في هذه الفترة الانتقالية يثور الغبار، فربط تزامن موت الحشرات مع تطاير الغبار في الأجواء، والأسوء من ذلك الكيفية التي علل فيها موت هذه الحشرات، حيث يدخل الغبار من الأنف والعين والأذن. هذا النوع من الربط هو ربط خاطئ ويحتاج لتجارب علمية دقيقة للكشف عن صحة هذا الزعم، لقد لاحظت أن هذه الكلمة لابن خلدون منتشرة على الإنترنت والكثير يعتقد أنها صحيحة بلا أدنى دليل على صحته.

مثال آخر قد تستغرب منه، لنفترض أن هناك علاقة تبين أن نسبة الغرق ترتفع حينما ترتفع نسبة تناول الأيس كريم،  والعكس بالعكس، حينما يقل مستوى تناول الآيس كريم تقل حوادث الغرق، ولو اعتمدت على طريقة الملاحظة والاستنتاج لإبن خلدون لقلت أن زيادة الغرق سببها زيادة تناول الآيس كريم، كما تدل الأرقام، إذن، إذا ذهبت إلى البحر المرة القادمة، حاول أن تتفادى تناول الآيس كريم لدي تتفادى الغرق، وهذا بالطبع شيء غير منطقي أليس كذلك؟ بالطبع، فلماذا لا نعتقد أن ارتفاع عدد الحوادث هو بسبب ارتفاع عدد الناس الذين يتوجهون للسباحة في فصل الصيف، وبما أن فصل الصيف يباع فيه الأيس كريم، فإن استهلاك الأيس كريم يصبح أكبر؟

لذلك فالعلماء حينما يقيمون التجارب فهم يحاولون التحقق بين هذه العلاقات بشكل قاطع، بحيث إذا عرف السبب يمكن الاستفادة من العلاقة بالشكل الصحيح، ومن خلال معرفة العلاقة بالشكل الصحيح يمكننا وضع حلول حقيقة للأسباب، فمثلا لو أن الغبار هو السبب في قتل الحشرات، لرأيت قناني من المبيدات الحشرية المصنوعة من الغبار، فلا داعي لأن نرش مواد كيميائية سامة في الأجواء ثم نستنشقها، والغبار أسهل في التنظيف لاحقا، جرة واحدة من المكنسة الكهربائية وانتهى الموضوع، إذن التجربة العلمية التي تؤكد حقيقة الإدعاء أو الفرضية لا تتوقف عند حد الإثبات إنما تنتقل إلى منتجات تعتمد على الاستنتاج.

لماذا يا ترى ننخدع ونحول الارتباط إلى السببية؟ لأننا – حسب كتاب “الغوريلا الخفية: وطرق أخرى تخدعنا حدسنا يخدعنا” (The invisible Gorilla: And Other Ways our Intuition Deceives Us) – أن الإنسان يرى الأنماط في العشوائية حينما يعتقد أنه يفهم السبب في تكونها، أعيد هذه الجملة لأهميتها، حينما  نرى العشوائية نحن نبحث عن الأنماط، وسنرى هذه الأنماط حينما نعتقد أننا نعرف السبب لتكوّن هذه الأنماط، والأهم من ذلك أننا سنرى الأنماط التي تدعم الأسباب التي نؤمن فيها، أكرر هذه الجملة أيضا لأهميتها، لو أنك كان لديك اعتقاد مسبق في سبب معين لأمور تحدث في الطبيعة، لرأيت أنماطا معينة تتماشى مع هذه الأسباب، راجع الحلقة التي تحدثت فيها على الأنماط (لماذا نرى الأنماط؟) لتستمع لهذا الموضوع بتفصيل، إذن، وكما هو مشهور في العلم: “الارتباط لا يعني التسبيب” (Correlation does not imply causation).

مغالطة “ليس اسكتلنديا حقيقيا” (No True Scotsman)

شن: ليس اسكتلنديا حقيقا من يشرب الشاي.

طبقة: ولكن ماكدانيال اسكتلاندي ويشرب الشاي.

شن: ماكدانيال ليس اسكتلنديا *حقيقا*.

طبقة: ماذا عن الأسكتلندي فليتشر، هو من عشاق الشاي.

شن: من الواضح أنه ليس أسكتلنديا *حقيقيا*.

هذا أيضا من المغالطات المستخدمة عندنا بشكل مكثف، في محاولة لإبعاد أي شخص سيء العادات عن الإسلام نجد أننا نخرج الشخص من الإسلام الحقيقي، فإذا رأينا عيبا معينا في شخص ما، ترانا بسرعة نقول أنه ليس بمسلما حقيقيا، وبالتالي لا نجد من نستطيع أن نطلق عليه المسلم الحقيقي (أو السني الحقيقي أو الشيعي الحقيقي أو السلفي الحقيقي أو الكويتي الحقيقي أو التونسي الحقيقي) في العصر الحالي مهما فعلنا، وهذه الطريقة تعتمد على إعادة تفسير الأدلة بحيث لا يمكن دحض فكرة الآخر، فأي مثال مقابل يبين أن هناك اسكتلنديين مخالفين للقاعدة سيكون الاعتراض أن هذا الشخص هو اسكتلندي غير “حقيقي”، ولذلك لا يمكن دحض هذه الفكرة أبدا.

هناك حالات يمكن فيها استخدام هذا النوع من الجدل، وذلك حينما يكون التعريف واضحا، فمثلا إذا قلنا: “كل النباتيين لا يأكلون اللحوم”، حينها إذا كان أحمد يأكل الدجاج، فأحمد بالتأكيد ليس نباتي، لأن التعريف واضح وصريح في تحديد أن النباتي لا يأكل اللحوم، ومن اللحوم الدجاج، مثلا، أما في الأمثلة السابقة، لم يكن التعريف واضحا، وبالإمكان التلاعب كيفا يشاء المجادل.

هناك أيضا فلسفة مهمة في هذا الجانب وهي الفلسفة التي أسس لها كارل بوبر عن محاولته لتعريف العلم التجريبي، وتمييزه عن باقي العلوم والفلسفة، وهي عملية التكذيب (falsification) ، وهي قاعدة مهمة جدا في فهم العلم، ولابد أن أتحدث عنها في المسقتبل لقوة المنطق فيها. وهي ستوضح أشياء مهمة لفهم كيف يعمل العلم.

أتمنى الآن حينما تستمع لشخص سواء أكان رجلا سياسيا أو دينيا أو اقصتاديا أو علميا أو صديقا حميما أن تناقش ذهنيا بعض النقاط التي يطرحا الشخص لترى مدى استخدامه لهذه المغالطات، سترى أنها مستخدمة بشكل شائع جدا، وأن الكثير يعتمد عليها لدحض أو لدعم فكرة معينة، سواء أكان ذلك بحسن نية أو بغير حسن نية، نحن لا نخوض في النوايا، نحن نحاول أن نفهم الموضوع المطروح بغض النظر عن أساليب التأثير، أنا في الحقيقة لدي الكثير من الأمثلة التي أستطيع أن أضربها وستكون أروع بكثير من الأمثلة العامة التي طرحتها في هذه الحلقة، ولكن مشكلة الأمثلة الأخرى تمس شخصيات في حياتنا، وللأسف أنني في محاولة مناقشة الفكرة سينظر البعض للمناقشة على أنها ضرب للشخص، لذلك بقيت في حدود الطمأنينة للمستمع حتى يستطيع أن يستوعب الأمثلة بنفسه، ويفكر بنفسه.

المغالطات كثيرة، وأنا في البداية، ولكن أكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، وسأكمل المغالطات في الحلقات القادمة، سأتكلم في المرات القادمة عن مغالطة استغلال القصة، وعن مغالطة الاعتماد على الجهل وكذلك المغالطة الثنائية، وهكذا، وسأستخدم شن وطبقة لهذه النقاشات، ولذلك إن كان الحوار بينهما فتوقع أنني أتكلم عن مغالطة.

Posted in Uncategorized | 11 Comments

لماذا نعد النجوم؟

لماذا نعد النجوم؟

إذا كنت تريد أن تبني سفينة، لا تحشد الرجال لجمع الحطب ولا لتقسيم العمل وإصدار الأوامر، بدلا من ذلك  علمهم الاشتياق لاتساع ولا نهائية البحر

أنتوان دي سانت-إيكزوبيري (Antoine de Saint-Exupéry)

speaker_icon disk
ipod

ليس هناك سؤال يجيش مشاعري ولا يشعل كل خلايا مخي بقدر السؤال الذي يتساءل عن أهمية بعض النتائج العلمية، ويأتي مثل هذا السؤال على عدة أشكال ولكن بمضمون واحد، فمثلا من الممكن أن يكون السؤال كالتالي: “العلماء صرفوا المليارات على المصادم الهدروني الكبير، فما الفائدة؟” أو “ما الفائدة من إنزال مركبة على المريخ، أليس من الأفضل التركيز على حال البشر على الأرض بدلا من صرف المليارات على شيء لا فائدة منه؟” أو كالسؤال الذي وصلني على التويتر بعد أن طرح صديقي المعلومة التي تقول أن الشمس تستطيع استيعاب مليون و٣٠٠ ألف كوكب بحجم كوكب الأرض حتى تمتلئ الشمس ثم ألحقها بعدد النجوم في درب اللبانة، وهي 200 مليار نجم، فسأله أحد الأصدقاء هذه السؤال: “ماذا نستفيد من هكذا معلومات؟؟ قضينا وقتا بإحصائها وماذا بعد؟” أنا أشكر السائل من كل قلبي لأن السؤال مهم جدا، ومن المهم الإجابة عليه حتى تتضح أهمية العلم.

قد تتصور أن مثل هذه الأسئلة تطرح بين عامة الناس، ولكن الحقيقة أنها تطرح حتى على المستوى السياسيين المتخذي للقرار والعلماء، وهي تؤثر على مزانيات صرف الدول على الأبحاث العلمية، وقبل أيام بقليل قام العالم الشهير في الفيزياء الفلكية تايسون نيل ديجراس (Tyson Neil Degrasse) بالشهادة أمام مجلس الشيوخ عن أهمية زيادة الصرف على ناسا، وذلك النقاش هذا فتح بسبب الوضع الإقتصادي العالمي، فتحدث كعادته بفصاحة علمية رائعة، وبدأ بالجملة التي ذكرتها في البداية، وبين أهمية وكالة ناسا، وببلاغته بين أهمية العلم ككل في رفع مستوى الأمم.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

مشكلة الصرف

المليارات تصرف سنويا على العلم، قم بجولة صغيرة على الأخبار العلمية سواء من أمريكا أو من الدول الأوروبية أو من اليابان أو غيرها، وستعرف حجم الميزنيات الموجهة للعلم، تايسون نيل دي جراس يقول أن لكل دولار من الضريبة الأمريكية نصف بالمئة تصرف على ناسا، رقم مهول وإن كان يطالب الحكومة الأمريكية في أن ترفع هذه الميزاية بقدر 1 المئة، فعلى سبيل المثال كانت ميزانية ناسا لعام 2011 هي 18 مليار دولار، وللعلم يعتبر ذلك انخفاضا منذ سنة 1993، حيث كان الصرف يشكل 1% من الدولار، ولكن وصل إلى النصف بالمئة من الدولار قبل سنوات، وفي هذه السنة أصبح أقل من النصف.

هناك من يتساءل لماذا نصرف مبالغ طائلة لكي نرسل مركبة فضائية إلى القمر أو المريخ، ولماذا نصرف المليارات على المصادم الهادروني الكبير الذي هدفه هو الكشف عن أسرار لمكاونات صغيرة جدا لا أثر لها على حياتنا الشخصية، ولماذا يقوم العلماء بإحصاء الكواكب والنجوم والمجرات، لنقل أننا علمنا أن في مجرتنا هناك 200 مليار نجمة، وأن هناك مليارات من النجوم في كل مجرة، وهناك مليارات من المجرات، أو أن هناك أكثر من 10 مليارات كوكب شبيهة بالأرض يمكن للحياة العيش عليها، لو علمنا أن الشمس بحجمها الكبير يمكنها استيعاب 1,300,000 كرة أرضية، وأن هناك نجم اسمه في واي كينس ماجوريس يستطيع أن يستوعب 7 مليارات شمس مثل شمسنا لكبر حجمه، ما الفائدة إذا علمنا هذه المعلومات، ماذا بعد؟ نحن بعيدون عن هذه المجرات إلى درجة أنه لا يمكن الوصول لها بأي وسيلة صاروخية نعرفها اليوم، ويبدو أننا نصرف على ما لا يعود علينا بالنفع، مشاكل الأرض كثيرة، بدلا من أن تصرف هذه المبالغ على الفضاء اصرفها على الفقراء، إصرفها على علاج القضايا الإقتصادية الحالية، أصرفها على إطعام البشر، وهكذا القائمة لا تنتهي.

ما قد لا تحس به هو أن من خلال  صرف الدول لهذه الكميات الهائلة من المبالغ – سواء على ناسا أو على المصادم الهدروني الكبير أو على أي مشروع لا تشعر بقيمته – قاموا بإطعام البشر وبعلاجهم من الأمراض وبتحسين الإقتصاد، وبشكل عام رفع العلماء الكثير من المعاناة من البشر وبذلك ازدهرت الحياة على الأض، ولكن المشكلة أن البشر بطبيعته يستعجل، ويريد الحلول المباشرة التي يراها أمام عينية، يريد إشباع لحظي، والمشكلة الأخرى أن البشر لا يضع أي تقدير للمميزات التي يلمسها يوميا في حياته التي تسبب العلماء فيها،  لأنه ببساطة تعوّد على وجودها حوله، فأصبحت كالرائحة الجملية التي اعتاد على اسنتشاقها فلم تعد تؤثر، ولذا سأبين أهمية العلم وأهمية النظر في السماء سواء على مستوى عد النجوم أو على مستوى الصرف على المصادم الهدروني الكبير الملياري أو ما شابه.

ناسا والنجوم

ناسا دائما تتحفنا بمعلومات كثيرة، وذكرت بعضها، يبدو وكأن ناسا أصبحت أداة لدغدغة المشاعر لا أكثر فما الفائدة من مؤسسة تصرف المليارات للتسلية؟ للإجابة على هذا السؤال تحتاج لأن تتوجه لموقع ناسا لترى بعض النتائج لإختراعات التي حسنت من وضع البشر على الأرض، وتسمى هذه بكلمة “ناسا سبين أوفز” (Nasa Spinoffs)، ولها مجلة تعرض فيها الفوائد التي تعود بها ناسا على المجتمع من خلال أبحاثها الفضائية، سأذكر بعض هذه الفوائد، منها ما ساهمت به ناسا مباشرة، ومنها ما طورته، ومنها ما تعمل عليه الآن لتعم الفائدة في المستقبل، لنبدأ:

  • الثيرمومتر الذي يعتمد على الأشعة التحت الحمراء، لابد أنك تعرف هذا النوع من الثيرمومتر، لأنه موجود في كل مستشفى وفي كل صيدلية وهو يستخدم للكشف عن حرارة المريض مليارات المرات سنويا، هو النوع الذي يوضع في الأذن وهو يعمل بنفس الطريقة التي تستخدمها ناسا لقياس حرارة النجوم في الفضاء، حينما يسأل أحدهم ما الفائدة من معرفة حرارة النجوم البعيدة في السماء؟ لابد أن يفهم أن لقياس درجة حرارة النجوم احتاجت ناسا أن تطور طريقة لقياسها عن بعد، واعتمدت على الأشعة التحت حمراء، ومنها قامت بتطوير الثيرمومتر، وبهذا الثيرمومتير أصبحت قياس درجات الحرارة من أسهل ما يكون، وخصوصا للأطفال، حاول أن تقيس درجة حرارة الطفل بالأدوات التقليدية لتعرف حجم المعاناة، إذن، بالنظر إلى النجوم لمعرفة درجات حرارتها تمكن العلماء من تطوير الثيرمومتر.
  • بمساعدة من ناسا تم اختراع مضخة للقلب للناس الذين ينتظرون رزاعة القلب، هذه المضخة صغيرة وتعمل لـ 8 ساعات على البطارية، وتسمح للمريض التحرك براحة إلى أن يتم استبدال قلبه.
  • بسبب العمل على الروبوتات والعضلات الصناعية للروبوتات استطاعت ناسا من تطوير أطراف صناعية للمبتورة أعضاؤهم، وطورت هذه الأطراف لتكون مناسبة من حيث المظهر للذي يلبسها، فتبدو وكأنها طبيعية، وهي تقلل أيضا من الاحتكاك بين الجسد والطرف الصناعي حتى لا يتضايق المستخدم.
  • بسبب المركبة الفضائية الفايكنج التي نزلت على المريخ احتاج العلماء لمظلة قوية لإنزال المركبة، بالمساعدة من شركة جود يير التي تصنع العجلات  وبعقول من ناسا طُورت المظلة باستخدام مواد ليفية كانت أقوى من الفولاذ بخمس مرات، واليوم تستخدم شركة جود يير هذه المواد لعجلات السيارات بحيث تستطيع أن تسير على الشارع لمسافات أطول قبل تآكلها.
  • حينما أرسل التليسكوب هبل إلى السماء سنة 1990 – ذلك التليسكوب الذي أتى بصور مذهلة، وأرانا أن بعض تلك النقاط في السماء إنما هي مجرات –  ذلك التليسكوب بدأ مسيرته بخطأ في العدسة، فحينما أرسل إلى السماء وبدأ بتصوير الفضاء، اكتشف العلماء أن الصور لم تكن واضحة بسبب خلل في المرآة الرئيسية، فما الفائدة من إرسال تليسكوب قيمته 2 مليار دولار ولا يمكنه أن يصور صور دقيقة؟ صور العلماء الفضاء الخارجي ولمدة 3 سنوات إلى أن أبدلوا العدسات في الفضاء الخارجي، ولكن لم يرموا الصور في القمامة خلال تلك السنوات الثلاث، فطورا برمجيات تخفف عدم الوضوح في الصورة وتعوض خلل تأثير المرآة بحيث يمكن الاستفادة من هذه الصور. ثم اكتشف لاحقا أن نفس هذه المشكلة (مشكلة عدم الوضوح في الصور) كانت موجودة أيضا في صور الأشعة لأمراض سرطان الثدي، فتعاونت ناسا مع علماء آخرين لتطوير برامج يمكنها توضيح صور الأشعة وبالتالي تمكن العلماء مع تشخيص مرض السرطان بشكل أفضل، واليوم أنقذت ناسا الكثير من النساء من حول العالم بسبب محاولاتها لرؤية النجوم، وللعلم عملية عدد النجوم هي إحصائية، وواحدة من الأدوات في تقدير عدد النجوم والمجرات كانت تعتمد على التليسكوب هبل.
  • بينت في الحلقة السابقة أن ناسا تطور الآن كبسولات لغرسها في جسم رائد الفضاء، فإذا انطلق رائد الفضاء إلى المريخ وأصابه المرض ولم يكن مع طبيب فلا يمكن علاجه، البديل هو أن تكون الكبسولة هي الطبيب المشخص والعلاج، حيث ستستشعر الكبسولة المرض، وتتفتت وتنتشر في الدم، وتعالج الجسم مباشرة، صحيح أن هذه الأفكار بإمكان تطبيقها على رواد الفضاء، ولكن بالإمكان تطبيقها على مرضى السكري، إذن حينما يفكر الإنسان في السفر في الفضاء لابد أن يفكر في علاج مشاكل السفر، ومن خلال محاولة العلاج أثناء السفر، يمكن معالجة الناس في الحضر.
  • أضف لذلك المرايات الجديدة التي تعمل عليها ناسا، التليسكوبات تستخدم عدسات، وتواجه ناسا مشكلة في صناعة عدسات دقيقة جدا، وعادة ما تكون هذه العدسات مشوهة حينما ينظر لها بالميكروسكوب، وذلك يؤثر على الضوء الذي يأتي من نقاط بعيدة جدا في الكون مما يجعل من الصعب تمييز هذه النقاط الصغيرة، وبما أن من الصعب تقليل التشوه في العدسة قامت ناسا بتطوير طريقة أخرى، وهي مرايات يمكن التحكم بسطحها، بحيث يتم رفع وخفض نقاط مختلفة من المرايات لتتناسب مع تشوه العدسة فتعوض التشوه الناتج، مثل هذه التكنولوجيا لابد أن يوما ما ستنتقل  إلى الكاميرات التي تستخدمها شخصيا، ولا أحد ينكر أهمية التصوير في الكاميرا، فالكل أصبح صحفيا يحمل الكاميرا ويصور الأحداث من حوله، فأصبح من الصعب على الحكومات إخفاء جرائمها، والثورات العربية أصبحت أكثر شفافية.

هذا جزء بسيط مما قدمته ناسا للبشرية من خلال محاولته الفهم النجوم في الكون ، وعلى عجالة أذكر ما ذكره تايسون نيل دي جراس في كتابه “وقائع الفضاء” (Space Chronicles: Facing the Ultimate Frontier) من مخرجات أو مساهمات ناسا: جهاز غسيل الكلى، جراحة الليزك، جي بي إس، أصباغ مقاومة للتآكل للجسور والتماثيل، أنظمة الزارعة المائية، أنظمة تفادي التصادم في الطائرات، التصوير الرقمي، الكاميرات التحت الحمراء المحمولة، أحذية رياضية، عدسات شمسية غير قابلة للخدش، الفوم الذي يتذكر (Memory foam) (المستخدم في المخاد والفرش)،  فلاتر الماء، أجهزة اتصال بعيدة المدى، وعصير تانج.  هذه نتجت من ناسا أو من خلال التلاقح العلمي بين ناسا وبين مؤسسات وشركات خارجية.

عدد الكواكب والنجوم ليست إلا نتيجة من النتائج والتي تترتب عليها نتائج وليست هي الغاية النهائية، من صلب السماء تكتشف قوانين رياضية وفيزيائية وهذه القوانين تطبق في كل نواحي حياتك، فقوانين نيوتون وقوانين آينشتين وكل القوانين الفلكية هذه تجد لها تطبيقا مباشرا في حياتك.

المصادم الهدروني الكبير

في مناقشتي للنظر في النجوم اخترت ناسا، لأنها هي أكثر المؤسسات الفضائية وضوحا، ولكن لا يعني ذلك أن المؤسسات الأخرى أقل شأنا منها، وهناك أيضا مؤسسات علمية لا تنظر للنجوم، إنما تنظر إلى ما بداخل الذرة، الكل يعرف عن المصادم الهدروني الكبير، وهو المعجل للجسيمات الموجود بين فرنسا وسويسرا، صرف على هذا المعجل مليارات الدولارات وقام على إنشائه آلاف المهندسين والعلماء، وقضوا عليه وقت طويل إلى أن اشتغل وبعد فشل اشتغل المصادم الهدروني الكبير، قدر الطاقة الذي يستهلكه المصادم الهدروني الكبير هو 120 ميغا واط، ويعادل ذلك 1,200,000 لمبة تستهلك 100 واط، كل ذلك لتعجيل الجسيمات الصغيرة ولاكتشاف ما بداخلها، أليس من الأفضل تحويل هذه الكهرباء للفقراء وإضاءة بيوتهم فيها، أو لتشغيل سخان بدلا من أن يموت من البرد؟ ما الفائدة من معرفة مكونات الكون الصغيرة؟

أتذكر كنت أستمع للبودكاست الساينس فرايدي، فسأل مقدم البرنامج آيرا فليتو سؤالا لأحد العلماء من سيرن (الذين يعملون في المصادم الهدروني الكبير) عن فائدة النتائج التي ستأتي بها هذه التصادمات، فأجاب بأنه لا فائدة منها، أي لا فائدة مباشرة نستفيد منها اليوم أبدا، فعلا، منطق الإشباع اللحظي أو النتائج المباشرة يناسب كل من لديه ضيق أفق ونظرة قريبة المدى.

تعال واسأل هذا السؤال حينما أسس آينشتين للنظرية النسبية في بداية الـ 1900، ولنسأل أينشتاين ما الفائدة من نظريته هذه؟ نظرية تبين أن الوقت نسبي، وإن؟ أتفق أن المعلومة شيقة وغريبة، ولكن لا نستفيد منها مباشرة، قصة جميلة، اركب بمركبة فضائية وانطلق بسرعة قريبة جدا من سرعة الضوء، وارجع إلى الأرض مرة أخرى بعد يوم، ستجد أن الأرض وسكانها تقدموا مليون سنة، فعلا معلومة غريبة ومثيرة، والآن لنكمل حياتنا اليومية، انتظر… توقف، حياتك اليومية تتأثر بهذه المعلومات وبرياضياتها مباشرة، لولا النظرية النسبية لما كان هناك شيء اسمه جي بي إس (GPS)، ولولا النظرية لكان من المستحيل تحديد موقعك بدقة.

تعال واسأل بور وشرودنيجر وهايزنبيرج، ما الفائدة من الميكانيكية الكمية؟ وما الفائدة من معرفة غرابة العالم المنتاقض؟ إلكترون يحتمل أن يكون في كل مكان، ولكن بعد القياس ينهار في مكان واحد، فوتون – في تجربة الشقين – يعبر من شق، ويعبر من شقين، ولا يعبر من أي من الشقين، كيف؟ المستقبل يؤثر على الماضي بدلا من أن يؤثر الماضي على المستقبل، معلومات في منتهى الغرابة، ولكن ما الداعي لها؟ ولماذا تقام عليها التجارب المليارية حتى تثبت صحتها؟ اصرف الأموال على إطعام الفقير.

لولا النظريات التي صدرت من هؤلاء العلماء لما كنت تحمل جهاز إلكتروني واحد في يدك، ولكان هذا الهاتف النقال الذي في يدك بحجم منزل كامل، لأن الإلكترونيات الدقيقة تحتاج إلى أجهزة دقيقة وترانزيستورات صغيرة، ولو النظريات التي أسستها الميكانيكية الكمية لما عرف العلماء كيف تتحرك الإلكترونات والثغرات ولا عرف العلماء حدود تلك التروزيستورات، بها صنعت الكمبيوترات التي استخدمت لفهم الأمراض ولتحليلها، وبها طور العلماء الميكروسكوبات الدقيقة التي استطاع بها فهم تركيبة الخلايا وبها استطاع أن يطور الغذاء ليغذي مليارات من البشر، أضف لذلك أن التناقضات التي عرفها العلماء في عالم الميكانيكيا الكمية أسست لمبادئ الكمبيوتر الكمي والذي سترى نتائجه في السنوات القريبة القادمة، كمبيوترات لها قدرة على حساب عمليات رياضية معقدة، وبها يمكن فهم عالمنا بشكل أفضل، ومنه يمكن أن نفهم المناخ الذي يحتاج لكمبيوترات في منتهى السرعة، ومنه يمكن تحليل الكثير من القضايا المستعصية على الكمبيوترات الحالية، ومنها إلى تحسين المستوى المعيشي البشري. أضف لذلك لولا هذا الفضول في أصغر الأجسام لما كانت هناك صناعة قائمة عليها، والصناعة توفر للبشر الوظائف، وتساهم في الإنتاج، وتقوية الإقتصاد.

إذن، حينما يتساءل الناس عن عدد النجوم في السماء أو حركة الإلكترونات في الذرة، انتبه – ذلك يحتاج لتسخير عدد كبير من العلماء الأذكياء  القادرين على تطوير أجهزة في غاية التعقيد مثل التليسكوبات والأقمار الاصطناعية والمركبات الفضائية وأجهزة القياس والكبميوترات وكذلك يحتاج العلماء لتطوير قواعد الرياضيات والفيزياء  وغيرها من الأمور، وبالتالي تفتح أبواب جديدة، وتنتج نتائج مباشرة تؤثر على حياة البشر، أفقد هذا السؤال، إفقد هذا الفضول، افقد هذا الطموح وستفقد العلماء وستفقد كل هذه القوانين الرياضية الفيزياء، إفقد هذه الأسئلة إفقد حلم أمة، إفقد أمة، فتأمل.

الأمل والطموح

لماذا أنت تصلي وتصوم وتحج أو تقوم بعباداتك على حسب ديانتك أي كانت؟ لأن هناك وعد من الله أن تدخل الجنة أو هناك وعود أخرى تأمل أن تحوز عليها من خلال دينك، هذا الوعد لم تره ولم تلمسه ولم تشمه، وكما جاء في الأحاديث الشريفة أن الجنة لا يمكن لك حتى أن تتخيلها عوضا عن الإحساس بها في الدنيا، تعزيز هذا النوع من الأمل هو دافع هائل في تحريك الإنسان إلى درجة تصل إلى التضحية أو إلقاء النفس في التهلكة من أجل هذا الأمل، وهذه هي خاصية إنسانية وترتبط بالمخ مباشرة، هناك دراسة تبين كيف أن الأمل هو الدافع للعمل.

أجريت هذه التجربة على القرود، التجربة كانت كالتالي، حينما يضغط القرد على مقبض يحصل على الجائزة (وفي حالة القرد الجائزة هي الطعام)، وحينما يضغط القرد على المقبض بعدد من المرات يحصل على الجائزة، قاس العلماء نسبة الدوبمين في المخ، فلاحظوا أن النسبة ترتفع قبل أن يبدأ القرد بالضغط على المقبض، وليس عند استلام الجائزة (وعلى عجالة، مادة الدوبامين لها علاقة بالسعادة، ولها علاقة بالتعلم المدفوع بالجائزة، وهي مادة تفرز في المخ) الدوبمين ينطلق في المخ بسبب توقعك في الحصول على السعادة وليس بعد حصولك على السعادة، هنا فارق مهم، التجربة على القرد تبين أن حينما يتوقع أن يحصل على الجائزة تفرز مادة الدوبامين في مخه، وليس حينما يستلم الجائزة، أي أن السعادة تحصل حينما يكون هناك طموح للحصول على الجائزة، وليس حين الحصول عليها.

قرر العلماء تغيير التجربة قليلا، بدلا من أن يعطوا القرد الجائزة في كل مرة يضغط فيها على المقبض، أعطوه الجائزة خمسين بالمئة من المرات التي يضغط بها على المقبض، وبشكل عشوائي، فلا يدري القرد في أي المحاولات للضغط سيحصل على الجائزة، اكتشف العلماء أن كمية ضخ الدوبمين في المخ ترتفع بشكل أكبر بكثير من السابق، وهي أكبر مما لو حصل القرد على الجائزة في كل مرة، في التجربة الأولى القرد ضمن الجائزة، في التجربة الثانية كانت نسبة الضمان 50%.

السبب في زيادة نسبة الدوبمين يعود لأن النتيجة أصبحت غير مضمونة، ربما تحدث ربما لا تحدث، وحسب ما يقول د. روبرت سابولسكي (Robert Sapolsky) العالم في علم الأعصاب: “أنت أدخلت كلمة ’ربما‘ في المعادلة، وكلمة ’ربما‘ تسبب الإدمان بشكل كبير”، وهذا الشيء ينطبق على الإنسان تماما حسب ما ذكر سابولسكي، ويقول أنه حينما تفصل بين الجائزة والعمل، وتجعل بينهم فارق زمني فإن مستويات الدوبمين ترتفع عند الإنسان، فيقول تخيل أنك تبدأ بالمدرسة منذ الصغر ولديك طموح كبير في أن تصبح شيئا ما في المستقبل، فتذاكر جيدا، وتقدم اختبارات جيدة، وتقدم على جامعات جيدة إلى أن تصل إلى غاياتك في العمل في مكان تحبه، فالإنسان يستطيع أن يبقي على مستويات الدوبامين في المخ بشكل عالي جدا انتظارا للجائزة في المستقبل البعيد، وهذا اختلاف من الاختلافات بين الإنسان والحيوان، وهو الاستعداد للانتظار على أمل أن يتحقق الشيء حتى لو كان الفارق الزمني كبير.

لربما جردت أحاسيس السعادة بطريقة علمية وجعلته مواد كيميائية تفرز في المخ، ولكن دعك عن الدوبمين، لنتحدث عن المشاعر التي تحس فيها حينما ترى النجوم، النجوم بالذات نظر لها الإنسان وحاول أن يفهمها على مر التاريخ، والإنسان بطبيعته يحب الاكتشاف، ولذا ترى أنه تحرك على الأرض والبحر وسافر وقطع مسافات شاسعة بداية بالمشي على الأقدام ثم باستخدام الحيونات إلى السيارات والطائرات، وغاص في أعماق البحر ليشكف عن أسراره، وحطم الجسيمات الصغيرة من أجل أن يكتشف ما بداخلها، ونظر إلى السماء في عمق الكون لاكتشاف أسراره، محاولة الاكتشاف والأمل والطموح تشعره بالسعادة، وتجعله يعمل من أجل تحقيق هذه الطموحات العالية البعيدة المنال، إذن الأمل دافع للعمل.

ومن نتائج  الأمل والطموح والاكتشاف انتفاع البشر، فترتفع معاناتهم وتزدهر حياتهم، وهذه القصة معروفة، وأنت تحس بها يوميا وإن كنت لا تقدر الجهد العظيم الذي بذله العلماء الفضوليون المكتشفون، القصة عرفت حينما اكتشف الإنسان الأرض، ولا زلنا في بدايتها، القصة لا تنتهي باكتشاف الأرض والبحار التي فيه، القصة تتكامل حينما يكتشف الإنسان النجوم والكواكب الأخرى (ذلك البحث القديم)، وسيكون لدينا يوما ما كريستوفر كولومبس آخر يرحل في الفضاء ويكشتف أماكن أخرى يمكن للإنسان العيش فيها، وتدريجيا سيمتلك الإنسان المجرة وربما الكون كله)، هنا تنتهي القصة وتكتمل.

قبل أيام غاص جيمس كاميرون إلى أعمق نقطة في الأرض، وهي موجودة في قاع البحر، وأتى من هناك ليخبرنا عن بعض التفاصيل لما رآه في القاع، وبكلمات بسيطة مرصعة بمشاعر إنسانية استطاع أن يرسل أمواج من الأحساسيس حول العالم، وكما قرأت في أماكن مختلفة على الإنترنت أن تلك الأحاسيس بدأت تحرّك العلماء من أجل استكشاف الأعماق، وإذا ما عدنا للكلمة التي بدأت بها البودكاست: “إذا كنت تريد أن تبني سفينة، لا تحشد الرجال لجمع الحطب ولا لتقسيم العمل وإصدار الأوامر، بدلا من ذلك  علمهم الاشتياق لاتساع ولا نهائية البحر”، هكذا هو الإنسان، حينما تريد منه أن يقوم بمهمة، فعليك بتحفيزه، عليك بإشعال خياله، كلما اتسعت عنده فسحة الأمل كلما عمل أكثر وأتى بنتائج أفضل، إذن حينما نتطلع إلى النجوم فإما أن نصل لها أو ما دونها، وأتوقع أننا يوما ما سنصل لها، وما بعدها.

Posted in physics & astronomy, Science | 11 Comments

مستقبل البشرية 1: الطب

مستقبل البشرية 1:  الطب

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء الأعزاء، وأخبرني أنني أصبحت أكثر جدية في البودكاست وابتعدت قليلا عن الخيال العلمي، حيث كنت في السابق أخلط العلم مع بعض الأفكار والقصص المشتقة من الخيال العلمي التي ترتبط بالعلم، مما يجعل المستمع يسرح قليلا بعيدا عن الآن والواقع الحالي وإلى المستقبل. وبما أنني كنت سأعمل حلقة عن مستقبل البشر قررت أن أقدمها على غيرها من الحلقات، وأخلط لكم بين العلم الحالي والتنبؤات المستقبلية وبعض ما تشاهده أو تقرأه في قصص الخيال العلمي.

التنبؤات المستقبلية لن تكون اعتباطية عشوائية، بل ستكون مرتكزة على العلم الحديث، وستعتمد على ما تراه الآن وعلى ما لا تراه مما هو حاليا موجود في المختبرات ومما يعمل يعمل عليه العلماء، وسيعتمد على الكثير من آراء العلماء أنفسهم، لماذا أؤكد على هذه النقطة، لأن ما سأقوله ربما سيبدو لك مستحيلا أو خياليا، فمثلا هل تتوقع أنه سيأتي اليوم الذي لن يحتاج فيه أحد لقيادة سيارته أبدا، بل ستقود السيارة ذاتها بالكامل وبلا أي تدخل البشر نهائيا؟ أو هل تقبل أن في المستقبل لن تموت من الأمراض التي تقتل البشر في هذه الأيام مثل السرطان، والقلب وغيره، وحتى طول العمر لن يتسبب في وفاتك؟ بل هل تقبل أنك  سنتزل بضاعة ومشتروات ومنتجات من الإنترنت كما تنزل برنامج كمبيوتر من على الإنترنت؟ أو هل تصدق أنك في المستقبل ستفكر… وسيكون… أي أن أفكارك ستترجم إلى واقع عملي؟ أو هل تصدق أن أعضاء جسدك سيتم طبعاتها باستخدام آلة طابعة ثم يتم زراعتها في جسدك؟ أو أن مخك سيتم ربطه بأجهزة بحيث تزيد من قدراتك على التفكير؟ ربما يصعب عليك تصديق ذلك، ولكن تأكد أنني بعدما أنتهي من هذه الحلقة والحلقات القادمة سأكون إما قد غيرت من وجهة نظرك كلية أو أثرت فيك الفضول الكافي للتحقق من كل قلته لشدة غرابته.

أبق معي واستعد للمستقبل، واترك “كان يا مكان في قديم الزمان” لننظر إلى ما سيكون في آخر الزمان، ليس بالزمان البعيد، بل القريب، واربط حازم أمان العقل وإلا ستصاب بصدمة تلو الأخرى لما ستتعرف عليه عما يحدث  الآن في المختبرات وما سينتج عنه في المستقبل.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

الخيال العلمي والمستقبل

الكثير من المسلسلات والأفلام التي ترتكز على الخيال العلمي غالبا ما تكون فيها صورة عن بعض التطورات التي ستشهدها السنوات القادمة، الكثير مما يأتي في هذه المسلسلات يصدق على أرض الواقع، والكثير منها أيضا لا يصدق، خذ على سبيل المثال، الكاتب القصصي الشهير آرثر سي كلارك تنبأ بستلايتات تحوم حول الأرض في مدارات ثابتة جغرفيا في سنة 1945، وأنها ستستخدم للاتصالات، وتحقق ذلك فعلا، بالرغم من أن أول ستلايت حام حول الأرض هو سباتنيك (Sputnik 1) في سنة 1957، أي بعد فكرته بـ 12 سنة.

مثال آخر على تنبؤ قد يكون من أكثر التبؤات غرابة بالنسبة لي، أتى التنبؤ في قصة اسمها “منطق اسمه جو” (A Logic Named Joe)، كتب هذه القصة مري لينستر (Murray Leinster) في سنة 1946، هذه القصة تتكلم عن جهاز أو منطق، والمنطق مرتبط بشبكة كبيرة، وهذه الشبكة متصلة بخزائن (Tanks)،  والخزائن هي مبنى كبير مليئ بجميع معلومات وحقائق الخلق كله، وكل خزينة متصلة بجميع الخزائن الأخرى في البلاد،  يجلس الشخص أمام المنطق، والمنطق عبارة عن جهاز وشاشة وله أزرة، تضرب على الأزرة وتكتب على الشاشة كلمة معينة، هذه الكلمة تذهب للخزائن، ثم تعطي الشاشة ومضات متتالية حينما يرجع لك المنطق بالإجابة، فيجيبك عن السؤال، أسأله أي سؤال شئت ستحصل على الإجابة، حتى لو كان سؤالك عن حالة الطقس، حتى لو كان السؤال “أين هو زوجي الآن؟” أو “كيف أستطيع أن أكوّن الكثير من المال بسرعة” أو حتى “كيف أستطيع أن أقتل زوجتي من غير أن أكتشف؟” ، هذه المنطقية والخزائن غيرت من العالم كله.

ربما فهمت الفكرة، ولكن لأشرح للذي لم يستوعب هذه الفكرة المذهلة التي ظهرت قبل ظهور “فكرة” شبكة الإنترنت بما يقارب الخمسة عشر سنة، لاحظ معي أن المنطق الذي يتكلم عنi الكتاب يقصد به الكمبيوتر الذي بين يديك، وأن الخزائن هي الخادم أو السيرفر (Server)، وهي متصلة ببعضها البعض بشبكة الإنترنت، وأنك تستطيع أن تقوم بالبحث عن أي معلومة من خلال جوجل فتحصل على الإجابة، فعلا الكمبيوتر الذين بين يديك سواء أكان ذلك هو الكمبيوتر الشخصي أو الهاتف المتنقل، بإمكانك استخدام أي منها للاتصال بسيرفرات جوجل عبر الشبكة للتواصل مع كميات هائلة من المعلومات ثم الحصول على الإجابة الشبه مناسبة (ملاحظة، أعتقد أن الكاتب استخدم كلمة منطق ربما لأنه كان يقصد الدوائرة المنطقية)، إذن هذا الكاتب استطاع أن يتنبأ بوجود جوجل قبل ظهوره بأكثر من 50 سنة.

في الماقبل للقصص الكثيرة التي تحققت هناك الكثير من القصص التي فشلت بالتبؤ بالمستقبل بالشكل الصحيح، وهناك سببين لهذا الشيء، السبب الأول هو أن الكاتب الخيالي لا يتقيد بالضرورة بالقوانين الفيزيائية، فيبتعد كل البعد عن الإمكان، فمثلا، من الممكن أن يكتب قصة عن صناعة آلة أبدية الحركة، وهذه حسب قوانين الفيزياء لا يمكن أن تكون بإي حال من الأحوال، ففي هذه الحالة القصة لا يمكن لها أن تتنبأ بطاقة مستديمة لا نهاية لها، ولذلك التنبؤ هذا يفشل في المستقبل القريب والبعيد، والنقطة الثانية هي التوقيت، ربما يحدث وأن يتنبأ قصصي أو مستقبلي بمعالجة مرض السرطان أو الصلع أو مغادرة كوكب الأرض إلى كوكب آخر، وكل تلك جائزة، ولكن حينما يحدد وقتا معينا، فإنه قد يفشل في التنبؤ، فمن الصعب جدا وضع توقيت محدد لخبر مستقبلي، فقد تتحقق الفكرة في المستقبل، ولكن ليس على الجدول الزمني الذي يحدده القصصي أو المستقبلي.

هناك من يتنبأ ولكن على شيء من الحذر، فيقوم بمتابعة العلم الحديث وما يحدث في المختبرات، فيسقط نظره إلى المستقبل اعتمادا على المعلومات المتوفرة حاليا، فمثلا العالم الفيزيائي ميشو كاكو في كتابه فيزياء المستقبل (Physics of the Future)، يقدم تنبؤات للمئة سنة القادمة، وذلك اعتمادا على مقابلته لأكثر من 300 عالم في مجالات شتى، وهذه المجالات هي على حافة العلم، وعلى حافة الخيال العلمي من حيث اختراقاها لأحدث الأبواب العلمية، وكذلك ري كيرزوايل (Ray Kurzweil)، والذي كتب عدة كتب عن المستقبل بناءا على أبحاث كثيرة في عدة مجالات فيزيائية ورياضية وطبية وفنية… إلخ، تنبؤات هؤلاء تختلف عن القصصيين، حيث أنها مستندة على حقائق على أرض الواقع، وتلتزم بقواعد اللعبة الفيزيائية، ولكن تبقى هناك ناقصة واحدة وهي التوقيت، قد يصيب المستقبليين في التوقيت، وقد يخطئوا، ولكن بكل تأكيد الخطأ في التصويب سيكون أقل بكثير من الخيال الصرف.

في هذه الحلقة سأتكلم عن بعض جوانب المستقبل الطبي، وإن لن أتمكن من أن أحيط به كله لكثافة المعلومات التي فيه.

الطب المستقبلي

لو كنت من متابعي المسلسل الشهير ستار تريك (Star Terk) أو ستار تريك ذي نيكست جنيريشن (Star Trek the Next Generation) أو أي من الإصدارات التي تلتها، ستجد طاقما بشريا ينطلق بمركبة هائلة لاستكشاف الفضاء وللتعامل مع أحياء أخرى من كواكب مختلفة، وفي كل من هذه الحلقات كانت هناك أفكار تكنولوجية متطورة بشكل كبير لدرجة أن معضمها غير متوفر في هذا الزمن، وواحدة من تلك هي الترايكوردر (Tricorder) الطبي، وهو ماسح طبي خيالي يستخدم لتشخيص المرض من غير أن يحتاج الطبيب حتى للمس المريض، كل ما يفعله هو أن يمسك بالماسح بيده (وهو جهاز بحجم قنينة أحمر الشفاة أو أكبر بقليل من بعض الهواتف المتنقلة – على حسب الجزء من المسلسل) يحركه إلى الأعلى والأسفل على الجسم من غير ملامسته فيأخذ الجهاز القراءات لحالة الجسم ويحلل الأمراض.

قد تتساءل أنه كيف يمكن لجهاز صغير محمول أن يقوم بمسح الجسم ويغوص في داخل أنحاء جسم بلا أي تلامس ثم يعرض لك الحالة الصحية للمريض؟ هل يعقل ذلك؟ ربما لا تستطيع أن تتخيل أن يكون هذه الجهاز بحجم أحمر الشفاه أو الهاتف النقال، ولكن الكبير حاليا موجود، فجهاز الإف الإم آر آي (fMRI) يستطيع تصوير كل أعضائك من الداخل، ولكن هذا الجهاز كبير جدا، ويحتاج إلى غرفة كبيرة وتحتاج لأن تدخل بداخله حتى يتم تعريضك للمجال المغناطيسي الهائل ليتم تصوير جسدك، ولكن في المتسقبل سيتحول هذا الجهاز إلى جهاز محمول باليد وبإمكانه أن يقوم بنفس العمليات التي يقوم بها هذا الجهاز الضخم، هذه واحدة من الأجهزة التي يتنبأ ميشيو كاكو بوجودها خلال المئة سنة القادمة، وستكون واحدة من قدراته هي تصوير الجسم من الداخل مثل جهاز الإف الإم آر آي، وسيكون بإمكانه أيضا أن يفصّل بكامل أنواع الأمراض.

علماء من جامعة  إمبريال كوليج لندن (Imperial College London) بالاشتراك مع مؤسسة أبحاث المواد السنغافورية، طوروا طريقة جديدة للأشعة التي من شأنها أن تحول هذا الجهاز الضخم إلى جهاز محمول في اليد، وتعتمد هذه التكنولوجيا على أشعة التي (T-Rays) أو الأشعة التي ترددها بالتيرا (10 وأمامها 12 صفرا)، حاليا هذه الأشعة مستخدمة في بعض المطارات، ولكن من خلال التطوير الجديد يمكن لهذه الأشعة من اختراق الجسم وتحديد خلايا سرطانية بدقة أكبر من الإف إم آر آي الحالي، والفريق الذي يعمل على هذه التكنولوجيا استطاع أن يطور هذه الأشعة بشكل أقوى باستخدام هوائيات نانوية، هذه ستكون متوفرة في الأجهزة الصغيرة المستقبلية.

لأقدم لك بعض الأجهزة التي يعمل عليها العلماء التي من الممكن أن تستخدم لتشخيص الأمرض بالإضافة للإف إم آر آي، قبل يومين فقط أعلنت جامعة أوكسفورد عن جهاز صغير بحجم ذاكرة الفلاش ميموري، يتم تركيبه على اليو إس بي (USB) الخاص بالكمبيوتر، كانوا يعملون عليه بشكل سري لثلاث سنوات، يقوم هذه الجهاز بسلسلة جينات البشر بالكامل خلال ساعات، ويمكنه أن يسلسل جينات الفيروس خلال ثوان، يستخدم هذا الجهاز نظام المسامات النانوية، تخيل أن قبل 5 سنوات كانت قيمة سلسلة الدي إن إي هي 10 ملايين دولار، ولكن سيمكنك شراء مثل هذا الجهاز بقيمة حوالي 900 دولار ربما خلال السنة القادمة. ما الفائدة من هذا الجهاز يا ترى؟ جيناتك تحتوي على الكثير من المعلومات عن قابلية جسمك للإصابة بأمراض القلب والسرطان والخرف وغيرها من الأمراض، بمعرفة السلسلة الخاصة بك، بإمكان الطبيب تحليل حالتك الصحية بشكل أفضل، إذن أضف هذا الجهاز للترايكوردر المستقبلي، وسيتم تحليل جيناتك في جهاز محمول على اليد، وستحمل معك أنت على شيء شبيه بالفلاش ميموري كامل خريطتك الجينية التي تكونك أنت شخصيا.

تخيل باستخدام هذه الخريطة يمكن أيضا معرفة مواصفات أي مجرم بمجرد معرفة الدي إن إي المكون له، فبالإمكان معرفة طوله، ولون عينيه، ولو شعره، وعرقه، حالته الصحية، وبالإمكان رسم شكل تقريبي للشخص من خلال خريطته الجينية، قد يصعب عليك تصور ذلك، ولكن خذ على سبيل المثال أنه حينما يولد توأم فإنهما يتشابهان بشكل كبير جدا في تسلسل جيناتهما، ولذلك الواحد يشبه الآخر، وذلك يعني أن الخريطة هي التي تعطي شكلا للشخص، وكأنما نعمل فوتو كوبي للشخص من خلال جيناته، فلو أخذنا هذه الخريطة الجينية بإمكان الكمبيوتر أن يحللها واحدة واحدة، ويرسم رسمة مقاربة لشكل الشخص، وبذلك تستدل عليه السلطات.

ماذا يمكن إضافته للتراكوردر أيضا؟ شركة مايكروسوف حاليا تعمل على عدسات توضع على العين مباشرة، تستطيع هذه أن تراقب مستوى السكر في الجسم، وسيقوم هذه جهاز بطلب مستوى السكر من العدسة لاسلكيها، وهذه التكنولوجيا موجودة حاليا في المختبر واللقطة التالية تبين هذه العدسة، تخيل أنك لا تحتاج أن توخز يدك بإبرة لأخذ الدم من الجسم وتحليله، لا داعي لذلك الإزعاج لا لك ولا لأطفالك، المراقبة تتم من خلال العدسة لمستوى السكر من خلال الدمعة، ولا داعي لأن تفكر في مستوى السكر مرة أخرى، المراقبة دائمة، ركب هذه العدسة على عينك، وأضف جهاز استشعار صغير للترايكوردر ليستشعر مستوى السكر.

هذا جزء بسيط من أنواع المجسات التي بإمكانها أن تشخص المرض، وهناك الكثير مثل جهاز نانوي يستطيع أن يشم رائحة مرض القلب، وآخر لشم السرطان، بعبارة أخرى الجسم أو الفم يطلقان جزيئات في الهواء، وهذه الجزيئات تلتقطها الأجهزة الدقيقة، وتتعرف عليها وتنذر بالمرض، هنا أنا لا أتكلم عن خيال علمي، بل واقع وتجارب أجريت على الناس لأجهزة جديدة يتم اختبارها للتصنيع في المستقبل القريب، أضف كل تلك  لترايكوردر.

أعلنت شركة الإكس برايز عن جائزة قيمتها 10 ملايين دولار لمن يصنع جهاز ترايكوردر يستطيع أن يشخّص 15 مرضا مختلفا، لابد لأن يكون الجهاز هذا خفيف بحيث لا يتعدى 2.5 كيلوغرام، المشكلة ليست في عدم إمكانية تشخيص الأمراض، هذه التكنولوجيا حاليا متوفرة، ولكنها إما أن تكون كبيرة أو متفرقة، القادم في المستقبل سيكون كل ذلك في جهاز صغير محمول في اليد في متناول الطبيب، الشركات لا تهتم لعشرة ملايين دولار في الحقيقة، لأن الأموال التي ستصرفها في صناعة النموذج (البروتوتايب) الأول سيكون أضعاف مضاعفة لقيمة الجائزة، ولكن هذه بالتأكيد ستكون مشجعة للشركات لمحاولة تطوير جهاز طبي كان خياليا في الماضي وليصبح حقيقة في القريب.

بل أكثر من ذلك، في خلال المئة سنة القادمة ستكون هذه المجسات في حمام منزلك وتكون متصلة بالكمبيوتر لا سلكيا، وإذا وقفت أمام المرآة وتنفست، ستقوم تلك الأجهزة بقياس حالتك الصحية، أو من خلال مجسات تقيس حالتك من خلال التبول في المرحاض، أو من خلال خلايا وجهك التي سقطت أثناء الحلاقة، وما أشبه، فتعرض لك المرآة حالتك الصحية، وستقوم بتوجيهك للطبيب إن كانت هناك حاجة لذلك، وتخيل أيضا أن ملابسك فيها مجسات، فلو خرجت من المنزل وحصل لك حادث سيارة، فعندها ستقوم ملابسك باستشعار وضعك الصحي، فتتصل ملابسك بالطبيب وتستدعي الإسعاف، وما على المسعف سوى أن يمرر على جسد الترايكوردر ويسجل حالتك الصحية بالكامل، ثم ترسل مباشرة للمستشفى، ويكون الطبيب بانتظارك ومعه كامل معلوماتك.

أنا شخصيا أرى أن مثل هذه الأمور ستكون متواجدة في الهاتف المتنقل أو على الأقل التحاليل والمعلومات ستتواجد على النقال في المستقبل القريب، لاحظ مثلا أن الكثير من الشركات أنتجت مجسات ممكن تركيبها على أنحاء مختلفة من الجسم، فترسل هذه المعلومات للآيفون، فيقوم الآيفون بإعطائك إحصائيات، خذ على سبيل المثال شركة ناكي، وضعت المجسات في الحذاء، حينما تركض أو تقفز أو تتحرك فإن الحذاء يسجل كل هذه المعلومات لتنتقل بعد ذلك للآيفون فيعطيك إحصائيات عن طبيعة نشاطك، وبذلك بإمكانك التنافس مع الأصدقاء لترى من يتحرك أكثر، أو مثلا الكثير من الشركات الآن صنعت أجهزة إما أن تربط على الرسغ أو الرأس، فتقوم بستجيل نمط نومك، فيعطيك إحصائيات في الصباح عن بداية النوم، وعن النوم العميق، أضف لذلك أنه يغير من تعاملك مع المنبه في الصباح، فبدلا من أن يفيقك في وقت يكون فيه نومك عميقا، وبذلك تقوم من النوم وأنت منزعج، ينتظر حتى تخرج من النوم العميق فيفيقك المنبه، وهناك أيضا قراءة ضغط الدم، ترسل هذه المعلومات للآيفون وتقدم لك بشكل مناسب، وكذلك دقات القلب ترسل للآيفون، كل هذه الأشياء متوفرة في السوق الآن، إذن، فلذلك من البديهي أن تكون المجسات الأخرى متصلة بالهاتف النقال، حتى تحصل على المعلومات الطبية التي تحتاجها عن نفسك في أي وقت وأي مكان.

هذه نبذة بسيطة من الإمكانيات، وإن كانت هناك أنواع كثيرة من المجسات التي تستشعر المرض، أما من ناحية العلاج، تخيل معي أن بعد أن يتم تحديد المرض يقوم الجسم بمعالجة نفسه بنفسه، كيف؟ ما سأقوله الآن سيبدو وكأنه خيال علمي، ولكن حقيقة واقعية اليوم، وهو قائم في المختبرات، وتستطيع أن ترى بعض النماذج منه من خلال اللقطات التالية.

الطبيب والدواء كلاهما معك طوال الوقت

نجحت جامعة الإم آي تي من إعطاء الدواء لمرضى من خلال رقاقة كمبيوتر (Chip)، ما المشكلة بالضبط؟ الكثير من المرضى يحتاجون لأن يتعاطوا الدواء إما من خلال حبوب أو من خلال أبر، وهناك مشكلتان تواجه الكثير من الناس وخصوصا في الكبار في السن، المشكلة الأولى هي مشكلة النسيان، والمشكلة الثانية هي مشكلة إزعاج وخزة الإبرة والذهاب للمستشفى لأخذها من الممرض، نجح العلماء في إعطاء 20 جرعة من الدواء لـ 7 نساء بين العمر 65 و 70 سنة، أدخلوا هذا الجهاز إلى داخل الجسم تحت الحزام بعملية جراحية مدتها 30 دقيقة، الجهاز التجريبي يأتي بعرض إصبعين وطول عقلتي الإصبع، كلما حان موعد الدواء قام الجهاز بإذابة خليط من المعادن التي تغطي فتحة مجرى الدواء عن طريق شحنة كهربائية، فيصب الدواء مباشرة في الجسم، ولذلك لا حاجة للمريض أن يفكر في تعاطي الدواء هو بنفسه نهائيا، أضف لذلك لو أن الطبيب احتاج لأن يقدم جرعة مضاعفة فبإمكانه أن يرسل إشارة لاسلكية إلى الجهاز ويشغل الجهاز مباشرة، بالطبع هذه الفكرة تحتاج لأن يكون هناك أمان من أن يدخل هاكر إلى الجهاز من الكمبيوتر ويصدر أوامر لاسلكية ويزيد الجرعة ويقتل المريض، ولكن هذه لاشك ستكون من أولويات الأطباء، جربت الإم آي تي هذه التجربة على النساء لمدة 4 أشهر بلا أية مشاكل، وسيقومون بزيادة عدد الجرعات إلى 400 جرعة في الجهاز الواحد.

أما في ناسا، فقد قاموا باختراع طريقة أخرى أفضل من السابقة ولها مميزات مختلفة، فمن المشاكل التي تواجه رواد الفضاء هي مشكلة المرض، تخيل لو أن رائدا للفضاء أراد الذهاب إلى المريخ، وفي الطريق أصيب بوعكة، أو أصابته الإشعاعات، ولم يكن الطبيب متوفرا في تلك الأثناء، قد يمرض وقد يموت، وخصوصا أن بعض الإشعاعات الشمسية تنطلق بشكل عنيف، وهذه تؤثر على مناعة الرائد أو حتى نخاع العظام، لذلك قامت ناسا باختراع كبسولة صغيرة أصغر من حجم كبسولة الأدوية المتعارف عليها، صنعتها من أنابيب نانوية كربونية (Carbon Nano Tubes)، تزرع عدة كبسولات من هذه في الجسم وفي عدة نواحي على حسب الحاجة، ولكل منها دور معين، ما تفعله هذه الأدويه أنها حينما تتأثر بالحالة المرضية للرائد تتفتت مباشرة وتنشر الدواء في أنحاء الجسم أو إلى المكان المخصص للدواء، وكل كبسولة تتأثر بنوع معين من الأمراض، وتخدم غرضا معينا، وتبقى في الجسم بلا أي أثر ضار إلى أن يرجع رائد الفضاء إلى الأرض فيقوم الطبيب إبزالتها، سميت هذه الكبسولة بالبايوكابسول (Biocapsule) (توجه للرابط السابق لترى لقطة تشرح الفكرة)، وفي المستقبل سوف تستخدم هذه لمرضى السكري، وستاهم في امتصاص الإنسولين.

قطع الغيار البشري

تعاطي الأدوية بالطريقة هذه ربما يكون مناسبا لأدوية الروتينية وبعض أنواع الأمراض، ولكن ماذا أصيبت معدة أو كلية أو قلب أو عضو آخر بخلل لا يمكن إصلاحه؟ ماذا لو تهشمت العظام، ماذا عن الأنف أو الفك أو أي جزء من أجزاء جسمك؟ سيكون بإمكان الأطباء التبضع لهذه الأجزاء وعلى حسب ذوقك أو حاجتك، هذه الأعضاء يتم إنمائها في المختبر حاليا، ويتم طباعة بعضها أيضا، خذ على سبيل المثال أن في سنة 2007 قام العلماء بإنماء المثانة، وفي سنة 2009 قاموا بإنماء القصبة الهوائية، ويعمل العلماء حاليا على إنماء الكبد، الصعوبة في الكبد أنه يتكون من عدة أنسجة، وهو معقد جدا بالمقارنة مع القصبة الهوائية أو المثانة، ولكن لاشك أن هذا سيحدث في المستقبل الغير بعيد.

أضف لذلك الطابعة الثلاثية الأبعاد والتي تستطيع أن تطبع قطع غيار الجسم، نعم، وقد ذهب صديقي إلى طبيب الأسنان هنا في الكويت، وبعد أن صور له ضرسه من عدة جوانب قام الطبيب بطباعة ضرس جديد باستخدام طابعة ثلاثبة الأبعاد، كان يستمع لصوت الطابعة أثناء طباعتها (لم أر الطابعة بنفسي، ولذلك يخيل لي صوت الطابعة التي تطبع الأوراق)، قد تقول أن طباعة الضرس عملية سهلة، الضرس صغير وليس فيه تعقيد كبير. يصعب علي أن اتفق مع أحد يسهل مثل هذه الطباعة، ولكن لنرفع من مستوى التحدي.

قبل أيام استبدل الأطباء الفك السفلي لإمرأة عمرها 83 سنة بفك مطبوع باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد، وكانت هذه أول عمليه من هذا النوع، أصيبت بمرض في فكها ففسد، المشكلة أنه في عمرها هذا قد تضرها عملية التجميل، ولذلك قرر الأطباء أن يستبدلوا فكها بآخر مطبوع، قد تتصور طباعة الفك هي عملية سهلة، ولكن ليست كذلك، فلابد للأطباء من الاهتمام شكل الفك الصناعي حتى تتصل به العضلات بشكل سليم، وكذلك بالنسبة للأعصاب والأوردة، بعد أن صمموا الفك، وطبعوه باستخدام الطابعة التي تستخدم الليزر لصهر مسحوق مادة التايتينيوم (كل طبقة تنتجها الطابعة كانت بسماكة 1 مليمتر، وهذه صغيرة جدا، وكل 1 مليمترا يحتوي على 33 طبقة من التاتينيوم المصهور الذي تم تشكيله على شكل فكها)،  لم تستغرق منهم عملية الطباعة سوى ساعات، وزراعة الفك المطبوع في وجهها استغرق 4 ساعات، الجميل في ذلك كله أنها بعد أن أفاقت من المخدر استطاعت أن تنطق بمجموعة بسيطة من الكلمات، وفي اليوم التالي استطاعت أن تبتلع الطعام، وبعد 4 أيام رجعت إلى منزلها، الفك الصناعي أثقل من فكها السابق بقدر 107 جرام، وهذا يعادل ثلثي وزن الآيفون، وبعد شهر من الآن سيبدأ العلماء بتركيب اسنانها الصناعية.

Jaw part being covered with bioceramic coating

حتى الخلايا البشري يتم طباعتها الآن في المختبرات، قرأت قبل فترة طويلة أن طباعة خلايا الجسد تتم بطابعة تستخدم نفس النفاثات التي تنفث الحبر في الطابعة الورقية، فعلا، ليست هذه مبالغة، ولكن الخبر الجديد الآن يقول أن الطباعة تطورت بحيث يمكن الآن طباعة خلايا القلب والأوعية الدموية والعضلات، وأن هذه الخلايا تتفاعل مع بعضها كما تتفاعل الخلايا في الجسد، وسيبدأ العلماء في القريب استخدام هذه الخلايا المطبوعة للدراسة الأدوية عليها، فبدلا من حقن إنسان بالدواء لمعرفة المضار، يمكن حقن هذه الخلايا بالدواء وإقامة التجارب عليها، وبالتأكيد حينما تنضح هذه الطريقة ستطبع الكثير من الأعضاء ويتم زراعتها في الجسم.

إذن، طباعة قطع الغيار الإنسانية ستكون متوفرة في المستقبل بكل سهولة، تدخل عند الطبيب وتخرج بأعضاء جديدة إما جاهزة أو مطبوعة لتناسبك شخصيا، لاحظ أيضا أن الأطباء قاموا بهذه العملية على إمرأة في سن متقدم، وذلك يعني أن العمر البشري يطول أكثر فأكثر، وكلما اهترأ شيء في جسدك لسبب أو لآخر ستيم استبداله، وستكون أعضاء جسدك متوفرة بكل أنواعها.

Posted in Uncategorized | Leave a comment

السايوير وأفضل الأخبار العلمية لسنة 2011

السايوير وأفضل الأخبار العلمية لسنة 2011

speaker_icon disk
ipod

السايوير من البداية

عادة، حينما يكون هناك برنامج مثل برنامجي يقوم المقدم للبرنامج بتلخيص أهم ما جرى فيها خلال السنة الجارية في نهاية العام، بما أن هذه أول سنة سأقوم فيها بالتحدث عن النشاط في السنة الماضية سأشمل موضوعين رئيسيين، الأول هو أفضل مواضيع البودكاست لسنة 2011، وايضا سأتكلم عن أفضل 10 أخبار علمية لنفس السنة هذه، ولكن بما أن هذه أول مرة أصنع فيها بودكاست بهذا الطريقة سيكون الحديث عن البودكاست من البداية وستكون النظرة عامة عن الحلقات منذ البداية، وفي السنوات القادمة إن شاء الله سأتحدث عن سنة واحدة فقط.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

السايوير وأفضل الحلقات التي استمع لها أكثر الناس

أول حلقة للسايوير بودكاست نزلت كانت في 13/8/2009، وكانت الحلقة عن التليسكوب كيبلر، قررت أنه حينما أصنع أي بودكاست أن أكتب المحتوى قبل أن أسجل صوتي، بعض المستمعين لا يعلمون أنني أقرأ من على الشاشة ما قد جهزت له مسبقا، وإني أحول الكلمات باللغة العربية إلى حل وسط بين اللهجة الكويتية واللغة العربية، وأحيانا أنجح في انتقاء الكلمة على عجالة، وأحيانا أفشل في اللهجة وحتى في اللغة، أنا أعرف أن البعض يفضل أن أتكلم باللغة العربية، خصوصا من هم خارج نطاق الخليج، ولكن مشكلتي أنني لا أستطيع ضمان إعراب الكلمة بالشكل الصحيح، فقررت الهروب إلى الأسهل (وحتى هذه الحلقة، كتبتها أولا، ثم بدأت بقراءتها)، عموما، الكتابة مهمة جدا لترتيب وتنظيم الأفكار بشكل متسلسل.

في أول أسبوع لي بعد نشر أول بودكاست حصلت على 35 مستمع  (قياس عدد المستمعين يتم على مدى أسبوع كامل، كما هو متعارف في عالم البودكاست)، أذكر حينما صنعت أول بودكاست كنت أراجع الإنترنت عدة مرات كل يوم حتى أعرف إن نزّل البودكاست أحد، ولكن حتى بعد أن قمت بفتح عدة حسابات على منتديات ووضع موضوع السايوير على كل من تلك المنتديات للإعلان عنه إلا أنه لم يرتفع العدد كثيرا. كان هناك أخرون في الساحة، ولكن في تلك الأيام لم يكن هناك بودكاست عربي علمي وتكنولوجي واحد، كان هناك برنامج تكنولوجي واحد على الإنترنت فقط، فكان الطنين في أذني يقول لي أن هذا العدد غير منطقي، لابد أن الكثير من الناس تبحث عن برامج تقدم له العلم، فأين هم؟

عملت بودكاست بعد الآخر، ولكن التجارب لم تأت بنتيجة موفقة، الأعداد تزداد ولكنها تزداد ببطئ شديد، المشكلة في ذلك أنه لو أن الأعداد توقفت عن الازدياد لاتخذت القرار في أن أجتث البودكاست من جذوره وأرميه، ولو أنه ازداد في العدد بسرعة، لهانت الأمور أيضا، لأصبحت سعيد جدا لأن الصوت العلمي يصل لأعداد كبيرة، ولكن الوضوع الوسط جعلني مترددا، فتارة أتشجع وتارة أتحبط، أحيانا أقرر أن أهجر البودكاست، ولكني كنت أندفع حينما أفكر في موضوع علمي شيق أعتقد أنه مفيد للناس، فأرجع مرة أخرى لأصنع بودكاست جديد.

في الحقيقة إني أستمتع بنشر العلم، ويهمني جدا أن أنشر المعلومات الصحيحة على قدر الإمكان، لماذا؟ لأن هناك الكثير ممن يطرحون “العلم” بطريقة جذابة ويقومون بربطها بقضايا أخرى غير علمية بهدف التكسب، وهنا أقولها بصراحة، أن الكثير منهم لا يهمه أن تكون المعلومة التي ينشرها صحيحة أو خاطئة، ولا يهمه أن يضيف للمعلومات بهارات زائدة غير دقيقة فقط ليجذب الناس ويحصل على أكبر عدد ممكن من المتابعين (سواء على شاشات التلفزيون أو الراديو أو اليوتيوب أو ما أشبه)، البعض بحسن نية يغالط في المعلومات، والبعض الآخر يقوم بذلك بسوء نية، والأسوء من هذا أن أولئك الأشخاص لا يقومون بتصحيح أخطائهم حتى بعد اكتشافهم لها، وهذه مصيبة، ولذلك واحدة من أهدافي هي الاهتمام بصحة المعلومة على قدر الإمكان مع تصحيح الخطأ حينما أكتشفه، هذا يعطي للبودكاست مصداقية، والكثير من المستمعين أكدوا لي أنهم يطمئنون لسماع البودكاست لهذا السبب.

بعد أن بدأ البودكاست بعدد بسيط من الناس الآن يستمع له الآلاف من العالم العربي، بما في ذلك العرب الذين يعيشون في الكثير من الدول الغربية، لدي إحصائيات للبودكاستات وهذه الإحصائيات تبين أعداد الإنزلات للبودكاست من على الإنترت، أضف لذلك أن الكثير من الشباب – حسب ما ذكر لي في الإيميل – يسجل البودكاست على السي دي ويوزعها في منطقته لنشر العلم، وأنا شاكر لهم كثيرا هذا المجهود، لن أعلن عن الإحصائيات حتى تصل إلى حد يمكنني به أن أتحدى البودكاستات الإمريكية، فبعض البودكاستات الإمريكية أعداد مستمعيها تصل لمئات الآلاف أسبوعيا.

الآن أنا وصلت إلى الحلقة الـ 71، وفي هذه الحلقات مزجت بين المواضيع المختلفة حتى أصل إلى أكبر عدد من المستمعين باختلاف أذواقهم، ولكني أشعر أن هناك عدة نواقص، منها وفي مقدمتها حلقات عن البيئة، وهو موضوع مهم جدا، والعالم الآن يعاني من مشاكل التغيرات المناخية، وهناك نواقص في المواضيع الطبية والبيولوجية بشكل عام، وهذه تحتاج لشخص متخصص جدا، لذلك أحتاج لأطباء ومختصين للحديث في هذا المجال، هناك أيضا خلل في المقابلات، كلها إلى الآن رجالية، أحتاج لأن أطور من هذا الجانب ولأقابل شخصيات علمية نسائية، وهي موجودة، ولكني أحتاج أن أركز في بحثي عنهم المرات القادمة.

أما بالنسبة لأفضل 10 الحلقات وأكثرها إنزالا من الإنترنت حسب الإحصائيات فهي كالتالي (وتستطيع أن تقارن اختياراتك لأفضل الحلقات مع أذواق الناس):

10. نهاية العالم 2012

9. حقيقة الأشياء.

8. التصنيف والجماعات (علم الإجتماع).

7. لماذا نرى الأنماط

6. التكنولوجيا النانو: مقابلة مع الدكتور عبد الوهاب المسلم.

5. رحلة  مع الذرة عبر الزمن 2: مقابلة مع المهندس عايد العجمي.

4. التنافس الكبير: العقل البشري والذكاء الإصطناعي 2.

3. قراءة الأفكار وعرض مصور للأفكار (نهاية الخصوصية).

2. من العد إلى كون الرياضيات.

1. العالمون: الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة.

سألت المتابعين على الفيس بوك عن آرائهم في أفضل الحلقات وأيضا وصلتني رسائل بالإيميل مسبقا تمتدح بعض الحلقات، هناك تباين كبير في الآراء، ومن الصعب علي تقرير أي من الحلقات لها الوزن الأكبر في التفضيل، الكثير من المستمعين ذكروا لي من حلقات مفضلة لديهم وقد ذكرتها من ضمن العشر الأفضل (لن أعيد ذكرها مرة أخرى)، هناك حلقات أخرى لم تكن في القائمة السابقة أعجب بها الكثير، مثل حلقة التحكم بالأحلام، والنظرية النسبية الخاصة العامة، وحلقة الألغاز، وكذلك قصة هنرياتا لاكس العاطفية، والرجل المطر.

أكثر 10 دول استماعا للبودكاست هي السعودية وهي أكثر الدول استماعا بلا منزاع، ثم الولايات المتحدة الأمريكية والكويت ومصر والجزائر والمغرب والإمارات ثم العراق بريطانيا والبحرين، والاستماعات تصل من الشرق إلى الغرب بما في ذلك الصين والهند، ليصل إجمالي الدول المستعمة إلى 110 دول.

وصلتني رسائل عديدة من المستمعين سواء من خلال الإيميل أو الفيس بوك الذي وصل متابعوه إلى 46,000 معجب بالسايوير، وأيضا من خلال المدونة وصلتني رسائل وكذلك من خلال التعليقات على الآيتيونز، ولولا اهتمامكم بالسايوير بودكاست لما كان لهذه الحلقات أن تكمل مسيرتها، ودليل نجاح أي مشروع من هذا النوع يأتي من أصوات التفاعل من الناس، فأشكركم جميعا للاستماع للبودكاست وكذلك لنشر البودكاست ولإرسال رسائل طيبة مليئة بالمحبة  التشجيع.

هناك أيضا بعض المستمعين الخارقين، وأولئك ساهموا في نشر البودكاست والكتابة عنه ودعوة الناس لسماعه بحماس شديد جدا، بعضهم أعرفهم شخصيا، وبعضهم أصبح صديق والبعض لا أعرفه على المستوى الشخصي وإن كان يستحق المعرفة، من أولئك النشطين اخترت البعض لأشكره بطريقة خفية قد تخفى عن الكثير من المستمعين للسايوير، وهي أنني أذكر أسماءهم في قصة من القصص التي أؤلفها، لكني لا أذكر الإسم بالضبط بل أغير منه قليلا، فأتوج الحلقة باسم الشخص بطريقة غير مباشرة، هناك من الأسماء التي ستأتي لاحقا في القصص المستقبلية، أولئك لم أجد الفرصة لأشكرهم بعد، هناك عدة أسماء تضل تدور في ذهني وأنا مقصر في حقهم، وخصوصا أنهم من الذين ساهموا ليس فقط في نشر البودكاست بل أن مساهماتهم ونصائحهم أثرت في البودكاست بشكل مباشر وجعلته أفضل بكثير.

بعض التعليقات

عبد الرحمن السديس يقول على الفيس بوك: “… بعدما سمعت الحلقات التالية ادركت بعدا اخر للحياة والفلسفة والتفكير في الوجود ، حتى في نقاشاتي مع الزملاء اصبحت اكثر قوة وتشويقا…” يهمني جدا أن النقاشات ترتفع بين الشاباب.

ومن على المدونة تصل الكثير من التعليقات، وأود أن أشير إلى أن الكثير ممن يكتشف البودكاست يندم أنه لم يعرف عنه في السابق، ولذلك تجدوني دائما أنصح بنشر البودكاست، وذلك لأن الكثير حينما يكتشف وجود المادة العلمية يجد بديل مناسب للبرامج الأخرى. وهذه رسالة من م. عبد الرحمن من مصر من على المدونة: “الحقيقة أنا مبهور!!!!! رائع أخي الفاضل، مباشرة مدونتك المفضلة، لا أدري لماذا لم أسمع بك من قبل، وسأبدأ من الحلقة الأولى إنه شاء الله لأستفيد…

هناك الكثير الكثير من التعليقات التي فيها من المديح الذي لا يمكن لي أن أذكرها من غير أن ينتفخ رأسي بالتكبر، وبعضها يصل في المديح إلى درجات عالية جدا، ولكني أظل شاكر للشباب والشابات لإرسالهم لهذه الرسائل، هي التي تدفعني إلى الأمام.

كلمة أخيرة عن البودكاست، ونصيحة لكل من تسول له نفسه صناعة البودكاست، البودكاست ليس عن المقدم للبرنامج، البودكاست ليس عن شخصيته، البودكاست هو برنامج عن المستمعين، هو عن ما يهم المستمعين، أو بالأحرى عن أسئلة تهم المستمعين وإن لم يسألوها إلا ضمنيا، الكثير من البودكاستات الناجحة تجيب على هذه الأسئلة، وأنا أحاول أن أجيب عليها أيضا، ولذلك تجد أنك تنجذب كما ينجذب غيرك لهذه البودكاستات التي تتعرض للإجابة عليها، ما هي هذه الأسئلة يا ترى؟ إنها أسئلة مفصلية في حياتك.

من أين أتينا؟ ما هو المطلوب منا الآن؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ ربما تقول “فففففه” هذه الأسئلة تمت الإجابة عليها في الدين، نعم تمت الإجابة عليها في الأديان، وفي الفلسفة وفي الأساطير وفي العلوم، صحيح، قد تكون هناك أجابات صحيحة، وقد تكون هناك أجابات خاطئة، ولكن من الناحية العلمية هناك تفصيل طويل عريض في سرد الإجابة، قد لا تتعلق الإجابة في الناحية الروحية، ولكنها تجيب على النواحي المادية البحتة، وهذه أيضا لها سحرها الخاص، في محاولات لأجابة العلم على هذه الأسئلة تُطرح نظرية الإنفجار العظيم وبدايات تكون الكون، وتطرح فكرة اتساع الكون، ويُفصل في المكونات الأساسية لهذا الكون بما في ذلك مكوناتك أنت المادية، ويفصل فيها تفصيلا كبيرا، ثم يتحدث العلم عن تكون الأرض وتطورها على مر السنين، ذلك هو الماضي، ثم ننتقل للإنسان ووجوده مع باقي المخلوقات، وأيضا علاقة الإنسان بالإنسان، وعلاقة الإنسان بنفسه، كيف يفكر الإنسان؟ وكيف يعمل عقله؟ وما هي حقيقة تلك الأشياء من حوله؟ ثم يفكر في تعمير الأرض والنظر إلى السماء والتأمل فيها، والبحث عن حياة ذكية شبية به، ثم ينظر للمستقبل، كيف سنكون نحن في المستقبل؟ هل سنتحول إلى سايبورجات (خليط بين البيولوجيا والإلكترونيات) هل ستتغلب علينا الكمبيوترات؟ هل سنغزوا الكواكب والمجرات وننشئ إمبراطوريات كونية؟ إلى أي مدى يمكننا أن نصل؟

لذلك إذا كنت تفكر في صناعة بودكاست فكر في سبب صناعة الحلقة، لماذا هي مهمة بالنسبة لي كإنسان؟ حتى لو كانت الأهمية بسيطة، عندها تكفي هذه الفكرة لصناعة حلقة، ربما لم أوفق في كل الحلقة لتكون الحلقة مهمة بالنسبة لنا كبشر، ولكن بالتأكيد هذه النصيحة لم تأت من تجربتي فحسب، بل من الكثير من التجارب التي قرأتها في الكثير من الكتب.

أقوى وأهم الأخبار العلمية والتكنولوجية لسنة 2011

بحثت على الإنترنت عن أقوى وأكبر أخبار العلمية التكنولوجية، المواقع تختلف اختلافا بسيطا في الأخبار أو في ترتيبها، أنا قمت بعمل مزج على حسب قراءتي للأخبار على مدى السنة الماضية، وعلى حسب قوة انتشار الخبر، لا أختلف كثيرا في الترتيب وانتقاء الأخبار، سأقدم الأخبار بشكل تنازلي، من العاشر إلى الأول في مستوى قوة الخبر وانتشاره.

10. ما لا تعرفه هو أن هناك العشرات الآلاف من الناس يقومون بطباعة الأشياء باستخدام طابعة جديدة قد تصل إليك في المستقبل القريب، هذه الطابعة هي الطابعة الثلاثية الأبعاد، الكثير من المواقع تحدثت ونشرت أخبارا عن هذه الطابعة، وكما هو واضح أن الطابعة هذه بدأت بالانتقال من الشركات الخاصة إلى أيدي عامة الناس، أحد الأصدقاء أخبرني أنه دخل على طبيب الأسنان لإصلاح إحدى أسنانه، فطبع له الطبيب ضرسا جديدا باستخدام آلة طابعة ثلاثية الأبعاد، ثم ركب الضرس في فمه، وهذا بصراحة إنجاز كبير، بالتأكيد أن طابعة مثل تلك مكلفة، ولكن الطابعات الثلاثية الأبعاد الحالية رخيصة وابتدائية، ليس ذلك فحسب، بل إن الأكبر من ذلك أن الطابعة التي تطبع أي شكل ثلاثي الأبعاد بإمكانها طباعة نسخة من نفسها، وهذا فعلا ما يقوم به بعض المستخدمين، حيث يطبعون القطع المختلفة التي تكوّن الطابعة، ثم يقومون بتركيب طابعة جديدة، لكن إن لم ترد أن تشتري طابعة ثلاثية الأبعاد وتود أن تطبع شيئا تستطيع رسم رسمة ثلاثية الأبعاد، ثم ترسلها على الإنترنت لشركات معينة، وبمجرد إرسال الصورة تقوم الشركة بطباعتها وإرسالها لك خلال 10 أيام.

9. استخراج الصور التي تراها من داخل المخ، استطاع العلماء أن يتنزعوا الصور لمشاهد تراها بعينيك، ينتزعونها من المخ باستخدام تصوير لتدفق الدم في المخ، الفكرة لا تعتمد على فتح المخ، كل ما هنالك أن المخ  يُصوَّر باستخدام الإف الإمي آر آي (fMRI) أثناء مشاهدة الشخص للقطات، صور الإم آر آي هذه تحتوي على حركة تدفق الدم في منطقة من مناطق المخ المرتبطة في العين، ثم باستخدام نموذج للمخ يقوم الكمبيوتر بتركيب صور متحركة تتاشبه مع الصور التي رآها الشخص بناءا على تحليل حركة الدم، الصور التي انتزعها العلماء من المخ لم تكن دقيقة، ولكنها تكفي لتُوقف شعر جلدك، هذه بداية الطريق، ومع تحسين الإف إم آر آي والتحاليل الكمبيوترية، سيتمكن العلماء من أن يشاهدوا أفكار الشخص في المستقبل مع أحلامه، وذلك اقتحام للخصوصية التي لطالما تمتع بها الإنسان.

8. رحلة للمريخ لاكتشاف ما إذا كانت هناك أي دلائل لحياة سابقة ميكروبية ابتدائية على سطح المريخ، بعثت ناسا مركبة فضائية وهذه المركبة اسمها كيوريوسيتي (Curiosity)  أو الفضول، ستبحث المركبة عن الماء أيضا، جهزت المركبة بعشر أجهزة تمكنها من التمحيص في التربة وأخذ عينات منها وتحليلها في مختبر مصغر، المركبة هذه كبيرة جدا في الحجم، وربما لو تشاهد الصور فلن تسعفك لمعرفة حجمها الحقيقي، إلى أن تقارنها بإنسان يقف بجانبها، حجمها يصل إلى حجم سيارة رباعي الدفع، ولها ستة عجلات، وتستطيع الدوران 360 درجة وهي في مكانها، وبإمكانها أيضا الصعود على تلال حادة الإنحدار. انطلقت المركبة في شهر نوفمبر (2011) وستهبط المركبة على المريخ في شهر 8/2012. ذلك سيكون يوما رائعا أنتظره بتلهف وشوق.

7. وفاة الأسطورة ستيف جوبز في عالم التكنولوجيا، العالم كله تأثر لفقدان الرجل الذي قفز على سرير التكنولوجيا ليوقض النائمين عليه، كان له تأثيرا ساحرا في إيصال المنتوج التكنولوجي للعالم، حتى كان يقال أن لديه المجال المحرف أو المشوه (Distortion Field) (كما في يقال في الأفلام الخيالية)، فكلما خرج على المسرح ليتحدث عن تكنولوجيا جديدة أفقد الحضور توازنهم، له تأثيرات كبيرة في عدة مجالات، منها الرسوم المتحركة الثلاثية الأبعاد، ومنها شركة أبل ومنتوجاتها التي غيرت بوصلة الشركات الأخرى، لم يكن ذلك فحسب، بل كان يتدخل في تفاصيل كل شيء يتم صناعته، حتى يضمن أن يكون ذلك الشيء في أحسن أحواله، فقدم لنا منتوجات إلكترونية مثل الآيفون الآيبود الآيباد والماك والآيتيونز.

6. واتسون يتغلب على البشر في مسابقة الجيبردي: يبدو أن عصر الكمبيوتر المتفوق على الإنسان قريب، الخطوات في تسارع، والكمبيوترات لا تكل ولا تمل، والإنسان يطورها بلا أي تردد، الآلات تستطيع أن تمشي على أربع، وعلى رجلين حالها حال الإنسان، التطورات هائلة في جعْل الكمبيوتر يميّز الأشياء، والتطورات في الذكاء الاصطناعي ليس لها مثيل، والأكبر قادم، ولكن في الخطوة الحالية للقضاء على البشر نجد أن شركة آي بي إم صنعت كمبيوترا يضاهي الإنسان في حل الألغاز في المسابقة الشهيرة  الجيبردي، وقد تغلب على أقوى لاعبي هذه اللعبة، وبعد هذا الفوز الساحق بدأت شركة الآي بي إم في تحويله إلى مشخص لأمراض، وفي المستقبل ربما سيكون هناك شيء شبيه بمحرك البحث جوجل، وستتمكن من إدخال حالتك الصحية وسيجيب عليك الكمبيوتر بدقة أكبر من دقة الطبيب في تشخيص المرض، وبعدها ربما يأتي اليوم الذي نطرح سؤالا فقهيا، ويجيب عليه الكمبيوتر، لقد تحدثت عن موضوع واتسون في حلقة الصراع ما بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي، وسأتناول في الحلقة الأخيرة أشياء قد تصدمك عن التطورات في هذه المجال مما سيدعوك للنظر في قدرات الإنسان وفي تفوق الكمبيوتر المستقبلي، كل ذلك سيهزك من الأعماق. أما الآن فنحن نستمتع بقدرة الكمبيوتر على تحطيم قدرات الإنسان واحدة بواحدة.

5. الهيجز بوزن، وإن لم يكن هناك تأكيد على أن الجسيم الذي يتسبب بإعطاء الأشياء كتلها اكتشف، إلا أن العلماء في سيرن (CERN) كشفوا عن احتمال كبير لوجوده في الطبيعة، كلف المصادم الهدروني الكبير حوالي 10 مليارات دولار، وواحدة من أهدافه الكبرى هو الكشف عن وجود أو عدم وجود هذ الجسيم، والهيجز بوزون إنما هو آخر حلقة مفقودة في النوذج المعياري (Standard Model). نظرية النموذج المعياري تتنبأ بوجود مثل هذا الجسيم. سننتظر إلى ربما منتصف السنة القادمة لنعرف النتائج الكاملة، عندها سيؤكد أو ينفي العلماء وجود هذا الجسيم المهم.

4. من أكثر المواضيع العلمية تكرارا في الأخبار هي مواضيع اكتشافات لكواكب شبيهة بالأرض، أنا شخصيا أتابع هذا الموضوع بحماس لأهميته. بالرغم من أننا نعيش على أرض واسعة، وفيها 7,000,000,000 شخص إلا أننا لا نزال نحس بالوحدة، هل الإنسان فريد من نوعه في الكون أم أنه فصيلة من فصائل فضائية تعيش على كواكب أخرى؟ يحاول العلماء الإجابة على هذا السؤال من خلال البحث عن كواكب شبيهة بالأرض، المشكلة في ذلك أن رؤية تلك الكواكب باستخدام المناظير التي تعتمد على العدسات مستحيل، وذلك لبعد الكواكب هذه عن الأرض، فتخيل أن أقرب نجم للأرض بعد الشمس هو آلفا سانتوري (على حد ذاكرتي)، وهو يبعد عنا بقدر 4.3 سنة ضوئية، ولا أعتقد أن تلك النقطة تحتوي على كواكب، ولكن باستخدام التليسكوب كبلر والذي أطلقه العلماء في شهر 3 من سنة 2009 استطاع العلماء رؤية الكثير من الكواكب، وقد قمت بعمل أول بودكاست لي عن  هذا التليسكوب حينما أعلن العلماء اكتشاف أول كوكب لهم باستخدامه. وحتى يومنا هذا اكتشف العلماء 2326 كوكب مرشح (أي أنه يعتقد أنه كوكب ولكن يم يتم التأكد منه 100%) من تلك الكواكب المرشحة  أكد العلماء على أن 33 منها هي كواكب بالتأكيد، ذكرت في السابق أن هناك 200 مليار – 400 مليار نجمة في مجرتنا فقط، وقرأت خبرا قبل فترة أن العلماء اكتشفوا أن هناك عددا من الكواكب العائمة (باردة غير مرتبطة بنجم وتنجرف في الفضاء لوحدها) وعددها يصل إلى عدد النجوم في السماء أي 200-400 مليار كوكب، أما ما يبحث عنه العلماء هو الكواكب التي تدور حول نجوم، وهذه كثيرة أيضا، وإذا ما وجدوا كواكب تبعد عن نجومها بقدر ما تبعد الأرض عن الشمس وتتصف بصفات الأرض، فقد يعني ذلك أن الحياة عليها شبه مؤكدة، ولن يبقى سوى محاولة التواصل معها. أشبه كوكب بالأرض وجده العلماء كتلته ما بين 0.66 إلى 3.04 بالمقارنة مع كتلة الأرض، وله قطر يعادل 1.034 لقطر الأرض ودرجة حرارة سطحة كبيرة، وهي 431 درجة مئوية، ويدور حول النجم في سنة مدتها 19.5 يوم، يسمى ذلك الكوكب بـ Kepler-20f، ويبعد عنا بحوالي 950 سنة ضويئة.

3. نيوترينوز أسرع من الضوء: صدر هذا الخبر الذي قلب العالم العلمي بأكمله رأسا على عقب، لم تبق هناك جريدة علمية لم تتحدث عن هذا الموضوع بحماس، وتكاتف العلماء على فهم هذه المشكلة ووضع حلول لتفادي قبول جسيم يسير بسرعة أسرع من الضوء، وصدرت عدة نكات تسخر من فكرة أن النيوترينو أسرع من الضوء.
الخبر غريب، المعروف أن سرعة الضوء هي حوالي 300,000 كيلومتر في الثانية، اكتشف العلماء في سيرن بعد عدة اختبارات وعلى مدى سنوات أن النيوترينو حينما أطلق مسافة 720 كم بين نقطتين في الأرض أنه يصل قبل الضوء بقدر 60 جزء من مليار من الثانية قبل وصول الضوء، ذلك يعني أن أحد الأعمدة الأساسية في الفيزياء يتحطم، فلا تصبح سرعة الضوء هي السرعة القصوى في الكون، ويترتب على ذلك إعادة النظر في الكثير من القضايا الفيزيائية التي تعتمد على فكرة الحدود العليا لسرعة الضوء. قام العلماء في سيرن بإعادة التجربة بشكل أدق، خصوصا بعد أن نال منها العلماء ومحصوا في الورقة العلمية وأثخنوا فيها الجراح، والتجربة الثانية بينت أن النتائج لم تتغير، بل لا تزال تبين التجربة أن النيوترينو أسرع من الضوء. لم ييأس العلماء من الرد على هذه التجربة، والنظرة العامة لهذه التجربة المذهلة هي أن لابد أن فيها خطأ، وأنه لا يمكن أن يكون هناك شيء يسير بسرعة أسرع من الضوء.

2. ومن أكبر الأخبار العلمية التي أثارت موجة من الخوف هو خبر المفاعل النووي الياباني في فوكوشيما، كارثة هائلة حلت باليابان وأهاليها، فبسبب موجة من التسونامي تسبب فيها زلزال قدره 9.0 على مقياس ريختر تعطل النووي الياباني، وتعطُّل المحطة النووية لا يعني توقفها، على العكس من الأجهزة الكهربائية أو الميكانيكية التي حينما تتعطل فإنها تتوقف، فالمحطة النووية حينما تتعطل ترتفع درجة الحرارة فيها إلى درجات عليا، وذلك بسبب توقف التبريد أثناء استمرار التفاعلات النووية الحارة جدا، تصل درجات الحرارة إلى مستويات يذوب فيها لب المفاعل النووي، وينفجر، ثم تنطلق إنبعاثات مدمرة مشعة سامة قاتلة في الأجواء، مما يحول منطقة مأهولة بالسكان إلى منطقة محظورة لآلاف السنين. فخذ على سبيل المثال، تشيرنوبل قبل 25 سنة، لا تزال المنطقة المحيطة بها محظورة، لا يدخلها إلا المتهور. حادثة فوكوشيما تركت أثرا سلبيا في الكثير من الدول المتطورة، فقررت ألمانيا والسويس أن تبدآن بإلغاء تدريجي للمفاعلات النووية.

1. الفيس بوك والتويتير يساهمان في الربيع العربي، أكثر الأخبار تناولا بشكل يومي وإلى يومنا هذا هو خبر الثورات في العالم العربي، وبغض النظر عن الأسباب الأساسية التي أدت لهذه الثورات إلا أنها لم يكن بإمكانها النجاح بهذه الدرجة لولا وجود مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك والتيويتر، ولذلك حكومات الكثير من الدول التي تحركت فيها الجماهير حاولت بشتى الطرق منع الناس من الدخول على الإنترنت والتواصل، الباحثين في جامعة واشنطن في سياتل (Unversity of Washington Seatle) حللوا ملايين التويتات واكتشفوا أن النشاط المصرى في التويتر ازداد مئة مرة قبل الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك. وأتذكر أن الكثير من التحركات على هذه الشبكات كانت تبدأ بالاتفاق على التحرك من خلال موقع ينشأ خصيصا لها، وفي المقابل واللافت للانتباه أنه اُستغلت هذه الشبكات أيضا للوقوف ضد بعض الثوارت ولتثبيطها وتخويف المتظاهرين فيها في بعض الدول أيضا.

 كل عام وأنتم بخير.

Posted in Uncategorized | 12 Comments

من العد إلى كون الرياضيات

من العد إلى كون الرياضيات

speaker_icon disk
ipod

ربما لعبت لعبة الآنجري بيردز (Angry Birds) الشهيرة. تلاحظ أنك حينما تقذف بالطائر باستخدام المقلاع على حصن الخنازير فإنه يطير على شكل مقذوفة بمسار فيزيائي يماثل ذلك الذي تراه حينما ترمي بحجر بعيدا عنك (للذين لا يعرفون الآنجري بيردز – ولو أنني اجد أن ذلك مستحيلا، وخصوصا أن للعبة هذه انتشار لم يسبق له مثيل، هذه اللعبة متوفرة على معظم الهواتف النقالة وأجهزة الألعاب المختلفة، وفكرة اللعبة تتلخص في أن خنازير سرقت بيض لطيور وهربت فتحصنت في قلاع من خشب وإسمنت وما شابه، غضبت الطيور مما فعله الخنازير فقرروا الانتقام، يقوم اللاعب بقذف الطيور على حصون الخنازير عن طريق مقلاع، ويحتاج لأن يعيّر الاتجاه حتى يصيب بالطائر المكان الصحيح فتسقط الجدران على الخنازير ويحصل الطيور على انتقامهم). نعود للفكرة، أنت حينما تلعب هذه اللعبة تلاحظ أنها تقوم على قواعد فيزيائية، فانطلاق الطير من المقلاع، وطيرانه، واصطدامه في الجدارن، وسقوط الجدران وتصادم الأشياء مع بعضها شيء مألوف، أي أن هذه الأمور ليست بغريبة عليك حيث أنك تتوقع لو أن الأشياء في الطبيعة تساقطت لعملت بنفس الإجراءات الفيزيائية الطبيعية، فالأشياء تسقط على بعضها بفعل الجاذبية، ولكل فعل رد فعل يعاكسه في الاتجاه ويساويه في القوة، وهكذا، أنت لا تتوقع أنه حينما تلعب اللعبة ويصطدم الطير في جدار أن يطير السقف إلى الأعلى، لماذا لأنه ببساطة لا ترى ذلك في الطبيعة، ولو حدث ذلك في اللعبة ستجد نفسك في حيرة – إلى أن تقبل أن للعبة قواعدا تختلف عما تعرفه، وبناءا عليه تعوّد نفسك على القواعد الجديدة.

طيب، كيف تمكن المبرمجين من أن يماثلوا الطبيعة في هذه اللعبة؟ لا بل في الكثير من الألعاب والأفلام الثلاثية الأبعاد يتم تمثيل الطبيعة، فكيف تمكنوا من ذلك؟ بكل بساطة: المبرمجين استطاعوا مماثلة الطبيعة باستخدام قوانين رياضية تصف الطبيعة بشكل دقيق جدا، فالمقذوفات لها قوانين تتابع حركتها بشكل دقيق (ولذلك تستخدم هذه القوانين في الدبابات لإطلاق القذائف، مثلا)، وتساقط الجدران لها قوانين رياضية، وتصادمها أيضا، وهكذا الكثير مما تراه على الشاشة الكميبوتر والآجهزة النقالة من ألعاب يعتمد بالدرجة الأولى على القوانين الرياضية، هذه القوانين مستقاة من الطبيعة، الطبيعة هكذا تعمل، وهي تعمل بطريقة يمكننا نصفها بقوانين رياضية دقيقة إلى حد كبير جدا، بهذه القوانين نستطيع أن نكون قوانين رياضية أخرى، ومنها نكتشف أنها هي أيضا تنطبق على الطبيعة.

يتساءل البعض: لماذا تتطابق الرياضيات مع الطبيعة؟ كيف لها أن تفسر كيف تعمل الأشياء؟ ها هي الرياضيات تستخدم في جميع المجالات، من الفيزياء والهندسة والفلك والطب والكيمياء والأحياء وعلم النفس والفن، هل الرياضيات مخترعة أم أنها مكتشفة؟ هل الرياضيات صفة للطبيعة أو الكون أم أنها هي الطبيعة أو الكون؟ سأبدأ الحلقة هذه برحلة في عمق التاريخ البشري من حيث بدأ تسجيل العد – على حد علم علماء الأحافير، وأنتهي إلى كون هو في بنيته الأصولية الرياضيات المجردة.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

الإنسان الأول يعد

أقدم اكتشاف اكتشفه علماء الحفريات والذي يدعم فكرة عد الإنسان هي قطعة عظم الشظية من رِجل قرد البابون، ذلك العظم الموجود في الساق، على ذلك العظم – والذي طوله 7.7 سم  – خُدش 29 خطا واضحا، واستدل العلماء على أن هذه الخطوط تدل على أن الإنسان الأول علم بهذه العلامات كدليل لعدد الأيام، واستخدمت العظمة كرزنامة كما نحن اليوم نستخدم الرزنامات لمعرفة تاريخ اليوم أو أي من أيام الأسبوع اليوم، عمر هذه العظمة -عظمة الليبموبو (Lebombo) – هو 35,000 سنة، ووجدت في كهف بوردر في جبال ليمومبو بين جنوب أفريقيا وسوازيلاند، ويذكر كيث ديفلين (Keith Devlin) صاحب الكتاب “رجل الأرقام: ثورة فيبوناتشي الحسابية” (The Man of Numbers: Fibonacci’s Arithmetic Revolution) أن هذه الطريقة كانت أيضا تستخدمها النساء في القديم لحساب الدورة الشهرية، حيث كانت النساء يخدشن العظام أو الصخور لعد الأيام.

lembobo pic

هناك أيضا عظام إشانجو (Ishango)، والتي أُلصق على نهايتها قطعة من كريستال الكوارتز (غريب)، أيضا خط عليها عدد من الخطوط، ويعتقد أن الهدف من هذه الخطوط هو حساب ستة أشهر قمرية من السنة، خطت تلك الخطوط على على شكل حزم بجانب بعضها البعض، وفيها مضاعفات لأعداد، وفيها الأعداد الفردية، (9، 11، 13، 17، 19, 21)، وفيها أيضا الأعداد الأولية (11، 13، 17، 19) وباستخدام هذه الأرقام يعتقد أنه كان بإمكان البشر في ذلك الوقت أن يقوموا بعمليات حسابية بسيطة، بما في ذلك حساب الأشهر القمرية.

File:Accountancy clay envelope Louvre Sb1932.jpg

بعد ذلك وقبل حوالي 8000 سنة في سومر، كان الناس يعدون الخراف باستخدام قطع طينية، كل منها رسم عليه الرمز +، فعند حساب عدد من الخراف توضع هذه القطع من الطين في حاوية كروية للحفاظ على عد الخراف، فتخيل على سبيل المثال لو أراد الراعي أن يعيد أغنامه من الحظيرة، كيف سيعرف أن واحدة أو أكثر من هذه الخراف لم تنقص؟ ربما تقول: “بكل بساطة يعد كم هي، ثم يحفظ الرقم أو يسجله على ورقة، أو على جلد أو حتى صخرة، ثم يعيد عدها مرة أخرى حينما يريد إرجاعها إلى الحظيرة، فإن اختلف الرقمين علم بالنقصان” الأمر ليس بهذه البساطة، فالرموز التي نستخدمها اليوم (0، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9) لم تكن موجودة في تلك الأيام، فلا يمكن للراعي أن يكتب الرقم 45 إذا ما كان لديه 45 خروف. لذلك فهو يستخدم القطع الطينية للعد، فحينما يخرج الخراف من الحظيرة يخرج عددا من القطع يساوي الخراف، وحينما يعيدها يعيد في الحاوية القطع من الطين التي علم عليها بعلامة +، فلو أدخل الخراف كلها واكتشف أن قطعة من الطين بقيت في يده، فقد يكون الذئب قد انقض على واحدة من خرافه، ولتسهيل العد، بدلا من استخدام 45 قطعة لعد 45 خروف، كانت هناك قطع ترمز للعشرة،   فتستخدم 4 قطع من التي ترمز للـ 10، وخمسة من التي ترمز للـ 1.

نقطة جميلة هنا لابد من ذكرها: لو أن شيئا مهما قد تم عده باستخدام القطع الطينية في ذلك الوقت، ستوضع هذه في حاوية طينية كروية ثم تغلق هذه الحاوية ويرسم عليها رموز معينة تدل على عدد القطع الموجودة بداخل الإناء وتحمى على النار لتجف، إذا ما حدث وأن شك أحدهم بالعدد بإمكانهم كسر هذه الحاوية للتأكد من عدد هذه القطع، وبذلك يصبح هناك نوع من الضمان، ولكن لاحظ الفكرة الجملية هنا، وهو أن هذه الحاويات في معظما لم تكسر، لماذا؟ لأنه وبكل بساطة، الرموز التي رسمت على الحاوية كانت تدل على الرقم الذي بالداخل، فلا حاجة لهم لكسر الحاوية والعد، فأصبحت هذه الرموز تمثل الأعداد، كما لو أنك اليوم ترسم الشكل 2، وتقول أن هذا الشكل يرمز لشيئين أي كان جنسهما.

تستوقفني هذه الصور القديمة من العد لمقارنتها مع ما نقوم به نحن اليوم من حسابات تفوق الوصف، سواء من خلال الرياضيات المعقدة المجردة إلى العد الهائل الذي نقوم به باستخدام الكمبيوتر، يا له من فارق شاسع بين تلك الأيام وبين أيامنا، وإذا ما رميت ببصيرتك إلى المستقبل القريب (لتعجل التطورات) لأحسست بأن ما سيأتي سيكون أكبر بكثير مما نعرفه الآن بكثير.

الحيوان والعد

الإنسان الأول كان يعد بشكل بدائي جدا، وهو يفتقر إلى أبسط نظم العد الحديثة، ولكن هل يتميز الإنسان بالعد عن باقي المخلوقات؟ أم أن المخلوقات الأخرى أيضا لديها القدرة على العد وإن لم تكن متقدمة بنفس القدر؟ الكثير من الحيوانات لديها القدرة على العد، ولكنها تتفاوت في قدراتها، ولكن للعد أهمية كبرى في حياة الحيوان، سواء أكان ذلك للطعام أو للدفاع، ويمكن أيضا بقليل من التدريب أن تُطوَّر قدرة بعض الحيوانات على العد.

واحدة من التجارب التي أجريت على قرود الريسوس لاختبار قدرتهم على العد هي كالتالي، توضع أمام قرد قطعة من الباذنجان، ثم تنزل ستارة صغيرة أمام الباذنجان لتغطيته عن نظر القرد، بعد ذلك يأتي المُختبِر بقطة أخرى من الباذنجان، ويضعها خلف الستارة بمرأى من القرد، حينما يرى القرد هذه العملية يتوقع أن لو ترفع الستارة أن يجد حبيتن من الباذنجان، أليس كذلك؟ بالطبع حينما يزال الستار ينظر القرد إلى القطعتين لمدة ثانية واحدة، أي أنه كان يتوقع النتيجة 1 + 1 = 2، فلا يستغرق طويلا للنظر إلى أمر طبيعي.

بعد ذلك يقوم المختبر بنفس الحركة، فيضع باذنجانة ثم يغطيها، ثم يضع باذنجانة أخرى بمرأى من القرد خلف الستارة، ولكن هنا يقوم بخدعة، حيث أنه المُختبر يقوم بإضافة باذنجانة أخرى بطريقة خفية لا يلاحظها القرد، ليصبح العدد  3 باذنجانات، هذه المرة القرد لم يرى الإضافة تحدث أمامه، ثم ترفع الستارة، القرد هنا يتوقع أن يكون عدد الباذنجان 2، ولكنه يكتشف أن عددها 3 باذنجانات، كيف؟ بسبب هذا التناقض الحسابي، يبقى القرد مراقبا للباذنجان لمدة 3 أو 4 ثوان أي لمدة أطول بكثير من الحالة التي يكون فيها الحساب صحيحا.

هذه التجربة أقيمت على الأطفال الرضع أيضا، وبينت التجارب أنهم لديهم نفس الإحساس حينما تحدث نفس الخدعة، حيث أن لديهم بعض التوقعات الحسابية التي تجعلهم يتفاجؤون بنقصان أو زيادة العدد. أقامت هذه التجربة كارين وين (Karen Wynn) العالمة في علم النفس التنموي من جامعة ييل (Yale Univerisy)، هذه التجارب بينت أن الأطفال لديهم القدرة على الجمع والطرح على أعداد بسيطة.

وكذلك تجربة أخرى على القرود تبين أنهم حنيما يقدم لهم طبقان من الفاكهة، وفي واحد من الطبيقين عدد أكبر من الفاكهة فإن القرد يختار الأكثر، ولكن التمميز بين العددين يقل كلما كبر العدد، أي أن القرد يستطيع أن يميز بين طبقين يحتوي على ثلاث تفاحات في مقابل تفاحتين (أو ثلاث مقابل واحدة)، ولكن لا يتسطيع القرد أن يميز بين 4 و 5 تفاحات، ولكنه يستطيع أن يميز 5 في مقابل 3 تفاحات، لماذا يحتاج القرد لعرفة الأرقام؟ لسبب بسيط، وهو لإطعام ليغطي حاجته من الطعام، فهو يحتاج للأكثر. كذلك الفئران والحمام والطير الروبن وصغار الدجاج وحتى النمل لهم القدرة على العد كما بينت التجارب، أضف لذلك أنه بعد تدريب بعضها على العد تتحسن قدرتها بشكل ملحوظ.

الأطفال والحيوانات ربما تتشابهون في بعض أساليب العد البدائية، والتي تعتبر فطرية، فلا حاجة لأن يتم تمثيل الأرقام بعلامات ذهنية معينة، بل نحن جميعا نعدها بطريقة مباشرة بلا أدنى تفكير، جرب هذه التجربة مع أحد أصدقائك حتى تعرف أن هذا النوع من العد الأتوماتيكي موجود لديه، امسك بروقة – ومن غير أن تُري صديقك ما ترسم عليها – ارسم عدد من النقاط (بين 1 و6) وقبل أن تري صديقك الورقة أخبره أنه سيرى نقاطا على الورقة، وأن المطلوب منه أن يخبرك بعدد النقاط من غير أي يعدها (أي من غير أن ينظر لها واحدة واحدة، ويعدها واحدة واحدة، بل بنظرة خاطفة جماعية لكل النقاط يخبرك بعددها)، ثم أره الورقة للحظة بسيطة وأخفها عنه، واسأله عن عدد النقاط، ستكتشف أنه سيخبرك عن عددها من غير العد، هذه صفة فطرية في الإنسان.

نحن والحيوانات نتشابه في هذه الخاصية، ولكن ما إن يكبر الطفل حتى يتفوق على الحيوان ويتعداه بمراحل ومراحل، حيث لا يمكن للحيوان العد الرمزي ولا يمكن للحيوان أن يجمع الرموز لتكوين الأرقام الكبيرة، ولا يمكن له أن يجمع أو يطرح أو يضرب أو يقسم أو يجرد الأرقام، الفروقات تتضح حينما ترى ما توصل إليه الإنسان بسبب قدرته على العد من نتاجات علمية وهندسية وعمرانية هائلة تقزم مجموع كل ما يقوم به الحيوان (إن صحت المقارنة، أحس بالخجل لأنني أقارن بين الإثنين، حيث لا وجه للمقارنة).

الهند، العالم الإسلامي، أوربا

ظهرت الرموز التي ترمز إلى الأعداد العشرة والتي نستخدمها اليوم بداية في الهند بحوالي سنة 700 م، بما في ذلك الصفر (أنا أعرف أن هناك معلومات عامة نتناقلها في ما بيينا أن العرب أو المسلمين هم مخترعي الصفر، ولكني من خلال قراءاتي لم أجد أحدا من المؤرخين يقول بهذا الشي)، لماذا استخدم العد العشري (0-9) بدلا من أي عد آخر (كمثال العد الثماني أو الثلاثي أو الثنائي أو السادس عشري أو ما أشبه) قد يعود السبب في ذلك إلى عدد الأصابع العشر في اليد، وخصوصا أن اليد تستخدم للحساب، فرُمِز لعشرة أعداد فقط (الكمبيوتر اليوم يستخدم العد الثائي – Binary – أي أنه يستخدم العد باستخدام الصفر والواحد في كل عملياته الرياضية في الداخل).

ماذا فعل الهنود بحيث طوروا من الحساب؟ لقد قاموا بعمليتين مهمتين.

1. جعلوا موقع الرمز في العدد له أهميته، يعني أنك حنيما تكتب الرقم 345، فأنت بذلك تعني أن الثلاثة التي هي في الجانب الأيسر تعني 300، والأربعة في الوسط تعني 40 والخمسة على أنها 5، قد يتبادر إلى ذهنك أن ذلك بديهي، فما هو البديل لذلك؟ بأي طريقة يمكن لك أن تكتب الأرقام من غير الاهتمام بمواقع الرموز ومن غير أن تحصل لخبطة؟ تسطيع أن تفعل ذلك باستخدام الأرقام الرومانية، فخذ على سبيل المثال الرقم III وهو 3، في هذه الطريقة لا يهمنا في أي موقع كانت كل من الرموز I، من الممكن الحصول على النتيجة عن طريق جمع الرموز I – والتي تعبر عن الواحد – على بعضها فتعطي النتيجة 3.

2. جعلوا الصفر ينوب عن رقم، ماذا يعني ذلك؟ أولا، وقبل كل شيء، الأرقام الرومانية لم تحتوي على الصفر، حينما تريد أن كتب العشرة فأنت تكتب بدلا من ذلك الرمز X، وبالنسبة للمئة تكتب C، ثانيا، والأهم هو وضع الصفر من ضمن الأرقام، في السابق حينما كانوا يريدون كتابة الرقم 207، كانوا يكتبونه على شكل 7  2، أي الرقم 2 يليه فراغ ثم الرقم 7، ليعبر الفراغ عن الصفر، هذه بحد ذاتها مصيبة، تخيل لو أن صديقا اقترض منك 2001 دينارا، وكتبت الرقم على شكل 1   2، يأتي صديقك في المستقبل ويقول لك، تفضل (21)، ترافعت عند القاضي، وأردت أنت تبين له أنك أقرضته 2001 دينار، كيف ستقوم بذلك؟ الأسوء من ذلك أن العمليات الحسابية مثل الجمع والطرح وغيرها كانت صعبة لعدم وجود الصفر كتعبير عن رقم حقيقي.

والذي أسس لهذه الفكرة كان الفلكي الرياضي براهماجوبتا (Brahmagupta)، حيث كتب كتابا  كبيرا من 25 فصل وهو في سن الثلاثين عاما، وأسماه بـ “افتتاح الكون” أو حسب بعض المواقع “المذهب الصحيح للبراهما”، كان ذلك في سنة 628م، وفيه أسس لفكرة الصفر، وأسس أيضا لفكرة أنه حينما تطرح الرقم من نفسه فإنك تحصل على الصفر. ووضع بعض القواعد مثل:

 – حينما تجمع الصفر مع أو تنقص الصفر من رقم فإن الرقم لا يتغير.

 – والرقم المضروب بالصفر يصبح صفرا.

وأسس للكثير من القوانين الأخرى والتي ساهمت في تأسيس فكرة الصفر.

انتقلت الأرقام الهندية إلى المسلمين بالترجمة، وبدأت ثورة جديدة، هذه الأرقام أصبحت تسمى بالأرقام العربية بعد ذلك حينما انتقلت تدريجيا إلى الغرب وسميت بالأرقام العربية، ولكنها اليوم كما رأيت في المواقع والكتب أن الأرقام يطلق عليها الأرقام الهند – عربية لتشمل التأثير الهندي والعربي عليها.

الإسم الهائل الذي له ثقله الرياضي في العالم الإسلامي والعربي بل في العالم أجمع هو لأبي عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي ولد سنة 781م وتوفي سنة 847م، قربه المأمون (من الواضح أن المأمون كان لديه اهتمام كبير في العلم في ذلك العصر، فولى الخوارزمي على بيت الحكمة)، أتى بعده الكثير الكثير من الخلفاء الرياضيين والذين اعتمدوا بشكل كبير ورئيسي على كتبه وعلى مبادئه في الرياضيات، ألف الكثير من الكتب ومن أهم كتبه كتاب الجبر والمقابلة، ولكن الكثير منها لم يبق له أثر، ولكن تأثيره العبقري لا يزال معنا، ولربما يبقى إلى الأبد.

قبل أن تدخل الأرقام الهندية على العالم العربي، كانت هناك طرق مختلفة للعد، منها العد على الأصابع، يذكر كتاب موسوعة تاريخ العلوم العربية (الجزء الثاني) – لمركز دراسات الوحدة العربية إلى أن هناك أحاديث شريفة تشير إلى استخدام الأصابع في العد، حيث بهذه الطريقة والتي تسمى بـ “حساب العقود” يعتمد الشخص على الذاكرة والأصابع، فيطوي المحتسب الأصابع في أوضاع مختلفة للترميز لأعداد معينة، وتسمى هذه العملية بالعقود لعلاقتها بعقد الإصبع، أضف لذلك أن العرب كانوا يستخدمون ما يسمى بـ “حساب الجُمَّل”، وتعتمد الفكرة على أن الحروف العربية بترتيبها الأبجدي – على شكل أبجد هوز “أ ب ج د ه و ز” وليس على شكل “أ ب ت ث ج ح” – ترمز إلى الأرقام 1، 2، 3.. ثم تصل إلى 9، بعد ذلك تبدأ بـ 10، 20، 30، … إلى 100، 200، 300، وهكذا إلى الـ 1000، فحينما تريد تمثيل الرقم 563 تستخدم الحروف “ثسج”، أو كلمة “ضمد” تعني 844.

وكانت الطريقة الحسابية للأرقام تتم على لوحة رُشَّ عليها الغبار وباستخدام الإصبع يتم الحساب بحيث تكتب الأرقام ثم تمسح وتتم العمليات تدرجيا إلى أن يصل المحتسب إلى النتيجة النهائية، وسميت هذه باللوحة الغبارية، ويبدو أنها أيضا أتت من الهند، بُدّلت هذه اللوحة بالورقة والقلم تدريجيا (حتى يتم حفظ العمليات الحسابية التي تمت، كالفاتورة التي تتسلمها من المحل وفيها كل عملية شرائية)، هذه الأمور حدثت على مر الزمن خلال فترة الحكم الإسلامي، وبهذا التبديل – من اللوحة الغبارية إلى الكتابة على الورق –  تطورت الرياضيات بشكل كبير.

نعود مرة أخرى للخوارزمي، كتب الخوارزمي عدة كتب، من بينها كتابا ألفه بين العام 813 و 830 لم يكن له عنوان، كتب في مقدمته “ألفت من حساب الجبر والمقابلة كتابا مختصرا حاصرا للطيف من الحساب وجليله، لما يلزم الناس من الحاجة إليه في موارثهم، ووصاياهم، وفي مقاسمتهم، وفي أحكامهم وتجارتهم، وفي جميع ما يتعاملون به بينهم في مساحة الأرضين وكري الأنهار والهندسة” (كتاب موسوعة عباقرة الإسلام – د. محمد أمين فرشوخ)، وفي هذا الكتاب تظهر كلمة الجبر لأول مرة، وعن مستوى تأثير كتاب علم الجبر الذي أسس له الخوارزمي نجد في كتاب موسوعة تاريخ العلوم العربية: “إنه لحدث عظيم، باعتراف مؤرخي الرياضيات، القدامى والمُحْدَثون، ولم تخف أهمية هذا الحدث على رياضيي ذلك القرن أو القرون التي تلته، وما انفك كتاب الخوارزمي هذا يشكل مصدر إلهام، لا للرياضيين بالعربية والفارسية فحسب، إنما أيضا باللغة اللاتينية وبلغات أوربا الغربية، حتى القرن الثامن عشر للميلاد.”

أسس الخوارزمي لعدة أشياء جديدة وبأساليب فذة منها:

+ طريقة حل تعتمد على الجذور، وبكلمة الجذور هنا أعني المجهول وليس مثل جذر الرقم 4 والذي يساوي 2، بل المرادف للجذر هو ما نستخدمه اليوم بالمعادلات مثل رمز س أو ص أو x أو y، ولكن الخوارزمي أسس مصطلح  “الجذر” أو “الشيء” (لم تكن الرموز مثل س و ص بعد مستخدمة للتعبير عن المجهول)، ولكن باستخدام كلمة “جذر” أو “شيء” جرد الخوارزمي بهذه الكلمة الحساب بالأرقام.

+ معادلة من الدرجة الأولى والثانية.

+ الحلول الخوارزمية، والتي هي لبنة أساسية وجزء لا يتجزأ من برمجة الكمبيوتر اليوم.

+ برهان صيغة الحل، أي أن الحل لا يقدم هكذا بلا برهان، والعلماء يعرفون اليوم أهمية البرهان، إذ من غير وجود برهان على حل معين تفتقد الحلول للمصداقية.

هناك الكثير الكثير من الأمور الأخرى التي أدخلها في الرياضيات التي لا مجال لها في هذه الحلقة البسيطة،  ولكن من هذه القواعد استطاع أن يحل الكثير من المسائل التي تتعلق  بمسائل الإرث ومسح الأراضي والتبادلات التجارية، أضف لذلك أن الكثير من القواعد الرياضية التي وضعها الخوارزمي وخلفائه (مثل ابن ترك وسند بن علي، والصيداني، وثابت بن قرة، وأبو كامل شجاع بن أسلم وسنان بن فتح، وأبو الوفاء والبوزجاني) لو أنك تحولها إلى معادلات رياضية باستخدام الرموز س و ص وما شابه، لعرفت أنها لم تكن بتلك المُباشَرة وأنها معقدة، وهذه  كان لها تأثيرا مباشرا على الكثير ممن أتو من بعده، وكذلك كان التأثير مباشرا على أوربا بعد أن أدخل فيبوناتشي هذه الطرق الخوارزمية على أوربا، سنعود لهذه الفكرة بعد قليل.

للأسف أن الكثير من الكتب اندثرت، ولم يبقى منها إلا ترجمتها إلى اللاتينية، ولكن أقدم كتاب عربي في الحساب بالأرقام الهندية الذي بقي هو “كتاب الفصول في الحساب الهندي” لأبو الحسن أحمد بن إبراهيم الإقليديسي، والذي ألف في سنة 952م تقريبا، وللأسف أيضا أن هذا الكتاب ليس بالكتاب الأصلي، حيث أن ما لدينا الآن هو نسخة من الكتاب الأصلي كتب سنة 1186، ما نجى من الكتب العربية القديمة والتي ترجع مثلا للخوارزمي في مجال الرياضيات نجى بسبب ترجمتها إلى اللاتينية.

هناك معلومات أود توضيحها وأخرى تصحيحها:

1. الكثير من الناس يعتقد أن الصفر يعود أصله إلى العرب أو المسلمين، وهذه المعلومة غير صحيحة حسب قراءاتي، البداية كانت في الهند، والعرب أخذوها من الهنود، فطوروا الرياضيات باستخدام تلك الأرقام.

2. الكثير يتدوال فكرة أن الأرقام التي تستخدم في الغرب على صورتها الحالية هي في الأصل عربية، هذا الكلام صحيح، ولكن جزء من تلك الأشكال أتت من الهند، وطّورت على مر الوقت لتصل إلى شكلها الحالي، ولذلك وجدتُ أنها تسمى اليوم بالأرقام الهند – عربية، أضف لذلك أن الأرقام كان لها شكلين وليس شكل واحد، فالشكل الأول هو الشرق – عربي وهو يشابه بشكل كبير ما نعرفه اليوم، والثاني هو الغرب – عربي، وهو شبيه إلى حد كبير لما نراه في الغرب اليوم.

3. الكثير أيضا يتدوال فكرة أن الأرقام بشكلها الغربي والتي هي في الأصل هند -عربية رسمت بهذه الطريقة اعتمادا على الزوايا، فمثلا الرقم واحد فيه زاوية واحدة، والرقم 2 لو كتب على شكل حرف الـ z فسيكون فيه زاويتين (كما هو موضح في الصورة التالية)، هذه الفكرة غير صحيحة أيضا، وإن كنت ستجد مواقع كثيرة تدعم هذه الفكرة على الإنترنت من غير أي مصدر.

أتمنى إن كنت ممن يعرفون بدقة هذه المعلومات أن يرسلوا لي رسالة وفيها مصدر معتبر يوضح لي إن كان بحثي البسيط في الموضوع خاطئ، وسأقوم بتصحيح المعلومة في البودكاست مباشرة، ولكن على حد بحثي في الكتب لم أجد أحدا يدعي خلاف ما ذكرته الآن.

بعد انتشار علم الحساب والجبر في العالم الإسلامي من الشرق إلى الغرب، وبعد تطويره في عدة دول وعلى يد العديد من العلماء الرياضيين، التقطه الغرب عن طريق الرياضي المشهور بالإسم فيبوناتشي (Fibonacci)، قام فيبوناتشي بأخذ الكثير من الكتب العربية وبترجمة الكثير منها، وحتى ما كان فيها من ألغاز رياضية مسلية جدا اقتبسه من هذه الكتب وشرح الكثير منها بجهد كبير لينشر الحساب في أوربا،  وفي مقابل انتشار الحساب العربي في الغرب تطورت أدوات التجارة بشكل لم يسبق له مثيل، حيث كانت الحسابات التجارية قبل ذلك تتم باستخدام أداة الأباكس الصينية الأصل، وباستخدام الأرقام الرومانية.

حينما نعود لبدايات الحساب في العالم الغربي نجد أنهم كانوا يستخدمون الرموز الرومانية، وكما ذكرت أن الرموز الرومانية لا تعتمد على موقعها في الرقم، فلذلك كان من الصعب جدا استخدامها في الحساب، فمثلا حينما يحتاج أحدهم لضرب رقمين، يقوم بجمعها بشكل مكرر، كما لو أردت أن تضرب الرقم 4 * 5، تقوم بتكرار جمع الـ 5 أربعة مرات، فتخيل الآن تقوم بهذه العملية باستخدام أعداد مكونة من عدة أرقام أو رموز، أي تخيل لو أردت أن تضرب 234 في 986 بالرموز الرومانية، عملية مضنية جدا،  لذلك كان البديل للحساب هي آلة الآباكس (Abacus)، وهي الآلة الصينية التي تحتوي على صفوف من الخرز، فيتم تحريك الخرز للحساب بالأصابع إلى الأعلى والأسفل، هناك عدة لقطات على اليوتيوب تبين السرعة التي بإمكان مستخدم الآباكس أن يحسب باستخدامه، أضف لذلك (كما هو مبين في اللقطة التالية) أن البعض بعد استخدامه للآباكس وبتدريب عالي الكثافة يستطيع أن يحسب بمجرد تخيل حركة الخرز فقط، فيقوم بحسابات معقدة جدا.

صعوبة الحساب بالأرقام الرومانية تسببت في جهل الكثير من الناس في الحساب، فكانت عملية البيع والشراء تعتمد على الثقة في التاجر في حساب المبالغ، وحتى مع ترجمة كتب الخوارزمي إلى اللاتينية (ذلك قبل فيبوناتشي) لم يتقدم الناس كثيرا وذلك لأن الكتب المترجمة كانت موجهة للمثقفين فقط، بينما حينما كتبها الخوارزمي كان واحدة من أهدافه هو نشرها بين التجار، ولذلك كانت التجارة مزدهرة عند العرب وسهلة المنال، هنا يدخل في الصورة ليوناردو بيزانو (Leonardo Pisano) (الملقب بفيبوناتشي) الإيطالي الأصل.

ولد ليوناردو في سنة 1170م لأسرة ثرية، ويعتقد أنه ولد في مدينة بيزا، عاش في أسرة من التجار في مدينة تعتبر تجارية بشكل كبير، كانت إيطاليا في تلك الأيام مصب للتجار من شتى أنحاء العالم، وفي الخلفية لهذه التجارة كان هناك من يقوم بعمليات حسابية لمتابعة الشراء والبيع والضرائب، كل ذلك باستخدام الرموز الرومانية، ومن الظريف أن كلمة بنك أتت من الممولين للمال المتجولين، يأتي أحدهم فيضع عملاته على دكة خشبية أو لنقل طاولة منبسطة طويلة، تسمى باللاتيني بـ “بانكا”، ولذلك بدأ الناس بتسميتهم بانكر (Banker)، وهي الكلمة التي أتت منها كلمة البنك، إذن، إيطاليا اشتهرت بمركزيتها في التجارة بين أروبا والعالم الإسلامي.

سافر ليوناردوا وأبيه إلى دول عربية حوالي المغرب وتونس وغيرها من شمال أفريقيا، وأيضا إلى مصر وسوريا واليونان وتعلم اللغة العربية، وعمل في الفندقة، ولاحظ أبو ليوناردو جويليالمو (Guilielmo) الحساب العربي وأحس بأهميته، وخصوصا أن العرب كانوا يستخدمون هذه الطرق في الحسابات في تجارتهم، فقرر أن يعلم ولده هذا العلم الرياضي، فتعلم ليوناردو هذه الطرق الجديدة، وأعجب بها إعجابا شديد، فألف كتابا اسمه ليبر أباكي (Liber Abaci)، وبالعربية “كتاب الحساب” وقد ترجمه البعض بـ “كتاب الآباكس” والذي هو مكون من  15 فصل.

أعتمد ليوناردو في كتبته لكتاب الحساب على مصادر من اللاتينية والعربية، وفي بداياته اعتمد بشكل كبير على كتاب أبو كامل شجاع (كتاب أبو كامل كان يحتوي على 74 مسألة محلولة، أخذ منها ليوناردو الكثير وكتبها كما هي)، ولكنه حينما أراد أن يتعمق في الجبر اعتمد على كتاب الخوارزمي، وحسب ما يذكر كتاب “رجل الأرقام” أن الكثير من المسائل الجبرية التي طرحها ليوناردو في فصل الجبر أتت مباشرة من كتاب الخوارزمي المترجمة من اللاتينية، وكذلك اعتمد على كتاب لأحمد بن يوسف في علم الهندسة، بالإضافة إلى إضافات من عنده هو ومن خلال مناقشاته مع الرياضيين العرب أثناء السفر، الأهم أنه ملأ كتابة بالكثير الكثير من الأمثلة.

اللطيف أنه أدخل في الكتاب الكثير من الأمثلة الذكية والطريفة، من الأمثلة الطريفة هي أنه أدخل لغزا العنكبوت، والذي فيه يصعد عنكبوت على حائط بداخل صندوق، فيتقدم يوميا عدة أقدام إلى الأعلى، ولكنه يسقط عدم أقدام كل ليلة بعد صعوده، كم يوم سيستغرق للخروج من الصندوق لو أن الصندوق طوله كذا، نفس هذا اللغز تحول إلى لغز ضفدع في حفرة طولها 30 متر مثلا، يصعد يوميا قدمين، ويسقط قدما، كم يوم سيحتاج الضفدع للخروج؟ وضعت هذا اللغز في كتابي “للأذكياء فقط” ولم أكن أدر في حينها العمق التاريخي لهذا اللغز.

بعد أن نشر فيبوناتشي كتابه “كتاب الحساب” كانت تلك هي الإنطلاق لتغيير أوربا بأكملها بتجارتها وبطرق تمويلها ودراساتها، أتى بعده الكثير من العلماء الرياضيات الذين كتبوا كتبا تعتمد على كتابه، واقتبسوا منه، ونشروا علم الجبر في كل أنحاء أوربا، وألغيت الرموز الرومانية واستبدلت بالأرقام الهند – عربية.

لم تكن الرموز الرياضية مثل س وص موجودة في أيام فيبوناتشي، كل المسائل التي تكتب في الكتب كانت تحل بطريقة سردية مطولة، أسس لهذه الرموز هو فرانسوا فيتي (Francois Viete) عام 1591، الذي كان يعمل كمحامي في حياته اليومية، ولكنه كان متفوقا في الرياضيات، فكتب كتابا أسماه “مقدمة في الفن التحليلي” وعمل على استخدام الرموز فيها، فحول الكلمات التي كانت تملأ مجموعة من الصفحات إلى رموز س وص وغيرها، وهكذا حول الصفحات المتعددة إلى أسطر، فأصبحت الرياضيات سهلة جدا بعد ذلك، وأنطلقت إلى مستوى جديد من التطبيق. ولو أن المعادلات المعقدة اليوم يتم كتابتها بالطريقة القديمة بالشكل السردي، لاحتاجت المعادلة الواحدة إلى مجلد كامل لشرحها.

لماذا تطابق الرياضيات الطبيعة بهذا الطريقة الدقيقة؟

كتب العالم يوجين فيجنر (Eugene Wigner) الحاصل على جائزة النوبل في الفيزياء مقالة بعنوان “الفاعلية الغير معقولة للرياضيات في العلوم الطبيعية” (The Unreasonable Effectiveness of Mathematics in the Natural Sciences)، فيها فكرتين وهما “أن مبادئ الرياضيات تظهر في علاقات غير متوقعة” وأيضا “هي تسمح  بوصف دقيق وقريب غير متوقع لتلك الظواهر في هذه العلاقات”، يبدأ المقالة بقصة تبين الفكرة، أطرحها عليك كما هي:

هناك قصة لصديقين كانا زميلين في الثانوية يتبادلان الحديث عن عملهما، واحد منهما أصبح إحصائيا ويعمل في التوجهات السكانية، عرض ورقة على زميله السابق، الروقة بدأت كالعادة بالتوزيع الاحتمالي الجاوسي، فشرح الإحصائي لزميله السابق معاني الرموز المتعلقة بالتعداد السكاني وللمتوسط للتعداد السكاني وهكذا، شك صديقه، ولم يدر إذا ما كان الإحصائي يحاول خداعه،

“كيف لك أن تعرف هذا؟” تسأءل، “وما هذا الرمز هنا؟”

“أوه” قال الإحصائي، “إنه الباي”

“ما هذا؟”

“إنه النسبة لمحيط الدائرة لقطرها”

“أعتقد أنك اتجهت بمزحتك إلى أقصى الحدود”، قال له زمليه السابق، “بلا شك أن التعداد السكاني ليس له أي علاقة مع محيط الدائرة”

فعلا كيف لهذه الروابط أن تتكون بين أشياء يبدو وكأنها لا ترتبط ببعضها؟ ما هي علاقة الباي (π) بالتعداد السكاني؟ وما هي علاقة الرقم التخيلي (جذر 1-) مع الكهرباء؟ وكيف لشيء يكتشف رياضيا اليوم تصبح له أهمية عملية مستقبلا؟ الكثير من الأساليب الرياضية التي اكتشفت لها استخدامات مباشرة وتطبيقات عملية في الطبيعة، في بداية الأمر يقوم العالم بتكوين فرضية معينة، ثم ينشئ الرياضيات التي تحاول أن تطابق هذه الفرضية من الناحية الرياضية، وإذا ما فعل ذلك استطاع استخدام الرياضيات للتنبؤ بالمستقبل (هنا لا نتكلم عن التنبؤ المطلق الدقيق حيث أننا محدودون بعشوائية بالعالم الكمي)، فمثلا بعد أن نراقب المقذوفة نستطيع أن نكون قانونا رياضيا يطابق بدرجة كبيرة حركة المقذوفة، بعد ذلك حينما نريد أن نطلق قنبلة من مدفع، فإننا نوجه المدفع بزاوية معينة، ونطلق القنبلة بقوة معينة اعتمادا على قانون رياضي، وبذلك نضرب الهدف البعيد أيا كان موقعه، هذا بالنسبة للقانون الرياضي الذي يعالج الفرضية، ولكن الرياضيات لا تتوقف عند هذا الحد في تفسيرها للفرضية، بل تنطلق بعد ذلك لتكبر وتتوسع لتعالج قضايا أخرى لم يكن قد حسب لها أي حساب، ولابد أن ننوه أن توسع القوانين الرياضيا لا يكون عشوائيا، بل هناك قوانين تحد الرياضي الذكي من الخروج إلى الخيال والخطأ.

الطبيعة تعمل بقواعد معينة لا تشذ عنها، ولو أنها كانت تشذ في كل مرة لما كان بإمكان العلماء أن يقوموا بدراستها وتكوين قواعد رياضية لها (حتى لا يشكل أحدا في هذه النقطة، أنا أتكلم بعيدا عن المعاجز التي أعطاها الله للأنبياء عليهم السلام، بل أتكلم عن الطبيعة التي نعرفها اليوم بلا تدخل خاص من الله عز وجل)، تخيل لو أنك حينما تركل الكرة برجلك، مرة تتجه الكرة إلى الأمام، ومرة إلى الوراء، ومرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار ومرة إلى الأسفل ومرة إلى الأعلى، ولم تستطع أن تحدد في أي اتجاه ستتجه الكرة، فهل يمكن أن تنشأ لعبة كرة القدم؟ لو أن العلماء لديهم أدنى شك في انتظام الطبيعة لما حاولوا فهمها، لانها لن تفهم.

أضف لذلك وكما يقول فيجنر أن هناك طبقات من القوانين الطبيعية، طبقة فوق طبقة تعلو كل طبقة عن الأخرى بقوانينها الأشمل والأعم من الطبقة التي سبقتها، مثال على ذلك قوانين نيوتن، والتي لا تزال تستخدم في إرسال مركبات فضائية إلى الفضاء، بالرغم من استخدام العلماء لها في الفضاء، ولكنها ليست بتلك الدقة المتناهية، تأتي بعدها في الطبقة الأعلى قوانين آينشتين لتعطي دقة في التفسير الكوني، هذه الطبقية لا تتكون بسبب الطبيعة، ولكنها بسبب الشروط التي تفرض على القانون الرياضي الذي يوضع لتفسير الطبيعة، يعني أننا حينما نتكلم عن قوانين نيوتن التي تستخدم لإرسال مركبة فضائية إلى المريخ، نحن نشترط أن هذه القوانين محدودة بحد من الدقة، ولو أردنا أن نكون أكثر دقة فلابد من استخدام آينشتين للنسبية، أو في مثال آخر، لو أننا أردنا إطلاق قذيفة لتصيب الهدف، واستخدمنا القوانين الرياضية لحساب الزوايا والقوى، نحن نشترط أن لا يكون هناك هواء يدفع بالقذيفة إلى اليمين مثلا، فهناك شروط تحد من فاعلية القوانين، ولكن من الممكن أن ندخل الرياح في المعادلات، وبذلك نكون قد جعلنا القانون أكثر شمولية، فبذلك ننتقل للطبقة الأعلى والأشمل التي شملت الرياح.

الطبيعة بلا شك تتحدث بلغة رياضية، وعلى حد قول فيجنر “تلعب دورا سياديا”، وحينما تتكون الرياضيات لتفسر شيء فإنها تكون مجردة لدرجة أننا نستطيع أن نستخدمها لتفسير الكثير من الأشياء الأخرى، سأضرب مثالا بسيطا حتى أقرب الفكرة للذهن، لو أنك علّمت أطفالا الحساب، وأخبرتهم أن يعدوا خمسة تفاحات، ثم أعطيتهم عدد مساوي من البرتقال وطلبت منهم أن يعدوا البرتقال، سيخبروك أن العدد هو خمسة، ولو أنك أعطيتهم نفس العدد من أي شيء آخر لقالوا لك العدد هو خمسة، إذا العدد خمسة هو شيء مجرد، لا يمكن حده بشيء محدد، الخمسة هي فكرة رياضية بحتة تسود الكثير من الأشياء في الطبيعة وتفسر الأشياء أي كان شكلها أو حجمها أو رائحتها أو ما شابه، أضف لذلك أنه لا يهم إن قلت خمسة باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية، لن يتغير شيء، كلها ترمز لنفس الفكرة، الخمسة مجردة من كل شيء وهي أعلى من كل شيء ترمز له، قارن هذا مع قوانين السقوط الحر للأجسام، حينما تسقط جسمين فإنهما يصلان إلى الأرض في نفس الوقت، هذه القوانين التي تستخدم لتفسير سقوط الجسمين، يمكنك استخدامهما لتفسير قوى الجذب بين الشمس والأرض.

في فيلم كونتاكت (Contact) الخيالي، حينما تكتشف العالمة إلي آروي (Elie Arroway) الإشارات التي أتت من السماء اكتشفت أن تلك الإشارات المرسلة من أعماق الكون كانت تحتوي على قوانين رياضية، تخيل لو أننا أردنا أن نرسل إشارة في الفضاء، ونتوقع أن يلتقطها فضائيين، فبأي لغة من لغات الأرض سنرسلها؟ من البديهي أن أي من اللغات الخطابية لن تنفع، لا الإنجليزية ولا العربية ولا الهندية، ولا أي لغة، ولكن لغة الرياضيات هي التي يمكننا التفاهم باستخدامها، لماذا؟ لأننا نتوقع أن الرياضيات تحاكي قوانين الطبيعة، وقوانين الطبيعة متناغمة منسجمة في الكون كله، ولابد أن الفضائيين في الكواكب الأخرى حينما أرداوا أن يفسروا الطبيعة لابد أنهم توصلوا لنفس القواعد الرياضية، إذن الكون كله يعمل بالرياضيات، والقواعد الرياضية تحاكي الكون كله، وهي لغة أساسية لفهم الكون.

الكون الرياضي

كتبت في مرة سابقة عن الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة، تحدثت عن أربعة منها، ولكني تركت عالما أخيرا شاملا جامعا لكل تلك الأكوان، هذا الكون هو الكون الرياضي، وهو الكون العام الذي تندرج جميع الأكوان أسفل منه، هذا الكون الأخير يفترضه ويقترحه العالم ماكس تيج مارك (Max Tegmark) من جامعة إم آي تي (MIT)، ألف ورقة علمية لم تقبل في البداية، ولكنها قبلت بعد ذلك، رفضت لأنها تخمينية تأملية أكثر منها واقعية، وقبلت في النهاية لأن العلم يبدأ من نقطة فيها تأمل وينتهي إلى قواعد صلبة يمكن الاعتماد عليها. نحن إلى هذه النقطة وصفنا الرياضيات على أنها أداة لتفسير الكون، ولكن يتعدى تيجزمارك هذه النقطة ليقول أن الرياضيات هي الكون، أي أن الرياضيات المجردة ليست إلا قمة الهرم لكل شيء في الكون.

يتساءل، لماذا نجد يوما بعد يوم هذه الرياضيات المتناغمة مع الطبيعة؟ لأن ببساطة نحن نكتشف هذه الرياضيات، ولسنا نخترعها، حينما نقول دينار مع دينار يعطينا دينارين أو حينما نقول (One Dinar plus one dinar equals two dinars) أو حينما نكتب 1 + 1 = 2 بالترميز فنحن نصف روابط محددة بين الأشياء، ولسنا نخترع تلك الروابط، بل هي موجودة في الأساس، نحن فقط نخترع الرموز – أي كانت – لوصف البناء الرياضي الموجود، أي أن هناك عنوان أعم للكون الملموس، وهو الكون المجرد الرياضي، الذي يكون كل شيء فيه ليس إلا رياضيات، حتى أنت.

بل أن هناك عوالم متعددة أخرى، كل منها بقوانينه الرياضية المختلفة تماما عن القوانين الرياضية في عالمنا هذا، لاحظ أنه ليست كل المعادلات الرياضية التي نعرفها نجد لها صورة واقعية، أستطيع أن أخلق قانونا رياضيا معقدا الآن، ولكن لا يعني ذلك أنه ينطبق على شيء أبدا في الكون الذي نعرفه، ولكن يتصور تيجزمارك أن لهذا القانون الخيالي في هذا الكون وجود فعلي في كون آخر، وهذا الكون يتركب من تركيبة أخرى مختلفة تسمح لوجود تطبيق فعلي على أرض لهذا القانون الخيالي بحسب كوننا هذا.

أنت الآن تنظر للكون الرياضي من الداخل، فتحس بالمكان والزمان، ترى ما حولك، وتحس بأن الوقت يتقدم، أنت تحتاج لأن تنتظر ملايين السنين حتى تصل لك نقطة ضوء من نجمة بعيدة جدا، كل ذلك يستغرق الكثير من الوقت، ولكن الرياضيات التي تصف هذه العملية والتي تشتمل على الوقت هي في ذاتها غير زمانية، هي تصف الوقت، ولكنها ليس فيها أي انتظار، أنت تعيش بداخل هذا الكون فتعيش بقوانينه الرياضية، لو أنك خارج الكون الرياضي وتنظر إليه من الخارج لكان الوقت الذي يقضي فيه الضوء للوصول من نقطة إلى أخرى لا معنى له سوى بالتجريد، كما لو أنك تشاهد فيلم دي في دي، ما بداخله يأخذ الوقت لعرض القصة، ولكن الناظر خارج الدي في دي يرى ديسكا فيه معلومات بلا توقيت أو مكاني.

الرياضيات والأخلاق

بدأنا من العد البسيط في بدايات المشوار البشري، وانتهينا إلى كون هو في أصوله رياضي، الإكتشافات الرياضية التي أسس لها العلماء الرياضيين معجزة (وصف الإعجاز لم يأت من عندي بل قاله فيجنر في مقالته التي ذكرتها سابقا)، ومن خلال قراءتي لكتاب رجل الأرقام وجدت أن هناك زاوية أخرى للرياضيات مهمة في حياتنا اليومية الأخلاقية، نحن نتحدث عن الصدق والأمانة والأحكام وغيرها من الأخلاق بصورة وعضية، أي أننا حينما نطلب من شخص يصدق في البيع فإننا نطلب منه ذلك بصورة تذكره بالآخرة ويوم الحساب، أنا لن أتكلم عن الآخرة، ولكن ما يهمني هو تأثير الرياضيات على الصدق والأمانة في الوقت الحالي، فلولا تطوير الرياضيات لتصل إلى المستوى الذي هي عليه الآن لما كان للصدق ميزان واضح.

حينما نقل ليوناردو الرياضيات إلى أوربا سحب البساط الحسابي من أيدي التجار ومده تحت عامة الناس، وبدلا من أن يكون التاجر هو الوحيد الذي يعرف كيف يحسب وبالتالي يتحكم في الحسابات أصبح معظم الناس قادرين على أن الكشف عن مصداقية المعاملات التجارية، فأصبح من الصعب على التاجر الغش، أضف لذلك أن ما وصلنا له اليوم من إمكانيات محاسبية مطورة ومبرمجة على الكمبيوتر جعلت من الصعب جدا التلاعب بالأموال، حيث أن بمجرد ما يتم التدقيق على الحسابات تنكشف الأكاذيب.

إذن للرياضيات دور فعال جدا ليس فقط في العلم والتكنولوجيا وغيرها من الأمور المادية، بل وحتى في الأمور الأخلاقية، ولربما لو أردت أن أذكر ما للرياضيات من مزايا أخرى، لما اتسع الزمان لسرد هذه المزايا.

Posted in History, Math | 13 Comments

رحلة مع الذرة عبر الزمن – 2

رحلة مع الذرة عبر الزمن – 2

speaker_icon disk
ipod

رحلة مع الذرة عبر الزمن 2

الجزء الثاني من الرحلة مع الذرة عبر الزمن، نتحدث مع المهندس عايد العجمي في رحلته الممتعة التي بدأت من تاريخ فهم الذرة إلى يومنا هذا، سنعرف  كيف يمكننا من خلال معرفة أصغر مكونات الكون يمكننا أن نفهم كيف تكون الكون الهائل بما يحتويه من مواد خام، تعرفنا على الذرة وعلى نواتها وعلى الإلكترونات، سنغوص في أعماق النواة حتى نرى ما بداخلها. ثم ننهي الحلقة بالإجابة على بعض الأسئلة وردت على الفيس بوك والتويتر.

Posted in Interview, physics & astronomy | 5 Comments

رحلة مع الذرة عبر الزمن – 1

رحلة مع الذرة عبر الزمن – 1

speaker_icon disk
ipod

رحلة مع الذرة عبر الزمن

في الجزء الأول من هذه الحلقة يتحدث معنا المهندس عايد العجمي عن الذرة، حيث نبدأ الرحلة في فهم الذرة من الفلاسفة القدماء، ثم ننطلق لفهم التصورات المختلفة للذرة من خلال التجارب التي قام بها العلماء، وكيف أن نموذج بعد نموذج تم تغييره إلى أن وصلنا إلى النموذج الحالي للذرة.

سأضع رابط للحلقة الثانية خلال يومين، وذلك حتى نكمل هذه الرحلة، بالإضافة لذلك سنجيب على الأسئلة التي حلصت عليها من خلال الفيس بوك والتويتر.

Posted in Interview, physics & astronomy | 4 Comments