مستقبل البشرية 1: الطب

مستقبل البشرية 1:  الطب

speaker_icon disk
ipod

مقدمة

كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء الأعزاء، وأخبرني أنني أصبحت أكثر جدية في البودكاست وابتعدت قليلا عن الخيال العلمي، حيث كنت في السابق أخلط العلم مع بعض الأفكار والقصص المشتقة من الخيال العلمي التي ترتبط بالعلم، مما يجعل المستمع يسرح قليلا بعيدا عن الآن والواقع الحالي وإلى المستقبل. وبما أنني كنت سأعمل حلقة عن مستقبل البشر قررت أن أقدمها على غيرها من الحلقات، وأخلط لكم بين العلم الحالي والتنبؤات المستقبلية وبعض ما تشاهده أو تقرأه في قصص الخيال العلمي.

التنبؤات المستقبلية لن تكون اعتباطية عشوائية، بل ستكون مرتكزة على العلم الحديث، وستعتمد على ما تراه الآن وعلى ما لا تراه مما هو حاليا موجود في المختبرات ومما يعمل يعمل عليه العلماء، وسيعتمد على الكثير من آراء العلماء أنفسهم، لماذا أؤكد على هذه النقطة، لأن ما سأقوله ربما سيبدو لك مستحيلا أو خياليا، فمثلا هل تتوقع أنه سيأتي اليوم الذي لن يحتاج فيه أحد لقيادة سيارته أبدا، بل ستقود السيارة ذاتها بالكامل وبلا أي تدخل البشر نهائيا؟ أو هل تقبل أن في المستقبل لن تموت من الأمراض التي تقتل البشر في هذه الأيام مثل السرطان، والقلب وغيره، وحتى طول العمر لن يتسبب في وفاتك؟ بل هل تقبل أنك  سنتزل بضاعة ومشتروات ومنتجات من الإنترنت كما تنزل برنامج كمبيوتر من على الإنترنت؟ أو هل تصدق أنك في المستقبل ستفكر… وسيكون… أي أن أفكارك ستترجم إلى واقع عملي؟ أو هل تصدق أن أعضاء جسدك سيتم طبعاتها باستخدام آلة طابعة ثم يتم زراعتها في جسدك؟ أو أن مخك سيتم ربطه بأجهزة بحيث تزيد من قدراتك على التفكير؟ ربما يصعب عليك تصديق ذلك، ولكن تأكد أنني بعدما أنتهي من هذه الحلقة والحلقات القادمة سأكون إما قد غيرت من وجهة نظرك كلية أو أثرت فيك الفضول الكافي للتحقق من كل قلته لشدة غرابته.

أبق معي واستعد للمستقبل، واترك “كان يا مكان في قديم الزمان” لننظر إلى ما سيكون في آخر الزمان، ليس بالزمان البعيد، بل القريب، واربط حازم أمان العقل وإلا ستصاب بصدمة تلو الأخرى لما ستتعرف عليه عما يحدث  الآن في المختبرات وما سينتج عنه في المستقبل.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

الخيال العلمي والمستقبل

الكثير من المسلسلات والأفلام التي ترتكز على الخيال العلمي غالبا ما تكون فيها صورة عن بعض التطورات التي ستشهدها السنوات القادمة، الكثير مما يأتي في هذه المسلسلات يصدق على أرض الواقع، والكثير منها أيضا لا يصدق، خذ على سبيل المثال، الكاتب القصصي الشهير آرثر سي كلارك تنبأ بستلايتات تحوم حول الأرض في مدارات ثابتة جغرفيا في سنة 1945، وأنها ستستخدم للاتصالات، وتحقق ذلك فعلا، بالرغم من أن أول ستلايت حام حول الأرض هو سباتنيك (Sputnik 1) في سنة 1957، أي بعد فكرته بـ 12 سنة.

مثال آخر على تنبؤ قد يكون من أكثر التبؤات غرابة بالنسبة لي، أتى التنبؤ في قصة اسمها “منطق اسمه جو” (A Logic Named Joe)، كتب هذه القصة مري لينستر (Murray Leinster) في سنة 1946، هذه القصة تتكلم عن جهاز أو منطق، والمنطق مرتبط بشبكة كبيرة، وهذه الشبكة متصلة بخزائن (Tanks)،  والخزائن هي مبنى كبير مليئ بجميع معلومات وحقائق الخلق كله، وكل خزينة متصلة بجميع الخزائن الأخرى في البلاد،  يجلس الشخص أمام المنطق، والمنطق عبارة عن جهاز وشاشة وله أزرة، تضرب على الأزرة وتكتب على الشاشة كلمة معينة، هذه الكلمة تذهب للخزائن، ثم تعطي الشاشة ومضات متتالية حينما يرجع لك المنطق بالإجابة، فيجيبك عن السؤال، أسأله أي سؤال شئت ستحصل على الإجابة، حتى لو كان سؤالك عن حالة الطقس، حتى لو كان السؤال “أين هو زوجي الآن؟” أو “كيف أستطيع أن أكوّن الكثير من المال بسرعة” أو حتى “كيف أستطيع أن أقتل زوجتي من غير أن أكتشف؟” ، هذه المنطقية والخزائن غيرت من العالم كله.

ربما فهمت الفكرة، ولكن لأشرح للذي لم يستوعب هذه الفكرة المذهلة التي ظهرت قبل ظهور “فكرة” شبكة الإنترنت بما يقارب الخمسة عشر سنة، لاحظ معي أن المنطق الذي يتكلم عنi الكتاب يقصد به الكمبيوتر الذي بين يديك، وأن الخزائن هي الخادم أو السيرفر (Server)، وهي متصلة ببعضها البعض بشبكة الإنترنت، وأنك تستطيع أن تقوم بالبحث عن أي معلومة من خلال جوجل فتحصل على الإجابة، فعلا الكمبيوتر الذين بين يديك سواء أكان ذلك هو الكمبيوتر الشخصي أو الهاتف المتنقل، بإمكانك استخدام أي منها للاتصال بسيرفرات جوجل عبر الشبكة للتواصل مع كميات هائلة من المعلومات ثم الحصول على الإجابة الشبه مناسبة (ملاحظة، أعتقد أن الكاتب استخدم كلمة منطق ربما لأنه كان يقصد الدوائرة المنطقية)، إذن هذا الكاتب استطاع أن يتنبأ بوجود جوجل قبل ظهوره بأكثر من 50 سنة.

في الماقبل للقصص الكثيرة التي تحققت هناك الكثير من القصص التي فشلت بالتبؤ بالمستقبل بالشكل الصحيح، وهناك سببين لهذا الشيء، السبب الأول هو أن الكاتب الخيالي لا يتقيد بالضرورة بالقوانين الفيزيائية، فيبتعد كل البعد عن الإمكان، فمثلا، من الممكن أن يكتب قصة عن صناعة آلة أبدية الحركة، وهذه حسب قوانين الفيزياء لا يمكن أن تكون بإي حال من الأحوال، ففي هذه الحالة القصة لا يمكن لها أن تتنبأ بطاقة مستديمة لا نهاية لها، ولذلك التنبؤ هذا يفشل في المستقبل القريب والبعيد، والنقطة الثانية هي التوقيت، ربما يحدث وأن يتنبأ قصصي أو مستقبلي بمعالجة مرض السرطان أو الصلع أو مغادرة كوكب الأرض إلى كوكب آخر، وكل تلك جائزة، ولكن حينما يحدد وقتا معينا، فإنه قد يفشل في التنبؤ، فمن الصعب جدا وضع توقيت محدد لخبر مستقبلي، فقد تتحقق الفكرة في المستقبل، ولكن ليس على الجدول الزمني الذي يحدده القصصي أو المستقبلي.

هناك من يتنبأ ولكن على شيء من الحذر، فيقوم بمتابعة العلم الحديث وما يحدث في المختبرات، فيسقط نظره إلى المستقبل اعتمادا على المعلومات المتوفرة حاليا، فمثلا العالم الفيزيائي ميشو كاكو في كتابه فيزياء المستقبل (Physics of the Future)، يقدم تنبؤات للمئة سنة القادمة، وذلك اعتمادا على مقابلته لأكثر من 300 عالم في مجالات شتى، وهذه المجالات هي على حافة العلم، وعلى حافة الخيال العلمي من حيث اختراقاها لأحدث الأبواب العلمية، وكذلك ري كيرزوايل (Ray Kurzweil)، والذي كتب عدة كتب عن المستقبل بناءا على أبحاث كثيرة في عدة مجالات فيزيائية ورياضية وطبية وفنية… إلخ، تنبؤات هؤلاء تختلف عن القصصيين، حيث أنها مستندة على حقائق على أرض الواقع، وتلتزم بقواعد اللعبة الفيزيائية، ولكن تبقى هناك ناقصة واحدة وهي التوقيت، قد يصيب المستقبليين في التوقيت، وقد يخطئوا، ولكن بكل تأكيد الخطأ في التصويب سيكون أقل بكثير من الخيال الصرف.

في هذه الحلقة سأتكلم عن بعض جوانب المستقبل الطبي، وإن لن أتمكن من أن أحيط به كله لكثافة المعلومات التي فيه.

الطب المستقبلي

لو كنت من متابعي المسلسل الشهير ستار تريك (Star Terk) أو ستار تريك ذي نيكست جنيريشن (Star Trek the Next Generation) أو أي من الإصدارات التي تلتها، ستجد طاقما بشريا ينطلق بمركبة هائلة لاستكشاف الفضاء وللتعامل مع أحياء أخرى من كواكب مختلفة، وفي كل من هذه الحلقات كانت هناك أفكار تكنولوجية متطورة بشكل كبير لدرجة أن معضمها غير متوفر في هذا الزمن، وواحدة من تلك هي الترايكوردر (Tricorder) الطبي، وهو ماسح طبي خيالي يستخدم لتشخيص المرض من غير أن يحتاج الطبيب حتى للمس المريض، كل ما يفعله هو أن يمسك بالماسح بيده (وهو جهاز بحجم قنينة أحمر الشفاة أو أكبر بقليل من بعض الهواتف المتنقلة – على حسب الجزء من المسلسل) يحركه إلى الأعلى والأسفل على الجسم من غير ملامسته فيأخذ الجهاز القراءات لحالة الجسم ويحلل الأمراض.

قد تتساءل أنه كيف يمكن لجهاز صغير محمول أن يقوم بمسح الجسم ويغوص في داخل أنحاء جسم بلا أي تلامس ثم يعرض لك الحالة الصحية للمريض؟ هل يعقل ذلك؟ ربما لا تستطيع أن تتخيل أن يكون هذه الجهاز بحجم أحمر الشفاه أو الهاتف النقال، ولكن الكبير حاليا موجود، فجهاز الإف الإم آر آي (fMRI) يستطيع تصوير كل أعضائك من الداخل، ولكن هذا الجهاز كبير جدا، ويحتاج إلى غرفة كبيرة وتحتاج لأن تدخل بداخله حتى يتم تعريضك للمجال المغناطيسي الهائل ليتم تصوير جسدك، ولكن في المتسقبل سيتحول هذا الجهاز إلى جهاز محمول باليد وبإمكانه أن يقوم بنفس العمليات التي يقوم بها هذا الجهاز الضخم، هذه واحدة من الأجهزة التي يتنبأ ميشيو كاكو بوجودها خلال المئة سنة القادمة، وستكون واحدة من قدراته هي تصوير الجسم من الداخل مثل جهاز الإف الإم آر آي، وسيكون بإمكانه أيضا أن يفصّل بكامل أنواع الأمراض.

علماء من جامعة  إمبريال كوليج لندن (Imperial College London) بالاشتراك مع مؤسسة أبحاث المواد السنغافورية، طوروا طريقة جديدة للأشعة التي من شأنها أن تحول هذا الجهاز الضخم إلى جهاز محمول في اليد، وتعتمد هذه التكنولوجيا على أشعة التي (T-Rays) أو الأشعة التي ترددها بالتيرا (10 وأمامها 12 صفرا)، حاليا هذه الأشعة مستخدمة في بعض المطارات، ولكن من خلال التطوير الجديد يمكن لهذه الأشعة من اختراق الجسم وتحديد خلايا سرطانية بدقة أكبر من الإف إم آر آي الحالي، والفريق الذي يعمل على هذه التكنولوجيا استطاع أن يطور هذه الأشعة بشكل أقوى باستخدام هوائيات نانوية، هذه ستكون متوفرة في الأجهزة الصغيرة المستقبلية.

لأقدم لك بعض الأجهزة التي يعمل عليها العلماء التي من الممكن أن تستخدم لتشخيص الأمرض بالإضافة للإف إم آر آي، قبل يومين فقط أعلنت جامعة أوكسفورد عن جهاز صغير بحجم ذاكرة الفلاش ميموري، يتم تركيبه على اليو إس بي (USB) الخاص بالكمبيوتر، كانوا يعملون عليه بشكل سري لثلاث سنوات، يقوم هذه الجهاز بسلسلة جينات البشر بالكامل خلال ساعات، ويمكنه أن يسلسل جينات الفيروس خلال ثوان، يستخدم هذا الجهاز نظام المسامات النانوية، تخيل أن قبل 5 سنوات كانت قيمة سلسلة الدي إن إي هي 10 ملايين دولار، ولكن سيمكنك شراء مثل هذا الجهاز بقيمة حوالي 900 دولار ربما خلال السنة القادمة. ما الفائدة من هذا الجهاز يا ترى؟ جيناتك تحتوي على الكثير من المعلومات عن قابلية جسمك للإصابة بأمراض القلب والسرطان والخرف وغيرها من الأمراض، بمعرفة السلسلة الخاصة بك، بإمكان الطبيب تحليل حالتك الصحية بشكل أفضل، إذن أضف هذا الجهاز للترايكوردر المستقبلي، وسيتم تحليل جيناتك في جهاز محمول على اليد، وستحمل معك أنت على شيء شبيه بالفلاش ميموري كامل خريطتك الجينية التي تكونك أنت شخصيا.

تخيل باستخدام هذه الخريطة يمكن أيضا معرفة مواصفات أي مجرم بمجرد معرفة الدي إن إي المكون له، فبالإمكان معرفة طوله، ولون عينيه، ولو شعره، وعرقه، حالته الصحية، وبالإمكان رسم شكل تقريبي للشخص من خلال خريطته الجينية، قد يصعب عليك تصور ذلك، ولكن خذ على سبيل المثال أنه حينما يولد توأم فإنهما يتشابهان بشكل كبير جدا في تسلسل جيناتهما، ولذلك الواحد يشبه الآخر، وذلك يعني أن الخريطة هي التي تعطي شكلا للشخص، وكأنما نعمل فوتو كوبي للشخص من خلال جيناته، فلو أخذنا هذه الخريطة الجينية بإمكان الكمبيوتر أن يحللها واحدة واحدة، ويرسم رسمة مقاربة لشكل الشخص، وبذلك تستدل عليه السلطات.

ماذا يمكن إضافته للتراكوردر أيضا؟ شركة مايكروسوف حاليا تعمل على عدسات توضع على العين مباشرة، تستطيع هذه أن تراقب مستوى السكر في الجسم، وسيقوم هذه جهاز بطلب مستوى السكر من العدسة لاسلكيها، وهذه التكنولوجيا موجودة حاليا في المختبر واللقطة التالية تبين هذه العدسة، تخيل أنك لا تحتاج أن توخز يدك بإبرة لأخذ الدم من الجسم وتحليله، لا داعي لذلك الإزعاج لا لك ولا لأطفالك، المراقبة تتم من خلال العدسة لمستوى السكر من خلال الدمعة، ولا داعي لأن تفكر في مستوى السكر مرة أخرى، المراقبة دائمة، ركب هذه العدسة على عينك، وأضف جهاز استشعار صغير للترايكوردر ليستشعر مستوى السكر.

هذا جزء بسيط من أنواع المجسات التي بإمكانها أن تشخص المرض، وهناك الكثير مثل جهاز نانوي يستطيع أن يشم رائحة مرض القلب، وآخر لشم السرطان، بعبارة أخرى الجسم أو الفم يطلقان جزيئات في الهواء، وهذه الجزيئات تلتقطها الأجهزة الدقيقة، وتتعرف عليها وتنذر بالمرض، هنا أنا لا أتكلم عن خيال علمي، بل واقع وتجارب أجريت على الناس لأجهزة جديدة يتم اختبارها للتصنيع في المستقبل القريب، أضف كل تلك  لترايكوردر.

أعلنت شركة الإكس برايز عن جائزة قيمتها 10 ملايين دولار لمن يصنع جهاز ترايكوردر يستطيع أن يشخّص 15 مرضا مختلفا، لابد لأن يكون الجهاز هذا خفيف بحيث لا يتعدى 2.5 كيلوغرام، المشكلة ليست في عدم إمكانية تشخيص الأمراض، هذه التكنولوجيا حاليا متوفرة، ولكنها إما أن تكون كبيرة أو متفرقة، القادم في المستقبل سيكون كل ذلك في جهاز صغير محمول في اليد في متناول الطبيب، الشركات لا تهتم لعشرة ملايين دولار في الحقيقة، لأن الأموال التي ستصرفها في صناعة النموذج (البروتوتايب) الأول سيكون أضعاف مضاعفة لقيمة الجائزة، ولكن هذه بالتأكيد ستكون مشجعة للشركات لمحاولة تطوير جهاز طبي كان خياليا في الماضي وليصبح حقيقة في القريب.

بل أكثر من ذلك، في خلال المئة سنة القادمة ستكون هذه المجسات في حمام منزلك وتكون متصلة بالكمبيوتر لا سلكيا، وإذا وقفت أمام المرآة وتنفست، ستقوم تلك الأجهزة بقياس حالتك الصحية، أو من خلال مجسات تقيس حالتك من خلال التبول في المرحاض، أو من خلال خلايا وجهك التي سقطت أثناء الحلاقة، وما أشبه، فتعرض لك المرآة حالتك الصحية، وستقوم بتوجيهك للطبيب إن كانت هناك حاجة لذلك، وتخيل أيضا أن ملابسك فيها مجسات، فلو خرجت من المنزل وحصل لك حادث سيارة، فعندها ستقوم ملابسك باستشعار وضعك الصحي، فتتصل ملابسك بالطبيب وتستدعي الإسعاف، وما على المسعف سوى أن يمرر على جسد الترايكوردر ويسجل حالتك الصحية بالكامل، ثم ترسل مباشرة للمستشفى، ويكون الطبيب بانتظارك ومعه كامل معلوماتك.

أنا شخصيا أرى أن مثل هذه الأمور ستكون متواجدة في الهاتف المتنقل أو على الأقل التحاليل والمعلومات ستتواجد على النقال في المستقبل القريب، لاحظ مثلا أن الكثير من الشركات أنتجت مجسات ممكن تركيبها على أنحاء مختلفة من الجسم، فترسل هذه المعلومات للآيفون، فيقوم الآيفون بإعطائك إحصائيات، خذ على سبيل المثال شركة ناكي، وضعت المجسات في الحذاء، حينما تركض أو تقفز أو تتحرك فإن الحذاء يسجل كل هذه المعلومات لتنتقل بعد ذلك للآيفون فيعطيك إحصائيات عن طبيعة نشاطك، وبذلك بإمكانك التنافس مع الأصدقاء لترى من يتحرك أكثر، أو مثلا الكثير من الشركات الآن صنعت أجهزة إما أن تربط على الرسغ أو الرأس، فتقوم بستجيل نمط نومك، فيعطيك إحصائيات في الصباح عن بداية النوم، وعن النوم العميق، أضف لذلك أنه يغير من تعاملك مع المنبه في الصباح، فبدلا من أن يفيقك في وقت يكون فيه نومك عميقا، وبذلك تقوم من النوم وأنت منزعج، ينتظر حتى تخرج من النوم العميق فيفيقك المنبه، وهناك أيضا قراءة ضغط الدم، ترسل هذه المعلومات للآيفون وتقدم لك بشكل مناسب، وكذلك دقات القلب ترسل للآيفون، كل هذه الأشياء متوفرة في السوق الآن، إذن، فلذلك من البديهي أن تكون المجسات الأخرى متصلة بالهاتف النقال، حتى تحصل على المعلومات الطبية التي تحتاجها عن نفسك في أي وقت وأي مكان.

هذه نبذة بسيطة من الإمكانيات، وإن كانت هناك أنواع كثيرة من المجسات التي تستشعر المرض، أما من ناحية العلاج، تخيل معي أن بعد أن يتم تحديد المرض يقوم الجسم بمعالجة نفسه بنفسه، كيف؟ ما سأقوله الآن سيبدو وكأنه خيال علمي، ولكن حقيقة واقعية اليوم، وهو قائم في المختبرات، وتستطيع أن ترى بعض النماذج منه من خلال اللقطات التالية.

الطبيب والدواء كلاهما معك طوال الوقت

نجحت جامعة الإم آي تي من إعطاء الدواء لمرضى من خلال رقاقة كمبيوتر (Chip)، ما المشكلة بالضبط؟ الكثير من المرضى يحتاجون لأن يتعاطوا الدواء إما من خلال حبوب أو من خلال أبر، وهناك مشكلتان تواجه الكثير من الناس وخصوصا في الكبار في السن، المشكلة الأولى هي مشكلة النسيان، والمشكلة الثانية هي مشكلة إزعاج وخزة الإبرة والذهاب للمستشفى لأخذها من الممرض، نجح العلماء في إعطاء 20 جرعة من الدواء لـ 7 نساء بين العمر 65 و 70 سنة، أدخلوا هذا الجهاز إلى داخل الجسم تحت الحزام بعملية جراحية مدتها 30 دقيقة، الجهاز التجريبي يأتي بعرض إصبعين وطول عقلتي الإصبع، كلما حان موعد الدواء قام الجهاز بإذابة خليط من المعادن التي تغطي فتحة مجرى الدواء عن طريق شحنة كهربائية، فيصب الدواء مباشرة في الجسم، ولذلك لا حاجة للمريض أن يفكر في تعاطي الدواء هو بنفسه نهائيا، أضف لذلك لو أن الطبيب احتاج لأن يقدم جرعة مضاعفة فبإمكانه أن يرسل إشارة لاسلكية إلى الجهاز ويشغل الجهاز مباشرة، بالطبع هذه الفكرة تحتاج لأن يكون هناك أمان من أن يدخل هاكر إلى الجهاز من الكمبيوتر ويصدر أوامر لاسلكية ويزيد الجرعة ويقتل المريض، ولكن هذه لاشك ستكون من أولويات الأطباء، جربت الإم آي تي هذه التجربة على النساء لمدة 4 أشهر بلا أية مشاكل، وسيقومون بزيادة عدد الجرعات إلى 400 جرعة في الجهاز الواحد.

أما في ناسا، فقد قاموا باختراع طريقة أخرى أفضل من السابقة ولها مميزات مختلفة، فمن المشاكل التي تواجه رواد الفضاء هي مشكلة المرض، تخيل لو أن رائدا للفضاء أراد الذهاب إلى المريخ، وفي الطريق أصيب بوعكة، أو أصابته الإشعاعات، ولم يكن الطبيب متوفرا في تلك الأثناء، قد يمرض وقد يموت، وخصوصا أن بعض الإشعاعات الشمسية تنطلق بشكل عنيف، وهذه تؤثر على مناعة الرائد أو حتى نخاع العظام، لذلك قامت ناسا باختراع كبسولة صغيرة أصغر من حجم كبسولة الأدوية المتعارف عليها، صنعتها من أنابيب نانوية كربونية (Carbon Nano Tubes)، تزرع عدة كبسولات من هذه في الجسم وفي عدة نواحي على حسب الحاجة، ولكل منها دور معين، ما تفعله هذه الأدويه أنها حينما تتأثر بالحالة المرضية للرائد تتفتت مباشرة وتنشر الدواء في أنحاء الجسم أو إلى المكان المخصص للدواء، وكل كبسولة تتأثر بنوع معين من الأمراض، وتخدم غرضا معينا، وتبقى في الجسم بلا أي أثر ضار إلى أن يرجع رائد الفضاء إلى الأرض فيقوم الطبيب إبزالتها، سميت هذه الكبسولة بالبايوكابسول (Biocapsule) (توجه للرابط السابق لترى لقطة تشرح الفكرة)، وفي المستقبل سوف تستخدم هذه لمرضى السكري، وستاهم في امتصاص الإنسولين.

قطع الغيار البشري

تعاطي الأدوية بالطريقة هذه ربما يكون مناسبا لأدوية الروتينية وبعض أنواع الأمراض، ولكن ماذا أصيبت معدة أو كلية أو قلب أو عضو آخر بخلل لا يمكن إصلاحه؟ ماذا لو تهشمت العظام، ماذا عن الأنف أو الفك أو أي جزء من أجزاء جسمك؟ سيكون بإمكان الأطباء التبضع لهذه الأجزاء وعلى حسب ذوقك أو حاجتك، هذه الأعضاء يتم إنمائها في المختبر حاليا، ويتم طباعة بعضها أيضا، خذ على سبيل المثال أن في سنة 2007 قام العلماء بإنماء المثانة، وفي سنة 2009 قاموا بإنماء القصبة الهوائية، ويعمل العلماء حاليا على إنماء الكبد، الصعوبة في الكبد أنه يتكون من عدة أنسجة، وهو معقد جدا بالمقارنة مع القصبة الهوائية أو المثانة، ولكن لاشك أن هذا سيحدث في المستقبل الغير بعيد.

أضف لذلك الطابعة الثلاثية الأبعاد والتي تستطيع أن تطبع قطع غيار الجسم، نعم، وقد ذهب صديقي إلى طبيب الأسنان هنا في الكويت، وبعد أن صور له ضرسه من عدة جوانب قام الطبيب بطباعة ضرس جديد باستخدام طابعة ثلاثبة الأبعاد، كان يستمع لصوت الطابعة أثناء طباعتها (لم أر الطابعة بنفسي، ولذلك يخيل لي صوت الطابعة التي تطبع الأوراق)، قد تقول أن طباعة الضرس عملية سهلة، الضرس صغير وليس فيه تعقيد كبير. يصعب علي أن اتفق مع أحد يسهل مثل هذه الطباعة، ولكن لنرفع من مستوى التحدي.

قبل أيام استبدل الأطباء الفك السفلي لإمرأة عمرها 83 سنة بفك مطبوع باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد، وكانت هذه أول عمليه من هذا النوع، أصيبت بمرض في فكها ففسد، المشكلة أنه في عمرها هذا قد تضرها عملية التجميل، ولذلك قرر الأطباء أن يستبدلوا فكها بآخر مطبوع، قد تتصور طباعة الفك هي عملية سهلة، ولكن ليست كذلك، فلابد للأطباء من الاهتمام شكل الفك الصناعي حتى تتصل به العضلات بشكل سليم، وكذلك بالنسبة للأعصاب والأوردة، بعد أن صمموا الفك، وطبعوه باستخدام الطابعة التي تستخدم الليزر لصهر مسحوق مادة التايتينيوم (كل طبقة تنتجها الطابعة كانت بسماكة 1 مليمتر، وهذه صغيرة جدا، وكل 1 مليمترا يحتوي على 33 طبقة من التاتينيوم المصهور الذي تم تشكيله على شكل فكها)،  لم تستغرق منهم عملية الطباعة سوى ساعات، وزراعة الفك المطبوع في وجهها استغرق 4 ساعات، الجميل في ذلك كله أنها بعد أن أفاقت من المخدر استطاعت أن تنطق بمجموعة بسيطة من الكلمات، وفي اليوم التالي استطاعت أن تبتلع الطعام، وبعد 4 أيام رجعت إلى منزلها، الفك الصناعي أثقل من فكها السابق بقدر 107 جرام، وهذا يعادل ثلثي وزن الآيفون، وبعد شهر من الآن سيبدأ العلماء بتركيب اسنانها الصناعية.

Jaw part being covered with bioceramic coating

حتى الخلايا البشري يتم طباعتها الآن في المختبرات، قرأت قبل فترة طويلة أن طباعة خلايا الجسد تتم بطابعة تستخدم نفس النفاثات التي تنفث الحبر في الطابعة الورقية، فعلا، ليست هذه مبالغة، ولكن الخبر الجديد الآن يقول أن الطباعة تطورت بحيث يمكن الآن طباعة خلايا القلب والأوعية الدموية والعضلات، وأن هذه الخلايا تتفاعل مع بعضها كما تتفاعل الخلايا في الجسد، وسيبدأ العلماء في القريب استخدام هذه الخلايا المطبوعة للدراسة الأدوية عليها، فبدلا من حقن إنسان بالدواء لمعرفة المضار، يمكن حقن هذه الخلايا بالدواء وإقامة التجارب عليها، وبالتأكيد حينما تنضح هذه الطريقة ستطبع الكثير من الأعضاء ويتم زراعتها في الجسم.

إذن، طباعة قطع الغيار الإنسانية ستكون متوفرة في المستقبل بكل سهولة، تدخل عند الطبيب وتخرج بأعضاء جديدة إما جاهزة أو مطبوعة لتناسبك شخصيا، لاحظ أيضا أن الأطباء قاموا بهذه العملية على إمرأة في سن متقدم، وذلك يعني أن العمر البشري يطول أكثر فأكثر، وكلما اهترأ شيء في جسدك لسبب أو لآخر ستيم استبداله، وستكون أعضاء جسدك متوفرة بكل أنواعها.

Posted in Uncategorized | Leave a comment

السايوير وأفضل الأخبار العلمية لسنة 2011

السايوير وأفضل الأخبار العلمية لسنة 2011

speaker_icon disk
ipod

السايوير من البداية

عادة، حينما يكون هناك برنامج مثل برنامجي يقوم المقدم للبرنامج بتلخيص أهم ما جرى فيها خلال السنة الجارية في نهاية العام، بما أن هذه أول سنة سأقوم فيها بالتحدث عن النشاط في السنة الماضية سأشمل موضوعين رئيسيين، الأول هو أفضل مواضيع البودكاست لسنة 2011، وايضا سأتكلم عن أفضل 10 أخبار علمية لنفس السنة هذه، ولكن بما أن هذه أول مرة أصنع فيها بودكاست بهذا الطريقة سيكون الحديث عن البودكاست من البداية وستكون النظرة عامة عن الحلقات منذ البداية، وفي السنوات القادمة إن شاء الله سأتحدث عن سنة واحدة فقط.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

السايوير وأفضل الحلقات التي استمع لها أكثر الناس

أول حلقة للسايوير بودكاست نزلت كانت في 13/8/2009، وكانت الحلقة عن التليسكوب كيبلر، قررت أنه حينما أصنع أي بودكاست أن أكتب المحتوى قبل أن أسجل صوتي، بعض المستمعين لا يعلمون أنني أقرأ من على الشاشة ما قد جهزت له مسبقا، وإني أحول الكلمات باللغة العربية إلى حل وسط بين اللهجة الكويتية واللغة العربية، وأحيانا أنجح في انتقاء الكلمة على عجالة، وأحيانا أفشل في اللهجة وحتى في اللغة، أنا أعرف أن البعض يفضل أن أتكلم باللغة العربية، خصوصا من هم خارج نطاق الخليج، ولكن مشكلتي أنني لا أستطيع ضمان إعراب الكلمة بالشكل الصحيح، فقررت الهروب إلى الأسهل (وحتى هذه الحلقة، كتبتها أولا، ثم بدأت بقراءتها)، عموما، الكتابة مهمة جدا لترتيب وتنظيم الأفكار بشكل متسلسل.

في أول أسبوع لي بعد نشر أول بودكاست حصلت على 35 مستمع  (قياس عدد المستمعين يتم على مدى أسبوع كامل، كما هو متعارف في عالم البودكاست)، أذكر حينما صنعت أول بودكاست كنت أراجع الإنترنت عدة مرات كل يوم حتى أعرف إن نزّل البودكاست أحد، ولكن حتى بعد أن قمت بفتح عدة حسابات على منتديات ووضع موضوع السايوير على كل من تلك المنتديات للإعلان عنه إلا أنه لم يرتفع العدد كثيرا. كان هناك أخرون في الساحة، ولكن في تلك الأيام لم يكن هناك بودكاست عربي علمي وتكنولوجي واحد، كان هناك برنامج تكنولوجي واحد على الإنترنت فقط، فكان الطنين في أذني يقول لي أن هذا العدد غير منطقي، لابد أن الكثير من الناس تبحث عن برامج تقدم له العلم، فأين هم؟

عملت بودكاست بعد الآخر، ولكن التجارب لم تأت بنتيجة موفقة، الأعداد تزداد ولكنها تزداد ببطئ شديد، المشكلة في ذلك أنه لو أن الأعداد توقفت عن الازدياد لاتخذت القرار في أن أجتث البودكاست من جذوره وأرميه، ولو أنه ازداد في العدد بسرعة، لهانت الأمور أيضا، لأصبحت سعيد جدا لأن الصوت العلمي يصل لأعداد كبيرة، ولكن الوضوع الوسط جعلني مترددا، فتارة أتشجع وتارة أتحبط، أحيانا أقرر أن أهجر البودكاست، ولكني كنت أندفع حينما أفكر في موضوع علمي شيق أعتقد أنه مفيد للناس، فأرجع مرة أخرى لأصنع بودكاست جديد.

في الحقيقة إني أستمتع بنشر العلم، ويهمني جدا أن أنشر المعلومات الصحيحة على قدر الإمكان، لماذا؟ لأن هناك الكثير ممن يطرحون “العلم” بطريقة جذابة ويقومون بربطها بقضايا أخرى غير علمية بهدف التكسب، وهنا أقولها بصراحة، أن الكثير منهم لا يهمه أن تكون المعلومة التي ينشرها صحيحة أو خاطئة، ولا يهمه أن يضيف للمعلومات بهارات زائدة غير دقيقة فقط ليجذب الناس ويحصل على أكبر عدد ممكن من المتابعين (سواء على شاشات التلفزيون أو الراديو أو اليوتيوب أو ما أشبه)، البعض بحسن نية يغالط في المعلومات، والبعض الآخر يقوم بذلك بسوء نية، والأسوء من هذا أن أولئك الأشخاص لا يقومون بتصحيح أخطائهم حتى بعد اكتشافهم لها، وهذه مصيبة، ولذلك واحدة من أهدافي هي الاهتمام بصحة المعلومة على قدر الإمكان مع تصحيح الخطأ حينما أكتشفه، هذا يعطي للبودكاست مصداقية، والكثير من المستمعين أكدوا لي أنهم يطمئنون لسماع البودكاست لهذا السبب.

بعد أن بدأ البودكاست بعدد بسيط من الناس الآن يستمع له الآلاف من العالم العربي، بما في ذلك العرب الذين يعيشون في الكثير من الدول الغربية، لدي إحصائيات للبودكاستات وهذه الإحصائيات تبين أعداد الإنزلات للبودكاست من على الإنترت، أضف لذلك أن الكثير من الشباب – حسب ما ذكر لي في الإيميل – يسجل البودكاست على السي دي ويوزعها في منطقته لنشر العلم، وأنا شاكر لهم كثيرا هذا المجهود، لن أعلن عن الإحصائيات حتى تصل إلى حد يمكنني به أن أتحدى البودكاستات الإمريكية، فبعض البودكاستات الإمريكية أعداد مستمعيها تصل لمئات الآلاف أسبوعيا.

الآن أنا وصلت إلى الحلقة الـ 71، وفي هذه الحلقات مزجت بين المواضيع المختلفة حتى أصل إلى أكبر عدد من المستمعين باختلاف أذواقهم، ولكني أشعر أن هناك عدة نواقص، منها وفي مقدمتها حلقات عن البيئة، وهو موضوع مهم جدا، والعالم الآن يعاني من مشاكل التغيرات المناخية، وهناك نواقص في المواضيع الطبية والبيولوجية بشكل عام، وهذه تحتاج لشخص متخصص جدا، لذلك أحتاج لأطباء ومختصين للحديث في هذا المجال، هناك أيضا خلل في المقابلات، كلها إلى الآن رجالية، أحتاج لأن أطور من هذا الجانب ولأقابل شخصيات علمية نسائية، وهي موجودة، ولكني أحتاج أن أركز في بحثي عنهم المرات القادمة.

أما بالنسبة لأفضل 10 الحلقات وأكثرها إنزالا من الإنترنت حسب الإحصائيات فهي كالتالي (وتستطيع أن تقارن اختياراتك لأفضل الحلقات مع أذواق الناس):

10. نهاية العالم 2012

9. حقيقة الأشياء.

8. التصنيف والجماعات (علم الإجتماع).

7. لماذا نرى الأنماط

6. التكنولوجيا النانو: مقابلة مع الدكتور عبد الوهاب المسلم.

5. رحلة  مع الذرة عبر الزمن 2: مقابلة مع المهندس عايد العجمي.

4. التنافس الكبير: العقل البشري والذكاء الإصطناعي 2.

3. قراءة الأفكار وعرض مصور للأفكار (نهاية الخصوصية).

2. من العد إلى كون الرياضيات.

1. العالمون: الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة.

سألت المتابعين على الفيس بوك عن آرائهم في أفضل الحلقات وأيضا وصلتني رسائل بالإيميل مسبقا تمتدح بعض الحلقات، هناك تباين كبير في الآراء، ومن الصعب علي تقرير أي من الحلقات لها الوزن الأكبر في التفضيل، الكثير من المستمعين ذكروا لي من حلقات مفضلة لديهم وقد ذكرتها من ضمن العشر الأفضل (لن أعيد ذكرها مرة أخرى)، هناك حلقات أخرى لم تكن في القائمة السابقة أعجب بها الكثير، مثل حلقة التحكم بالأحلام، والنظرية النسبية الخاصة العامة، وحلقة الألغاز، وكذلك قصة هنرياتا لاكس العاطفية، والرجل المطر.

أكثر 10 دول استماعا للبودكاست هي السعودية وهي أكثر الدول استماعا بلا منزاع، ثم الولايات المتحدة الأمريكية والكويت ومصر والجزائر والمغرب والإمارات ثم العراق بريطانيا والبحرين، والاستماعات تصل من الشرق إلى الغرب بما في ذلك الصين والهند، ليصل إجمالي الدول المستعمة إلى 110 دول.

وصلتني رسائل عديدة من المستمعين سواء من خلال الإيميل أو الفيس بوك الذي وصل متابعوه إلى 46,000 معجب بالسايوير، وأيضا من خلال المدونة وصلتني رسائل وكذلك من خلال التعليقات على الآيتيونز، ولولا اهتمامكم بالسايوير بودكاست لما كان لهذه الحلقات أن تكمل مسيرتها، ودليل نجاح أي مشروع من هذا النوع يأتي من أصوات التفاعل من الناس، فأشكركم جميعا للاستماع للبودكاست وكذلك لنشر البودكاست ولإرسال رسائل طيبة مليئة بالمحبة  التشجيع.

هناك أيضا بعض المستمعين الخارقين، وأولئك ساهموا في نشر البودكاست والكتابة عنه ودعوة الناس لسماعه بحماس شديد جدا، بعضهم أعرفهم شخصيا، وبعضهم أصبح صديق والبعض لا أعرفه على المستوى الشخصي وإن كان يستحق المعرفة، من أولئك النشطين اخترت البعض لأشكره بطريقة خفية قد تخفى عن الكثير من المستمعين للسايوير، وهي أنني أذكر أسماءهم في قصة من القصص التي أؤلفها، لكني لا أذكر الإسم بالضبط بل أغير منه قليلا، فأتوج الحلقة باسم الشخص بطريقة غير مباشرة، هناك من الأسماء التي ستأتي لاحقا في القصص المستقبلية، أولئك لم أجد الفرصة لأشكرهم بعد، هناك عدة أسماء تضل تدور في ذهني وأنا مقصر في حقهم، وخصوصا أنهم من الذين ساهموا ليس فقط في نشر البودكاست بل أن مساهماتهم ونصائحهم أثرت في البودكاست بشكل مباشر وجعلته أفضل بكثير.

بعض التعليقات

عبد الرحمن السديس يقول على الفيس بوك: “… بعدما سمعت الحلقات التالية ادركت بعدا اخر للحياة والفلسفة والتفكير في الوجود ، حتى في نقاشاتي مع الزملاء اصبحت اكثر قوة وتشويقا…” يهمني جدا أن النقاشات ترتفع بين الشاباب.

ومن على المدونة تصل الكثير من التعليقات، وأود أن أشير إلى أن الكثير ممن يكتشف البودكاست يندم أنه لم يعرف عنه في السابق، ولذلك تجدوني دائما أنصح بنشر البودكاست، وذلك لأن الكثير حينما يكتشف وجود المادة العلمية يجد بديل مناسب للبرامج الأخرى. وهذه رسالة من م. عبد الرحمن من مصر من على المدونة: “الحقيقة أنا مبهور!!!!! رائع أخي الفاضل، مباشرة مدونتك المفضلة، لا أدري لماذا لم أسمع بك من قبل، وسأبدأ من الحلقة الأولى إنه شاء الله لأستفيد…

هناك الكثير الكثير من التعليقات التي فيها من المديح الذي لا يمكن لي أن أذكرها من غير أن ينتفخ رأسي بالتكبر، وبعضها يصل في المديح إلى درجات عالية جدا، ولكني أظل شاكر للشباب والشابات لإرسالهم لهذه الرسائل، هي التي تدفعني إلى الأمام.

كلمة أخيرة عن البودكاست، ونصيحة لكل من تسول له نفسه صناعة البودكاست، البودكاست ليس عن المقدم للبرنامج، البودكاست ليس عن شخصيته، البودكاست هو برنامج عن المستمعين، هو عن ما يهم المستمعين، أو بالأحرى عن أسئلة تهم المستمعين وإن لم يسألوها إلا ضمنيا، الكثير من البودكاستات الناجحة تجيب على هذه الأسئلة، وأنا أحاول أن أجيب عليها أيضا، ولذلك تجد أنك تنجذب كما ينجذب غيرك لهذه البودكاستات التي تتعرض للإجابة عليها، ما هي هذه الأسئلة يا ترى؟ إنها أسئلة مفصلية في حياتك.

من أين أتينا؟ ما هو المطلوب منا الآن؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ ربما تقول “فففففه” هذه الأسئلة تمت الإجابة عليها في الدين، نعم تمت الإجابة عليها في الأديان، وفي الفلسفة وفي الأساطير وفي العلوم، صحيح، قد تكون هناك أجابات صحيحة، وقد تكون هناك أجابات خاطئة، ولكن من الناحية العلمية هناك تفصيل طويل عريض في سرد الإجابة، قد لا تتعلق الإجابة في الناحية الروحية، ولكنها تجيب على النواحي المادية البحتة، وهذه أيضا لها سحرها الخاص، في محاولات لأجابة العلم على هذه الأسئلة تُطرح نظرية الإنفجار العظيم وبدايات تكون الكون، وتطرح فكرة اتساع الكون، ويُفصل في المكونات الأساسية لهذا الكون بما في ذلك مكوناتك أنت المادية، ويفصل فيها تفصيلا كبيرا، ثم يتحدث العلم عن تكون الأرض وتطورها على مر السنين، ذلك هو الماضي، ثم ننتقل للإنسان ووجوده مع باقي المخلوقات، وأيضا علاقة الإنسان بالإنسان، وعلاقة الإنسان بنفسه، كيف يفكر الإنسان؟ وكيف يعمل عقله؟ وما هي حقيقة تلك الأشياء من حوله؟ ثم يفكر في تعمير الأرض والنظر إلى السماء والتأمل فيها، والبحث عن حياة ذكية شبية به، ثم ينظر للمستقبل، كيف سنكون نحن في المستقبل؟ هل سنتحول إلى سايبورجات (خليط بين البيولوجيا والإلكترونيات) هل ستتغلب علينا الكمبيوترات؟ هل سنغزوا الكواكب والمجرات وننشئ إمبراطوريات كونية؟ إلى أي مدى يمكننا أن نصل؟

لذلك إذا كنت تفكر في صناعة بودكاست فكر في سبب صناعة الحلقة، لماذا هي مهمة بالنسبة لي كإنسان؟ حتى لو كانت الأهمية بسيطة، عندها تكفي هذه الفكرة لصناعة حلقة، ربما لم أوفق في كل الحلقة لتكون الحلقة مهمة بالنسبة لنا كبشر، ولكن بالتأكيد هذه النصيحة لم تأت من تجربتي فحسب، بل من الكثير من التجارب التي قرأتها في الكثير من الكتب.

أقوى وأهم الأخبار العلمية والتكنولوجية لسنة 2011

بحثت على الإنترنت عن أقوى وأكبر أخبار العلمية التكنولوجية، المواقع تختلف اختلافا بسيطا في الأخبار أو في ترتيبها، أنا قمت بعمل مزج على حسب قراءتي للأخبار على مدى السنة الماضية، وعلى حسب قوة انتشار الخبر، لا أختلف كثيرا في الترتيب وانتقاء الأخبار، سأقدم الأخبار بشكل تنازلي، من العاشر إلى الأول في مستوى قوة الخبر وانتشاره.

10. ما لا تعرفه هو أن هناك العشرات الآلاف من الناس يقومون بطباعة الأشياء باستخدام طابعة جديدة قد تصل إليك في المستقبل القريب، هذه الطابعة هي الطابعة الثلاثية الأبعاد، الكثير من المواقع تحدثت ونشرت أخبارا عن هذه الطابعة، وكما هو واضح أن الطابعة هذه بدأت بالانتقال من الشركات الخاصة إلى أيدي عامة الناس، أحد الأصدقاء أخبرني أنه دخل على طبيب الأسنان لإصلاح إحدى أسنانه، فطبع له الطبيب ضرسا جديدا باستخدام آلة طابعة ثلاثية الأبعاد، ثم ركب الضرس في فمه، وهذا بصراحة إنجاز كبير، بالتأكيد أن طابعة مثل تلك مكلفة، ولكن الطابعات الثلاثية الأبعاد الحالية رخيصة وابتدائية، ليس ذلك فحسب، بل إن الأكبر من ذلك أن الطابعة التي تطبع أي شكل ثلاثي الأبعاد بإمكانها طباعة نسخة من نفسها، وهذا فعلا ما يقوم به بعض المستخدمين، حيث يطبعون القطع المختلفة التي تكوّن الطابعة، ثم يقومون بتركيب طابعة جديدة، لكن إن لم ترد أن تشتري طابعة ثلاثية الأبعاد وتود أن تطبع شيئا تستطيع رسم رسمة ثلاثية الأبعاد، ثم ترسلها على الإنترنت لشركات معينة، وبمجرد إرسال الصورة تقوم الشركة بطباعتها وإرسالها لك خلال 10 أيام.

9. استخراج الصور التي تراها من داخل المخ، استطاع العلماء أن يتنزعوا الصور لمشاهد تراها بعينيك، ينتزعونها من المخ باستخدام تصوير لتدفق الدم في المخ، الفكرة لا تعتمد على فتح المخ، كل ما هنالك أن المخ  يُصوَّر باستخدام الإف الإمي آر آي (fMRI) أثناء مشاهدة الشخص للقطات، صور الإم آر آي هذه تحتوي على حركة تدفق الدم في منطقة من مناطق المخ المرتبطة في العين، ثم باستخدام نموذج للمخ يقوم الكمبيوتر بتركيب صور متحركة تتاشبه مع الصور التي رآها الشخص بناءا على تحليل حركة الدم، الصور التي انتزعها العلماء من المخ لم تكن دقيقة، ولكنها تكفي لتُوقف شعر جلدك، هذه بداية الطريق، ومع تحسين الإف إم آر آي والتحاليل الكمبيوترية، سيتمكن العلماء من أن يشاهدوا أفكار الشخص في المستقبل مع أحلامه، وذلك اقتحام للخصوصية التي لطالما تمتع بها الإنسان.

8. رحلة للمريخ لاكتشاف ما إذا كانت هناك أي دلائل لحياة سابقة ميكروبية ابتدائية على سطح المريخ، بعثت ناسا مركبة فضائية وهذه المركبة اسمها كيوريوسيتي (Curiosity)  أو الفضول، ستبحث المركبة عن الماء أيضا، جهزت المركبة بعشر أجهزة تمكنها من التمحيص في التربة وأخذ عينات منها وتحليلها في مختبر مصغر، المركبة هذه كبيرة جدا في الحجم، وربما لو تشاهد الصور فلن تسعفك لمعرفة حجمها الحقيقي، إلى أن تقارنها بإنسان يقف بجانبها، حجمها يصل إلى حجم سيارة رباعي الدفع، ولها ستة عجلات، وتستطيع الدوران 360 درجة وهي في مكانها، وبإمكانها أيضا الصعود على تلال حادة الإنحدار. انطلقت المركبة في شهر نوفمبر (2011) وستهبط المركبة على المريخ في شهر 8/2012. ذلك سيكون يوما رائعا أنتظره بتلهف وشوق.

7. وفاة الأسطورة ستيف جوبز في عالم التكنولوجيا، العالم كله تأثر لفقدان الرجل الذي قفز على سرير التكنولوجيا ليوقض النائمين عليه، كان له تأثيرا ساحرا في إيصال المنتوج التكنولوجي للعالم، حتى كان يقال أن لديه المجال المحرف أو المشوه (Distortion Field) (كما في يقال في الأفلام الخيالية)، فكلما خرج على المسرح ليتحدث عن تكنولوجيا جديدة أفقد الحضور توازنهم، له تأثيرات كبيرة في عدة مجالات، منها الرسوم المتحركة الثلاثية الأبعاد، ومنها شركة أبل ومنتوجاتها التي غيرت بوصلة الشركات الأخرى، لم يكن ذلك فحسب، بل كان يتدخل في تفاصيل كل شيء يتم صناعته، حتى يضمن أن يكون ذلك الشيء في أحسن أحواله، فقدم لنا منتوجات إلكترونية مثل الآيفون الآيبود الآيباد والماك والآيتيونز.

6. واتسون يتغلب على البشر في مسابقة الجيبردي: يبدو أن عصر الكمبيوتر المتفوق على الإنسان قريب، الخطوات في تسارع، والكمبيوترات لا تكل ولا تمل، والإنسان يطورها بلا أي تردد، الآلات تستطيع أن تمشي على أربع، وعلى رجلين حالها حال الإنسان، التطورات هائلة في جعْل الكمبيوتر يميّز الأشياء، والتطورات في الذكاء الاصطناعي ليس لها مثيل، والأكبر قادم، ولكن في الخطوة الحالية للقضاء على البشر نجد أن شركة آي بي إم صنعت كمبيوترا يضاهي الإنسان في حل الألغاز في المسابقة الشهيرة  الجيبردي، وقد تغلب على أقوى لاعبي هذه اللعبة، وبعد هذا الفوز الساحق بدأت شركة الآي بي إم في تحويله إلى مشخص لأمراض، وفي المستقبل ربما سيكون هناك شيء شبيه بمحرك البحث جوجل، وستتمكن من إدخال حالتك الصحية وسيجيب عليك الكمبيوتر بدقة أكبر من دقة الطبيب في تشخيص المرض، وبعدها ربما يأتي اليوم الذي نطرح سؤالا فقهيا، ويجيب عليه الكمبيوتر، لقد تحدثت عن موضوع واتسون في حلقة الصراع ما بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي، وسأتناول في الحلقة الأخيرة أشياء قد تصدمك عن التطورات في هذه المجال مما سيدعوك للنظر في قدرات الإنسان وفي تفوق الكمبيوتر المستقبلي، كل ذلك سيهزك من الأعماق. أما الآن فنحن نستمتع بقدرة الكمبيوتر على تحطيم قدرات الإنسان واحدة بواحدة.

5. الهيجز بوزن، وإن لم يكن هناك تأكيد على أن الجسيم الذي يتسبب بإعطاء الأشياء كتلها اكتشف، إلا أن العلماء في سيرن (CERN) كشفوا عن احتمال كبير لوجوده في الطبيعة، كلف المصادم الهدروني الكبير حوالي 10 مليارات دولار، وواحدة من أهدافه الكبرى هو الكشف عن وجود أو عدم وجود هذ الجسيم، والهيجز بوزون إنما هو آخر حلقة مفقودة في النوذج المعياري (Standard Model). نظرية النموذج المعياري تتنبأ بوجود مثل هذا الجسيم. سننتظر إلى ربما منتصف السنة القادمة لنعرف النتائج الكاملة، عندها سيؤكد أو ينفي العلماء وجود هذا الجسيم المهم.

4. من أكثر المواضيع العلمية تكرارا في الأخبار هي مواضيع اكتشافات لكواكب شبيهة بالأرض، أنا شخصيا أتابع هذا الموضوع بحماس لأهميته. بالرغم من أننا نعيش على أرض واسعة، وفيها 7,000,000,000 شخص إلا أننا لا نزال نحس بالوحدة، هل الإنسان فريد من نوعه في الكون أم أنه فصيلة من فصائل فضائية تعيش على كواكب أخرى؟ يحاول العلماء الإجابة على هذا السؤال من خلال البحث عن كواكب شبيهة بالأرض، المشكلة في ذلك أن رؤية تلك الكواكب باستخدام المناظير التي تعتمد على العدسات مستحيل، وذلك لبعد الكواكب هذه عن الأرض، فتخيل أن أقرب نجم للأرض بعد الشمس هو آلفا سانتوري (على حد ذاكرتي)، وهو يبعد عنا بقدر 4.3 سنة ضوئية، ولا أعتقد أن تلك النقطة تحتوي على كواكب، ولكن باستخدام التليسكوب كبلر والذي أطلقه العلماء في شهر 3 من سنة 2009 استطاع العلماء رؤية الكثير من الكواكب، وقد قمت بعمل أول بودكاست لي عن  هذا التليسكوب حينما أعلن العلماء اكتشاف أول كوكب لهم باستخدامه. وحتى يومنا هذا اكتشف العلماء 2326 كوكب مرشح (أي أنه يعتقد أنه كوكب ولكن يم يتم التأكد منه 100%) من تلك الكواكب المرشحة  أكد العلماء على أن 33 منها هي كواكب بالتأكيد، ذكرت في السابق أن هناك 200 مليار – 400 مليار نجمة في مجرتنا فقط، وقرأت خبرا قبل فترة أن العلماء اكتشفوا أن هناك عددا من الكواكب العائمة (باردة غير مرتبطة بنجم وتنجرف في الفضاء لوحدها) وعددها يصل إلى عدد النجوم في السماء أي 200-400 مليار كوكب، أما ما يبحث عنه العلماء هو الكواكب التي تدور حول نجوم، وهذه كثيرة أيضا، وإذا ما وجدوا كواكب تبعد عن نجومها بقدر ما تبعد الأرض عن الشمس وتتصف بصفات الأرض، فقد يعني ذلك أن الحياة عليها شبه مؤكدة، ولن يبقى سوى محاولة التواصل معها. أشبه كوكب بالأرض وجده العلماء كتلته ما بين 0.66 إلى 3.04 بالمقارنة مع كتلة الأرض، وله قطر يعادل 1.034 لقطر الأرض ودرجة حرارة سطحة كبيرة، وهي 431 درجة مئوية، ويدور حول النجم في سنة مدتها 19.5 يوم، يسمى ذلك الكوكب بـ Kepler-20f، ويبعد عنا بحوالي 950 سنة ضويئة.

3. نيوترينوز أسرع من الضوء: صدر هذا الخبر الذي قلب العالم العلمي بأكمله رأسا على عقب، لم تبق هناك جريدة علمية لم تتحدث عن هذا الموضوع بحماس، وتكاتف العلماء على فهم هذه المشكلة ووضع حلول لتفادي قبول جسيم يسير بسرعة أسرع من الضوء، وصدرت عدة نكات تسخر من فكرة أن النيوترينو أسرع من الضوء.
الخبر غريب، المعروف أن سرعة الضوء هي حوالي 300,000 كيلومتر في الثانية، اكتشف العلماء في سيرن بعد عدة اختبارات وعلى مدى سنوات أن النيوترينو حينما أطلق مسافة 720 كم بين نقطتين في الأرض أنه يصل قبل الضوء بقدر 60 جزء من مليار من الثانية قبل وصول الضوء، ذلك يعني أن أحد الأعمدة الأساسية في الفيزياء يتحطم، فلا تصبح سرعة الضوء هي السرعة القصوى في الكون، ويترتب على ذلك إعادة النظر في الكثير من القضايا الفيزيائية التي تعتمد على فكرة الحدود العليا لسرعة الضوء. قام العلماء في سيرن بإعادة التجربة بشكل أدق، خصوصا بعد أن نال منها العلماء ومحصوا في الورقة العلمية وأثخنوا فيها الجراح، والتجربة الثانية بينت أن النتائج لم تتغير، بل لا تزال تبين التجربة أن النيوترينو أسرع من الضوء. لم ييأس العلماء من الرد على هذه التجربة، والنظرة العامة لهذه التجربة المذهلة هي أن لابد أن فيها خطأ، وأنه لا يمكن أن يكون هناك شيء يسير بسرعة أسرع من الضوء.

2. ومن أكبر الأخبار العلمية التي أثارت موجة من الخوف هو خبر المفاعل النووي الياباني في فوكوشيما، كارثة هائلة حلت باليابان وأهاليها، فبسبب موجة من التسونامي تسبب فيها زلزال قدره 9.0 على مقياس ريختر تعطل النووي الياباني، وتعطُّل المحطة النووية لا يعني توقفها، على العكس من الأجهزة الكهربائية أو الميكانيكية التي حينما تتعطل فإنها تتوقف، فالمحطة النووية حينما تتعطل ترتفع درجة الحرارة فيها إلى درجات عليا، وذلك بسبب توقف التبريد أثناء استمرار التفاعلات النووية الحارة جدا، تصل درجات الحرارة إلى مستويات يذوب فيها لب المفاعل النووي، وينفجر، ثم تنطلق إنبعاثات مدمرة مشعة سامة قاتلة في الأجواء، مما يحول منطقة مأهولة بالسكان إلى منطقة محظورة لآلاف السنين. فخذ على سبيل المثال، تشيرنوبل قبل 25 سنة، لا تزال المنطقة المحيطة بها محظورة، لا يدخلها إلا المتهور. حادثة فوكوشيما تركت أثرا سلبيا في الكثير من الدول المتطورة، فقررت ألمانيا والسويس أن تبدآن بإلغاء تدريجي للمفاعلات النووية.

1. الفيس بوك والتويتير يساهمان في الربيع العربي، أكثر الأخبار تناولا بشكل يومي وإلى يومنا هذا هو خبر الثورات في العالم العربي، وبغض النظر عن الأسباب الأساسية التي أدت لهذه الثورات إلا أنها لم يكن بإمكانها النجاح بهذه الدرجة لولا وجود مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك والتيويتر، ولذلك حكومات الكثير من الدول التي تحركت فيها الجماهير حاولت بشتى الطرق منع الناس من الدخول على الإنترنت والتواصل، الباحثين في جامعة واشنطن في سياتل (Unversity of Washington Seatle) حللوا ملايين التويتات واكتشفوا أن النشاط المصرى في التويتر ازداد مئة مرة قبل الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك. وأتذكر أن الكثير من التحركات على هذه الشبكات كانت تبدأ بالاتفاق على التحرك من خلال موقع ينشأ خصيصا لها، وفي المقابل واللافت للانتباه أنه اُستغلت هذه الشبكات أيضا للوقوف ضد بعض الثوارت ولتثبيطها وتخويف المتظاهرين فيها في بعض الدول أيضا.

 كل عام وأنتم بخير.

Posted in Uncategorized | 12 Comments

من العد إلى كون الرياضيات

من العد إلى كون الرياضيات

speaker_icon disk
ipod

ربما لعبت لعبة الآنجري بيردز (Angry Birds) الشهيرة. تلاحظ أنك حينما تقذف بالطائر باستخدام المقلاع على حصن الخنازير فإنه يطير على شكل مقذوفة بمسار فيزيائي يماثل ذلك الذي تراه حينما ترمي بحجر بعيدا عنك (للذين لا يعرفون الآنجري بيردز – ولو أنني اجد أن ذلك مستحيلا، وخصوصا أن للعبة هذه انتشار لم يسبق له مثيل، هذه اللعبة متوفرة على معظم الهواتف النقالة وأجهزة الألعاب المختلفة، وفكرة اللعبة تتلخص في أن خنازير سرقت بيض لطيور وهربت فتحصنت في قلاع من خشب وإسمنت وما شابه، غضبت الطيور مما فعله الخنازير فقرروا الانتقام، يقوم اللاعب بقذف الطيور على حصون الخنازير عن طريق مقلاع، ويحتاج لأن يعيّر الاتجاه حتى يصيب بالطائر المكان الصحيح فتسقط الجدران على الخنازير ويحصل الطيور على انتقامهم). نعود للفكرة، أنت حينما تلعب هذه اللعبة تلاحظ أنها تقوم على قواعد فيزيائية، فانطلاق الطير من المقلاع، وطيرانه، واصطدامه في الجدارن، وسقوط الجدران وتصادم الأشياء مع بعضها شيء مألوف، أي أن هذه الأمور ليست بغريبة عليك حيث أنك تتوقع لو أن الأشياء في الطبيعة تساقطت لعملت بنفس الإجراءات الفيزيائية الطبيعية، فالأشياء تسقط على بعضها بفعل الجاذبية، ولكل فعل رد فعل يعاكسه في الاتجاه ويساويه في القوة، وهكذا، أنت لا تتوقع أنه حينما تلعب اللعبة ويصطدم الطير في جدار أن يطير السقف إلى الأعلى، لماذا لأنه ببساطة لا ترى ذلك في الطبيعة، ولو حدث ذلك في اللعبة ستجد نفسك في حيرة – إلى أن تقبل أن للعبة قواعدا تختلف عما تعرفه، وبناءا عليه تعوّد نفسك على القواعد الجديدة.

طيب، كيف تمكن المبرمجين من أن يماثلوا الطبيعة في هذه اللعبة؟ لا بل في الكثير من الألعاب والأفلام الثلاثية الأبعاد يتم تمثيل الطبيعة، فكيف تمكنوا من ذلك؟ بكل بساطة: المبرمجين استطاعوا مماثلة الطبيعة باستخدام قوانين رياضية تصف الطبيعة بشكل دقيق جدا، فالمقذوفات لها قوانين تتابع حركتها بشكل دقيق (ولذلك تستخدم هذه القوانين في الدبابات لإطلاق القذائف، مثلا)، وتساقط الجدران لها قوانين رياضية، وتصادمها أيضا، وهكذا الكثير مما تراه على الشاشة الكميبوتر والآجهزة النقالة من ألعاب يعتمد بالدرجة الأولى على القوانين الرياضية، هذه القوانين مستقاة من الطبيعة، الطبيعة هكذا تعمل، وهي تعمل بطريقة يمكننا نصفها بقوانين رياضية دقيقة إلى حد كبير جدا، بهذه القوانين نستطيع أن نكون قوانين رياضية أخرى، ومنها نكتشف أنها هي أيضا تنطبق على الطبيعة.

يتساءل البعض: لماذا تتطابق الرياضيات مع الطبيعة؟ كيف لها أن تفسر كيف تعمل الأشياء؟ ها هي الرياضيات تستخدم في جميع المجالات، من الفيزياء والهندسة والفلك والطب والكيمياء والأحياء وعلم النفس والفن، هل الرياضيات مخترعة أم أنها مكتشفة؟ هل الرياضيات صفة للطبيعة أو الكون أم أنها هي الطبيعة أو الكون؟ سأبدأ الحلقة هذه برحلة في عمق التاريخ البشري من حيث بدأ تسجيل العد - على حد علم علماء الأحافير، وأنتهي إلى كون هو في بنيته الأصولية الرياضيات المجردة.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

الإنسان الأول يعد

أقدم اكتشاف اكتشفه علماء الحفريات والذي يدعم فكرة عد الإنسان هي قطعة عظم الشظية من رِجل قرد البابون، ذلك العظم الموجود في الساق، على ذلك العظم – والذي طوله 7.7 سم  - خُدش 29 خطا واضحا، واستدل العلماء على أن هذه الخطوط تدل على أن الإنسان الأول علم بهذه العلامات كدليل لعدد الأيام، واستخدمت العظمة كرزنامة كما نحن اليوم نستخدم الرزنامات لمعرفة تاريخ اليوم أو أي من أيام الأسبوع اليوم، عمر هذه العظمة -عظمة الليبموبو (Lebombo) – هو 35,000 سنة، ووجدت في كهف بوردر في جبال ليمومبو بين جنوب أفريقيا وسوازيلاند، ويذكر كيث ديفلين (Keith Devlin) صاحب الكتاب “رجل الأرقام: ثورة فيبوناتشي الحسابية” (The Man of Numbers: Fibonacci’s Arithmetic Revolution) أن هذه الطريقة كانت أيضا تستخدمها النساء في القديم لحساب الدورة الشهرية، حيث كانت النساء يخدشن العظام أو الصخور لعد الأيام.

lembobo pic

هناك أيضا عظام إشانجو (Ishango)، والتي أُلصق على نهايتها قطعة من كريستال الكوارتز (غريب)، أيضا خط عليها عدد من الخطوط، ويعتقد أن الهدف من هذه الخطوط هو حساب ستة أشهر قمرية من السنة، خطت تلك الخطوط على على شكل حزم بجانب بعضها البعض، وفيها مضاعفات لأعداد، وفيها الأعداد الفردية، (9، 11، 13، 17، 19, 21)، وفيها أيضا الأعداد الأولية (11، 13، 17، 19) وباستخدام هذه الأرقام يعتقد أنه كان بإمكان البشر في ذلك الوقت أن يقوموا بعمليات حسابية بسيطة، بما في ذلك حساب الأشهر القمرية.

File:Accountancy clay envelope Louvre Sb1932.jpg

بعد ذلك وقبل حوالي 8000 سنة في سومر، كان الناس يعدون الخراف باستخدام قطع طينية، كل منها رسم عليه الرمز +، فعند حساب عدد من الخراف توضع هذه القطع من الطين في حاوية كروية للحفاظ على عد الخراف، فتخيل على سبيل المثال لو أراد الراعي أن يعيد أغنامه من الحظيرة، كيف سيعرف أن واحدة أو أكثر من هذه الخراف لم تنقص؟ ربما تقول: “بكل بساطة يعد كم هي، ثم يحفظ الرقم أو يسجله على ورقة، أو على جلد أو حتى صخرة، ثم يعيد عدها مرة أخرى حينما يريد إرجاعها إلى الحظيرة، فإن اختلف الرقمين علم بالنقصان” الأمر ليس بهذه البساطة، فالرموز التي نستخدمها اليوم (0، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9) لم تكن موجودة في تلك الأيام، فلا يمكن للراعي أن يكتب الرقم 45 إذا ما كان لديه 45 خروف. لذلك فهو يستخدم القطع الطينية للعد، فحينما يخرج الخراف من الحظيرة يخرج عددا من القطع يساوي الخراف، وحينما يعيدها يعيد في الحاوية القطع من الطين التي علم عليها بعلامة +، فلو أدخل الخراف كلها واكتشف أن قطعة من الطين بقيت في يده، فقد يكون الذئب قد انقض على واحدة من خرافه، ولتسهيل العد، بدلا من استخدام 45 قطعة لعد 45 خروف، كانت هناك قطع ترمز للعشرة،   فتستخدم 4 قطع من التي ترمز للـ 10، وخمسة من التي ترمز للـ 1.

نقطة جميلة هنا لابد من ذكرها: لو أن شيئا مهما قد تم عده باستخدام القطع الطينية في ذلك الوقت، ستوضع هذه في حاوية طينية كروية ثم تغلق هذه الحاوية ويرسم عليها رموز معينة تدل على عدد القطع الموجودة بداخل الإناء وتحمى على النار لتجف، إذا ما حدث وأن شك أحدهم بالعدد بإمكانهم كسر هذه الحاوية للتأكد من عدد هذه القطع، وبذلك يصبح هناك نوع من الضمان، ولكن لاحظ الفكرة الجملية هنا، وهو أن هذه الحاويات في معظما لم تكسر، لماذا؟ لأنه وبكل بساطة، الرموز التي رسمت على الحاوية كانت تدل على الرقم الذي بالداخل، فلا حاجة لهم لكسر الحاوية والعد، فأصبحت هذه الرموز تمثل الأعداد، كما لو أنك اليوم ترسم الشكل 2، وتقول أن هذا الشكل يرمز لشيئين أي كان جنسهما.

تستوقفني هذه الصور القديمة من العد لمقارنتها مع ما نقوم به نحن اليوم من حسابات تفوق الوصف، سواء من خلال الرياضيات المعقدة المجردة إلى العد الهائل الذي نقوم به باستخدام الكمبيوتر، يا له من فارق شاسع بين تلك الأيام وبين أيامنا، وإذا ما رميت ببصيرتك إلى المستقبل القريب (لتعجل التطورات) لأحسست بأن ما سيأتي سيكون أكبر بكثير مما نعرفه الآن بكثير.

الحيوان والعد

الإنسان الأول كان يعد بشكل بدائي جدا، وهو يفتقر إلى أبسط نظم العد الحديثة، ولكن هل يتميز الإنسان بالعد عن باقي المخلوقات؟ أم أن المخلوقات الأخرى أيضا لديها القدرة على العد وإن لم تكن متقدمة بنفس القدر؟ الكثير من الحيوانات لديها القدرة على العد، ولكنها تتفاوت في قدراتها، ولكن للعد أهمية كبرى في حياة الحيوان، سواء أكان ذلك للطعام أو للدفاع، ويمكن أيضا بقليل من التدريب أن تُطوَّر قدرة بعض الحيوانات على العد.

واحدة من التجارب التي أجريت على قرود الريسوس لاختبار قدرتهم على العد هي كالتالي، توضع أمام قرد قطعة من الباذنجان، ثم تنزل ستارة صغيرة أمام الباذنجان لتغطيته عن نظر القرد، بعد ذلك يأتي المُختبِر بقطة أخرى من الباذنجان، ويضعها خلف الستارة بمرأى من القرد، حينما يرى القرد هذه العملية يتوقع أن لو ترفع الستارة أن يجد حبيتن من الباذنجان، أليس كذلك؟ بالطبع حينما يزال الستار ينظر القرد إلى القطعتين لمدة ثانية واحدة، أي أنه كان يتوقع النتيجة 1 + 1 = 2، فلا يستغرق طويلا للنظر إلى أمر طبيعي.

بعد ذلك يقوم المختبر بنفس الحركة، فيضع باذنجانة ثم يغطيها، ثم يضع باذنجانة أخرى بمرأى من القرد خلف الستارة، ولكن هنا يقوم بخدعة، حيث أنه المُختبر يقوم بإضافة باذنجانة أخرى بطريقة خفية لا يلاحظها القرد، ليصبح العدد  3 باذنجانات، هذه المرة القرد لم يرى الإضافة تحدث أمامه، ثم ترفع الستارة، القرد هنا يتوقع أن يكون عدد الباذنجان 2، ولكنه يكتشف أن عددها 3 باذنجانات، كيف؟ بسبب هذا التناقض الحسابي، يبقى القرد مراقبا للباذنجان لمدة 3 أو 4 ثوان أي لمدة أطول بكثير من الحالة التي يكون فيها الحساب صحيحا.

هذه التجربة أقيمت على الأطفال الرضع أيضا، وبينت التجارب أنهم لديهم نفس الإحساس حينما تحدث نفس الخدعة، حيث أن لديهم بعض التوقعات الحسابية التي تجعلهم يتفاجؤون بنقصان أو زيادة العدد. أقامت هذه التجربة كارين وين (Karen Wynn) العالمة في علم النفس التنموي من جامعة ييل (Yale Univerisy)، هذه التجارب بينت أن الأطفال لديهم القدرة على الجمع والطرح على أعداد بسيطة.

وكذلك تجربة أخرى على القرود تبين أنهم حنيما يقدم لهم طبقان من الفاكهة، وفي واحد من الطبيقين عدد أكبر من الفاكهة فإن القرد يختار الأكثر، ولكن التمميز بين العددين يقل كلما كبر العدد، أي أن القرد يستطيع أن يميز بين طبقين يحتوي على ثلاث تفاحات في مقابل تفاحتين (أو ثلاث مقابل واحدة)، ولكن لا يتسطيع القرد أن يميز بين 4 و 5 تفاحات، ولكنه يستطيع أن يميز 5 في مقابل 3 تفاحات، لماذا يحتاج القرد لعرفة الأرقام؟ لسبب بسيط، وهو لإطعام ليغطي حاجته من الطعام، فهو يحتاج للأكثر. كذلك الفئران والحمام والطير الروبن وصغار الدجاج وحتى النمل لهم القدرة على العد كما بينت التجارب، أضف لذلك أنه بعد تدريب بعضها على العد تتحسن قدرتها بشكل ملحوظ.

الأطفال والحيوانات ربما تتشابهون في بعض أساليب العد البدائية، والتي تعتبر فطرية، فلا حاجة لأن يتم تمثيل الأرقام بعلامات ذهنية معينة، بل نحن جميعا نعدها بطريقة مباشرة بلا أدنى تفكير، جرب هذه التجربة مع أحد أصدقائك حتى تعرف أن هذا النوع من العد الأتوماتيكي موجود لديه، امسك بروقة – ومن غير أن تُري صديقك ما ترسم عليها – ارسم عدد من النقاط (بين 1 و6) وقبل أن تري صديقك الورقة أخبره أنه سيرى نقاطا على الورقة، وأن المطلوب منه أن يخبرك بعدد النقاط من غير أي يعدها (أي من غير أن ينظر لها واحدة واحدة، ويعدها واحدة واحدة، بل بنظرة خاطفة جماعية لكل النقاط يخبرك بعددها)، ثم أره الورقة للحظة بسيطة وأخفها عنه، واسأله عن عدد النقاط، ستكتشف أنه سيخبرك عن عددها من غير العد، هذه صفة فطرية في الإنسان.

نحن والحيوانات نتشابه في هذه الخاصية، ولكن ما إن يكبر الطفل حتى يتفوق على الحيوان ويتعداه بمراحل ومراحل، حيث لا يمكن للحيوان العد الرمزي ولا يمكن للحيوان أن يجمع الرموز لتكوين الأرقام الكبيرة، ولا يمكن له أن يجمع أو يطرح أو يضرب أو يقسم أو يجرد الأرقام، الفروقات تتضح حينما ترى ما توصل إليه الإنسان بسبب قدرته على العد من نتاجات علمية وهندسية وعمرانية هائلة تقزم مجموع كل ما يقوم به الحيوان (إن صحت المقارنة، أحس بالخجل لأنني أقارن بين الإثنين، حيث لا وجه للمقارنة).

الهند، العالم الإسلامي، أوربا

ظهرت الرموز التي ترمز إلى الأعداد العشرة والتي نستخدمها اليوم بداية في الهند بحوالي سنة 700 م، بما في ذلك الصفر (أنا أعرف أن هناك معلومات عامة نتناقلها في ما بيينا أن العرب أو المسلمين هم مخترعي الصفر، ولكني من خلال قراءاتي لم أجد أحدا من المؤرخين يقول بهذا الشي)، لماذا استخدم العد العشري (0-9) بدلا من أي عد آخر (كمثال العد الثماني أو الثلاثي أو الثنائي أو السادس عشري أو ما أشبه) قد يعود السبب في ذلك إلى عدد الأصابع العشر في اليد، وخصوصا أن اليد تستخدم للحساب، فرُمِز لعشرة أعداد فقط (الكمبيوتر اليوم يستخدم العد الثائي – Binary – أي أنه يستخدم العد باستخدام الصفر والواحد في كل عملياته الرياضية في الداخل).

ماذا فعل الهنود بحيث طوروا من الحساب؟ لقد قاموا بعمليتين مهمتين.

1. جعلوا موقع الرمز في العدد له أهميته، يعني أنك حنيما تكتب الرقم 345، فأنت بذلك تعني أن الثلاثة التي هي في الجانب الأيسر تعني 300، والأربعة في الوسط تعني 40 والخمسة على أنها 5، قد يتبادر إلى ذهنك أن ذلك بديهي، فما هو البديل لذلك؟ بأي طريقة يمكن لك أن تكتب الأرقام من غير الاهتمام بمواقع الرموز ومن غير أن تحصل لخبطة؟ تسطيع أن تفعل ذلك باستخدام الأرقام الرومانية، فخذ على سبيل المثال الرقم III وهو 3، في هذه الطريقة لا يهمنا في أي موقع كانت كل من الرموز I، من الممكن الحصول على النتيجة عن طريق جمع الرموز I – والتي تعبر عن الواحد – على بعضها فتعطي النتيجة 3.

2. جعلوا الصفر ينوب عن رقم، ماذا يعني ذلك؟ أولا، وقبل كل شيء، الأرقام الرومانية لم تحتوي على الصفر، حينما تريد أن كتب العشرة فأنت تكتب بدلا من ذلك الرمز X، وبالنسبة للمئة تكتب C، ثانيا، والأهم هو وضع الصفر من ضمن الأرقام، في السابق حينما كانوا يريدون كتابة الرقم 207، كانوا يكتبونه على شكل 7  2، أي الرقم 2 يليه فراغ ثم الرقم 7، ليعبر الفراغ عن الصفر، هذه بحد ذاتها مصيبة، تخيل لو أن صديقا اقترض منك 2001 دينارا، وكتبت الرقم على شكل 1   2، يأتي صديقك في المستقبل ويقول لك، تفضل (21)، ترافعت عند القاضي، وأردت أنت تبين له أنك أقرضته 2001 دينار، كيف ستقوم بذلك؟ الأسوء من ذلك أن العمليات الحسابية مثل الجمع والطرح وغيرها كانت صعبة لعدم وجود الصفر كتعبير عن رقم حقيقي.

والذي أسس لهذه الفكرة كان الفلكي الرياضي براهماجوبتا (Brahmagupta)، حيث كتب كتابا  كبيرا من 25 فصل وهو في سن الثلاثين عاما، وأسماه بـ “افتتاح الكون” أو حسب بعض المواقع “المذهب الصحيح للبراهما”، كان ذلك في سنة 628م، وفيه أسس لفكرة الصفر، وأسس أيضا لفكرة أنه حينما تطرح الرقم من نفسه فإنك تحصل على الصفر. ووضع بعض القواعد مثل:

 - حينما تجمع الصفر مع أو تنقص الصفر من رقم فإن الرقم لا يتغير.

 - والرقم المضروب بالصفر يصبح صفرا.

وأسس للكثير من القوانين الأخرى والتي ساهمت في تأسيس فكرة الصفر.

انتقلت الأرقام الهندية إلى المسلمين بالترجمة، وبدأت ثورة جديدة، هذه الأرقام أصبحت تسمى بالأرقام العربية بعد ذلك حينما انتقلت تدريجيا إلى الغرب وسميت بالأرقام العربية، ولكنها اليوم كما رأيت في المواقع والكتب أن الأرقام يطلق عليها الأرقام الهند – عربية لتشمل التأثير الهندي والعربي عليها.

الإسم الهائل الذي له ثقله الرياضي في العالم الإسلامي والعربي بل في العالم أجمع هو لأبي عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي ولد سنة 781م وتوفي سنة 847م، قربه المأمون (من الواضح أن المأمون كان لديه اهتمام كبير في العلم في ذلك العصر، فولى الخوارزمي على بيت الحكمة)، أتى بعده الكثير الكثير من الخلفاء الرياضيين والذين اعتمدوا بشكل كبير ورئيسي على كتبه وعلى مبادئه في الرياضيات، ألف الكثير من الكتب ومن أهم كتبه كتاب الجبر والمقابلة، ولكن الكثير منها لم يبق له أثر، ولكن تأثيره العبقري لا يزال معنا، ولربما يبقى إلى الأبد.

قبل أن تدخل الأرقام الهندية على العالم العربي، كانت هناك طرق مختلفة للعد، منها العد على الأصابع، يذكر كتاب موسوعة تاريخ العلوم العربية (الجزء الثاني) – لمركز دراسات الوحدة العربية إلى أن هناك أحاديث شريفة تشير إلى استخدام الأصابع في العد، حيث بهذه الطريقة والتي تسمى بـ “حساب العقود” يعتمد الشخص على الذاكرة والأصابع، فيطوي المحتسب الأصابع في أوضاع مختلفة للترميز لأعداد معينة، وتسمى هذه العملية بالعقود لعلاقتها بعقد الإصبع، أضف لذلك أن العرب كانوا يستخدمون ما يسمى بـ “حساب الجُمَّل”، وتعتمد الفكرة على أن الحروف العربية بترتيبها الأبجدي – على شكل أبجد هوز “أ ب ج د ه و ز” وليس على شكل “أ ب ت ث ج ح” – ترمز إلى الأرقام 1، 2، 3.. ثم تصل إلى 9، بعد ذلك تبدأ بـ 10، 20، 30، … إلى 100، 200، 300، وهكذا إلى الـ 1000، فحينما تريد تمثيل الرقم 563 تستخدم الحروف “ثسج”، أو كلمة “ضمد” تعني 844.

وكانت الطريقة الحسابية للأرقام تتم على لوحة رُشَّ عليها الغبار وباستخدام الإصبع يتم الحساب بحيث تكتب الأرقام ثم تمسح وتتم العمليات تدرجيا إلى أن يصل المحتسب إلى النتيجة النهائية، وسميت هذه باللوحة الغبارية، ويبدو أنها أيضا أتت من الهند، بُدّلت هذه اللوحة بالورقة والقلم تدريجيا (حتى يتم حفظ العمليات الحسابية التي تمت، كالفاتورة التي تتسلمها من المحل وفيها كل عملية شرائية)، هذه الأمور حدثت على مر الزمن خلال فترة الحكم الإسلامي، وبهذا التبديل – من اللوحة الغبارية إلى الكتابة على الورق –  تطورت الرياضيات بشكل كبير.

نعود مرة أخرى للخوارزمي، كتب الخوارزمي عدة كتب، من بينها كتابا ألفه بين العام 813 و 830 لم يكن له عنوان، كتب في مقدمته “ألفت من حساب الجبر والمقابلة كتابا مختصرا حاصرا للطيف من الحساب وجليله، لما يلزم الناس من الحاجة إليه في موارثهم، ووصاياهم، وفي مقاسمتهم، وفي أحكامهم وتجارتهم، وفي جميع ما يتعاملون به بينهم في مساحة الأرضين وكري الأنهار والهندسة” (كتاب موسوعة عباقرة الإسلام – د. محمد أمين فرشوخ)، وفي هذا الكتاب تظهر كلمة الجبر لأول مرة، وعن مستوى تأثير كتاب علم الجبر الذي أسس له الخوارزمي نجد في كتاب موسوعة تاريخ العلوم العربية: “إنه لحدث عظيم، باعتراف مؤرخي الرياضيات، القدامى والمُحْدَثون، ولم تخف أهمية هذا الحدث على رياضيي ذلك القرن أو القرون التي تلته، وما انفك كتاب الخوارزمي هذا يشكل مصدر إلهام، لا للرياضيين بالعربية والفارسية فحسب، إنما أيضا باللغة اللاتينية وبلغات أوربا الغربية، حتى القرن الثامن عشر للميلاد.”

أسس الخوارزمي لعدة أشياء جديدة وبأساليب فذة منها:

+ طريقة حل تعتمد على الجذور، وبكلمة الجذور هنا أعني المجهول وليس مثل جذر الرقم 4 والذي يساوي 2، بل المرادف للجذر هو ما نستخدمه اليوم بالمعادلات مثل رمز س أو ص أو x أو y، ولكن الخوارزمي أسس مصطلح  “الجذر” أو “الشيء” (لم تكن الرموز مثل س و ص بعد مستخدمة للتعبير عن المجهول)، ولكن باستخدام كلمة “جذر” أو “شيء” جرد الخوارزمي بهذه الكلمة الحساب بالأرقام.

+ معادلة من الدرجة الأولى والثانية.

+ الحلول الخوارزمية، والتي هي لبنة أساسية وجزء لا يتجزأ من برمجة الكمبيوتر اليوم.

+ برهان صيغة الحل، أي أن الحل لا يقدم هكذا بلا برهان، والعلماء يعرفون اليوم أهمية البرهان، إذ من غير وجود برهان على حل معين تفتقد الحلول للمصداقية.

هناك الكثير الكثير من الأمور الأخرى التي أدخلها في الرياضيات التي لا مجال لها في هذه الحلقة البسيطة،  ولكن من هذه القواعد استطاع أن يحل الكثير من المسائل التي تتعلق  بمسائل الإرث ومسح الأراضي والتبادلات التجارية، أضف لذلك أن الكثير من القواعد الرياضية التي وضعها الخوارزمي وخلفائه (مثل ابن ترك وسند بن علي، والصيداني، وثابت بن قرة، وأبو كامل شجاع بن أسلم وسنان بن فتح، وأبو الوفاء والبوزجاني) لو أنك تحولها إلى معادلات رياضية باستخدام الرموز س و ص وما شابه، لعرفت أنها لم تكن بتلك المُباشَرة وأنها معقدة، وهذه  كان لها تأثيرا مباشرا على الكثير ممن أتو من بعده، وكذلك كان التأثير مباشرا على أوربا بعد أن أدخل فيبوناتشي هذه الطرق الخوارزمية على أوربا، سنعود لهذه الفكرة بعد قليل.

للأسف أن الكثير من الكتب اندثرت، ولم يبقى منها إلا ترجمتها إلى اللاتينية، ولكن أقدم كتاب عربي في الحساب بالأرقام الهندية الذي بقي هو “كتاب الفصول في الحساب الهندي” لأبو الحسن أحمد بن إبراهيم الإقليديسي، والذي ألف في سنة 952م تقريبا، وللأسف أيضا أن هذا الكتاب ليس بالكتاب الأصلي، حيث أن ما لدينا الآن هو نسخة من الكتاب الأصلي كتب سنة 1186، ما نجى من الكتب العربية القديمة والتي ترجع مثلا للخوارزمي في مجال الرياضيات نجى بسبب ترجمتها إلى اللاتينية.

هناك معلومات أود توضيحها وأخرى تصحيحها:

1. الكثير من الناس يعتقد أن الصفر يعود أصله إلى العرب أو المسلمين، وهذه المعلومة غير صحيحة حسب قراءاتي، البداية كانت في الهند، والعرب أخذوها من الهنود، فطوروا الرياضيات باستخدام تلك الأرقام.

2. الكثير يتدوال فكرة أن الأرقام التي تستخدم في الغرب على صورتها الحالية هي في الأصل عربية، هذا الكلام صحيح، ولكن جزء من تلك الأشكال أتت من الهند، وطّورت على مر الوقت لتصل إلى شكلها الحالي، ولذلك وجدتُ أنها تسمى اليوم بالأرقام الهند – عربية، أضف لذلك أن الأرقام كان لها شكلين وليس شكل واحد، فالشكل الأول هو الشرق – عربي وهو يشابه بشكل كبير ما نعرفه اليوم، والثاني هو الغرب – عربي، وهو شبيه إلى حد كبير لما نراه في الغرب اليوم.

3. الكثير أيضا يتدوال فكرة أن الأرقام بشكلها الغربي والتي هي في الأصل هند -عربية رسمت بهذه الطريقة اعتمادا على الزوايا، فمثلا الرقم واحد فيه زاوية واحدة، والرقم 2 لو كتب على شكل حرف الـ z فسيكون فيه زاويتين (كما هو موضح في الصورة التالية)، هذه الفكرة غير صحيحة أيضا، وإن كنت ستجد مواقع كثيرة تدعم هذه الفكرة على الإنترنت من غير أي مصدر.

أتمنى إن كنت ممن يعرفون بدقة هذه المعلومات أن يرسلوا لي رسالة وفيها مصدر معتبر يوضح لي إن كان بحثي البسيط في الموضوع خاطئ، وسأقوم بتصحيح المعلومة في البودكاست مباشرة، ولكن على حد بحثي في الكتب لم أجد أحدا يدعي خلاف ما ذكرته الآن.

بعد انتشار علم الحساب والجبر في العالم الإسلامي من الشرق إلى الغرب، وبعد تطويره في عدة دول وعلى يد العديد من العلماء الرياضيين، التقطه الغرب عن طريق الرياضي المشهور بالإسم فيبوناتشي (Fibonacci)، قام فيبوناتشي بأخذ الكثير من الكتب العربية وبترجمة الكثير منها، وحتى ما كان فيها من ألغاز رياضية مسلية جدا اقتبسه من هذه الكتب وشرح الكثير منها بجهد كبير لينشر الحساب في أوربا،  وفي مقابل انتشار الحساب العربي في الغرب تطورت أدوات التجارة بشكل لم يسبق له مثيل، حيث كانت الحسابات التجارية قبل ذلك تتم باستخدام أداة الأباكس الصينية الأصل، وباستخدام الأرقام الرومانية.

حينما نعود لبدايات الحساب في العالم الغربي نجد أنهم كانوا يستخدمون الرموز الرومانية، وكما ذكرت أن الرموز الرومانية لا تعتمد على موقعها في الرقم، فلذلك كان من الصعب جدا استخدامها في الحساب، فمثلا حينما يحتاج أحدهم لضرب رقمين، يقوم بجمعها بشكل مكرر، كما لو أردت أن تضرب الرقم 4 * 5، تقوم بتكرار جمع الـ 5 أربعة مرات، فتخيل الآن تقوم بهذه العملية باستخدام أعداد مكونة من عدة أرقام أو رموز، أي تخيل لو أردت أن تضرب 234 في 986 بالرموز الرومانية، عملية مضنية جدا،  لذلك كان البديل للحساب هي آلة الآباكس (Abacus)، وهي الآلة الصينية التي تحتوي على صفوف من الخرز، فيتم تحريك الخرز للحساب بالأصابع إلى الأعلى والأسفل، هناك عدة لقطات على اليوتيوب تبين السرعة التي بإمكان مستخدم الآباكس أن يحسب باستخدامه، أضف لذلك (كما هو مبين في اللقطة التالية) أن البعض بعد استخدامه للآباكس وبتدريب عالي الكثافة يستطيع أن يحسب بمجرد تخيل حركة الخرز فقط، فيقوم بحسابات معقدة جدا.

صعوبة الحساب بالأرقام الرومانية تسببت في جهل الكثير من الناس في الحساب، فكانت عملية البيع والشراء تعتمد على الثقة في التاجر في حساب المبالغ، وحتى مع ترجمة كتب الخوارزمي إلى اللاتينية (ذلك قبل فيبوناتشي) لم يتقدم الناس كثيرا وذلك لأن الكتب المترجمة كانت موجهة للمثقفين فقط، بينما حينما كتبها الخوارزمي كان واحدة من أهدافه هو نشرها بين التجار، ولذلك كانت التجارة مزدهرة عند العرب وسهلة المنال، هنا يدخل في الصورة ليوناردو بيزانو (Leonardo Pisano) (الملقب بفيبوناتشي) الإيطالي الأصل.

ولد ليوناردو في سنة 1170م لأسرة ثرية، ويعتقد أنه ولد في مدينة بيزا، عاش في أسرة من التجار في مدينة تعتبر تجارية بشكل كبير، كانت إيطاليا في تلك الأيام مصب للتجار من شتى أنحاء العالم، وفي الخلفية لهذه التجارة كان هناك من يقوم بعمليات حسابية لمتابعة الشراء والبيع والضرائب، كل ذلك باستخدام الرموز الرومانية، ومن الظريف أن كلمة بنك أتت من الممولين للمال المتجولين، يأتي أحدهم فيضع عملاته على دكة خشبية أو لنقل طاولة منبسطة طويلة، تسمى باللاتيني بـ “بانكا”، ولذلك بدأ الناس بتسميتهم بانكر (Banker)، وهي الكلمة التي أتت منها كلمة البنك، إذن، إيطاليا اشتهرت بمركزيتها في التجارة بين أروبا والعالم الإسلامي.

سافر ليوناردوا وأبيه إلى دول عربية حوالي المغرب وتونس وغيرها من شمال أفريقيا، وأيضا إلى مصر وسوريا واليونان وتعلم اللغة العربية، وعمل في الفندقة، ولاحظ أبو ليوناردو جويليالمو (Guilielmo) الحساب العربي وأحس بأهميته، وخصوصا أن العرب كانوا يستخدمون هذه الطرق في الحسابات في تجارتهم، فقرر أن يعلم ولده هذا العلم الرياضي، فتعلم ليوناردو هذه الطرق الجديدة، وأعجب بها إعجابا شديد، فألف كتابا اسمه ليبر أباكي (Liber Abaci)، وبالعربية “كتاب الحساب” وقد ترجمه البعض بـ “كتاب الآباكس” والذي هو مكون من  15 فصل.

أعتمد ليوناردو في كتبته لكتاب الحساب على مصادر من اللاتينية والعربية، وفي بداياته اعتمد بشكل كبير على كتاب أبو كامل شجاع (كتاب أبو كامل كان يحتوي على 74 مسألة محلولة، أخذ منها ليوناردو الكثير وكتبها كما هي)، ولكنه حينما أراد أن يتعمق في الجبر اعتمد على كتاب الخوارزمي، وحسب ما يذكر كتاب “رجل الأرقام” أن الكثير من المسائل الجبرية التي طرحها ليوناردو في فصل الجبر أتت مباشرة من كتاب الخوارزمي المترجمة من اللاتينية، وكذلك اعتمد على كتاب لأحمد بن يوسف في علم الهندسة، بالإضافة إلى إضافات من عنده هو ومن خلال مناقشاته مع الرياضيين العرب أثناء السفر، الأهم أنه ملأ كتابة بالكثير الكثير من الأمثلة.

اللطيف أنه أدخل في الكتاب الكثير من الأمثلة الذكية والطريفة، من الأمثلة الطريفة هي أنه أدخل لغزا العنكبوت، والذي فيه يصعد عنكبوت على حائط بداخل صندوق، فيتقدم يوميا عدة أقدام إلى الأعلى، ولكنه يسقط عدم أقدام كل ليلة بعد صعوده، كم يوم سيستغرق للخروج من الصندوق لو أن الصندوق طوله كذا، نفس هذا اللغز تحول إلى لغز ضفدع في حفرة طولها 30 متر مثلا، يصعد يوميا قدمين، ويسقط قدما، كم يوم سيحتاج الضفدع للخروج؟ وضعت هذا اللغز في كتابي “للأذكياء فقط” ولم أكن أدر في حينها العمق التاريخي لهذا اللغز.

بعد أن نشر فيبوناتشي كتابه “كتاب الحساب” كانت تلك هي الإنطلاق لتغيير أوربا بأكملها بتجارتها وبطرق تمويلها ودراساتها، أتى بعده الكثير من العلماء الرياضيات الذين كتبوا كتبا تعتمد على كتابه، واقتبسوا منه، ونشروا علم الجبر في كل أنحاء أوربا، وألغيت الرموز الرومانية واستبدلت بالأرقام الهند – عربية.

لم تكن الرموز الرياضية مثل س وص موجودة في أيام فيبوناتشي، كل المسائل التي تكتب في الكتب كانت تحل بطريقة سردية مطولة، أسس لهذه الرموز هو فرانسوا فيتي (Francois Viete) عام 1591، الذي كان يعمل كمحامي في حياته اليومية، ولكنه كان متفوقا في الرياضيات، فكتب كتابا أسماه “مقدمة في الفن التحليلي” وعمل على استخدام الرموز فيها، فحول الكلمات التي كانت تملأ مجموعة من الصفحات إلى رموز س وص وغيرها، وهكذا حول الصفحات المتعددة إلى أسطر، فأصبحت الرياضيات سهلة جدا بعد ذلك، وأنطلقت إلى مستوى جديد من التطبيق. ولو أن المعادلات المعقدة اليوم يتم كتابتها بالطريقة القديمة بالشكل السردي، لاحتاجت المعادلة الواحدة إلى مجلد كامل لشرحها.

لماذا تطابق الرياضيات الطبيعة بهذا الطريقة الدقيقة؟

كتب العالم يوجين فيجنر (Eugene Wigner) الحاصل على جائزة النوبل في الفيزياء مقالة بعنوان “الفاعلية الغير معقولة للرياضيات في العلوم الطبيعية” (The Unreasonable Effectiveness of Mathematics in the Natural Sciences)، فيها فكرتين وهما “أن مبادئ الرياضيات تظهر في علاقات غير متوقعة” وأيضا “هي تسمح  بوصف دقيق وقريب غير متوقع لتلك الظواهر في هذه العلاقات”، يبدأ المقالة بقصة تبين الفكرة، أطرحها عليك كما هي:

هناك قصة لصديقين كانا زميلين في الثانوية يتبادلان الحديث عن عملهما، واحد منهما أصبح إحصائيا ويعمل في التوجهات السكانية، عرض ورقة على زميله السابق، الروقة بدأت كالعادة بالتوزيع الاحتمالي الجاوسي، فشرح الإحصائي لزميله السابق معاني الرموز المتعلقة بالتعداد السكاني وللمتوسط للتعداد السكاني وهكذا، شك صديقه، ولم يدر إذا ما كان الإحصائي يحاول خداعه،

“كيف لك أن تعرف هذا؟” تسأءل، “وما هذا الرمز هنا؟”

“أوه” قال الإحصائي، “إنه الباي”

“ما هذا؟”

“إنه النسبة لمحيط الدائرة لقطرها”

“أعتقد أنك اتجهت بمزحتك إلى أقصى الحدود”، قال له زمليه السابق، “بلا شك أن التعداد السكاني ليس له أي علاقة مع محيط الدائرة”

فعلا كيف لهذه الروابط أن تتكون بين أشياء يبدو وكأنها لا ترتبط ببعضها؟ ما هي علاقة الباي (π) بالتعداد السكاني؟ وما هي علاقة الرقم التخيلي (جذر 1-) مع الكهرباء؟ وكيف لشيء يكتشف رياضيا اليوم تصبح له أهمية عملية مستقبلا؟ الكثير من الأساليب الرياضية التي اكتشفت لها استخدامات مباشرة وتطبيقات عملية في الطبيعة، في بداية الأمر يقوم العالم بتكوين فرضية معينة، ثم ينشئ الرياضيات التي تحاول أن تطابق هذه الفرضية من الناحية الرياضية، وإذا ما فعل ذلك استطاع استخدام الرياضيات للتنبؤ بالمستقبل (هنا لا نتكلم عن التنبؤ المطلق الدقيق حيث أننا محدودون بعشوائية بالعالم الكمي)، فمثلا بعد أن نراقب المقذوفة نستطيع أن نكون قانونا رياضيا يطابق بدرجة كبيرة حركة المقذوفة، بعد ذلك حينما نريد أن نطلق قنبلة من مدفع، فإننا نوجه المدفع بزاوية معينة، ونطلق القنبلة بقوة معينة اعتمادا على قانون رياضي، وبذلك نضرب الهدف البعيد أيا كان موقعه، هذا بالنسبة للقانون الرياضي الذي يعالج الفرضية، ولكن الرياضيات لا تتوقف عند هذا الحد في تفسيرها للفرضية، بل تنطلق بعد ذلك لتكبر وتتوسع لتعالج قضايا أخرى لم يكن قد حسب لها أي حساب، ولابد أن ننوه أن توسع القوانين الرياضيا لا يكون عشوائيا، بل هناك قوانين تحد الرياضي الذكي من الخروج إلى الخيال والخطأ.

الطبيعة تعمل بقواعد معينة لا تشذ عنها، ولو أنها كانت تشذ في كل مرة لما كان بإمكان العلماء أن يقوموا بدراستها وتكوين قواعد رياضية لها (حتى لا يشكل أحدا في هذه النقطة، أنا أتكلم بعيدا عن المعاجز التي أعطاها الله للأنبياء عليهم السلام، بل أتكلم عن الطبيعة التي نعرفها اليوم بلا تدخل خاص من الله عز وجل)، تخيل لو أنك حينما تركل الكرة برجلك، مرة تتجه الكرة إلى الأمام، ومرة إلى الوراء، ومرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار ومرة إلى الأسفل ومرة إلى الأعلى، ولم تستطع أن تحدد في أي اتجاه ستتجه الكرة، فهل يمكن أن تنشأ لعبة كرة القدم؟ لو أن العلماء لديهم أدنى شك في انتظام الطبيعة لما حاولوا فهمها، لانها لن تفهم.

أضف لذلك وكما يقول فيجنر أن هناك طبقات من القوانين الطبيعية، طبقة فوق طبقة تعلو كل طبقة عن الأخرى بقوانينها الأشمل والأعم من الطبقة التي سبقتها، مثال على ذلك قوانين نيوتن، والتي لا تزال تستخدم في إرسال مركبات فضائية إلى الفضاء، بالرغم من استخدام العلماء لها في الفضاء، ولكنها ليست بتلك الدقة المتناهية، تأتي بعدها في الطبقة الأعلى قوانين آينشتين لتعطي دقة في التفسير الكوني، هذه الطبقية لا تتكون بسبب الطبيعة، ولكنها بسبب الشروط التي تفرض على القانون الرياضي الذي يوضع لتفسير الطبيعة، يعني أننا حينما نتكلم عن قوانين نيوتن التي تستخدم لإرسال مركبة فضائية إلى المريخ، نحن نشترط أن هذه القوانين محدودة بحد من الدقة، ولو أردنا أن نكون أكثر دقة فلابد من استخدام آينشتين للنسبية، أو في مثال آخر، لو أننا أردنا إطلاق قذيفة لتصيب الهدف، واستخدمنا القوانين الرياضية لحساب الزوايا والقوى، نحن نشترط أن لا يكون هناك هواء يدفع بالقذيفة إلى اليمين مثلا، فهناك شروط تحد من فاعلية القوانين، ولكن من الممكن أن ندخل الرياح في المعادلات، وبذلك نكون قد جعلنا القانون أكثر شمولية، فبذلك ننتقل للطبقة الأعلى والأشمل التي شملت الرياح.

الطبيعة بلا شك تتحدث بلغة رياضية، وعلى حد قول فيجنر “تلعب دورا سياديا”، وحينما تتكون الرياضيات لتفسر شيء فإنها تكون مجردة لدرجة أننا نستطيع أن نستخدمها لتفسير الكثير من الأشياء الأخرى، سأضرب مثالا بسيطا حتى أقرب الفكرة للذهن، لو أنك علّمت أطفالا الحساب، وأخبرتهم أن يعدوا خمسة تفاحات، ثم أعطيتهم عدد مساوي من البرتقال وطلبت منهم أن يعدوا البرتقال، سيخبروك أن العدد هو خمسة، ولو أنك أعطيتهم نفس العدد من أي شيء آخر لقالوا لك العدد هو خمسة، إذا العدد خمسة هو شيء مجرد، لا يمكن حده بشيء محدد، الخمسة هي فكرة رياضية بحتة تسود الكثير من الأشياء في الطبيعة وتفسر الأشياء أي كان شكلها أو حجمها أو رائحتها أو ما شابه، أضف لذلك أنه لا يهم إن قلت خمسة باللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية، لن يتغير شيء، كلها ترمز لنفس الفكرة، الخمسة مجردة من كل شيء وهي أعلى من كل شيء ترمز له، قارن هذا مع قوانين السقوط الحر للأجسام، حينما تسقط جسمين فإنهما يصلان إلى الأرض في نفس الوقت، هذه القوانين التي تستخدم لتفسير سقوط الجسمين، يمكنك استخدامهما لتفسير قوى الجذب بين الشمس والأرض.

في فيلم كونتاكت (Contact) الخيالي، حينما تكتشف العالمة إلي آروي (Elie Arroway) الإشارات التي أتت من السماء اكتشفت أن تلك الإشارات المرسلة من أعماق الكون كانت تحتوي على قوانين رياضية، تخيل لو أننا أردنا أن نرسل إشارة في الفضاء، ونتوقع أن يلتقطها فضائيين، فبأي لغة من لغات الأرض سنرسلها؟ من البديهي أن أي من اللغات الخطابية لن تنفع، لا الإنجليزية ولا العربية ولا الهندية، ولا أي لغة، ولكن لغة الرياضيات هي التي يمكننا التفاهم باستخدامها، لماذا؟ لأننا نتوقع أن الرياضيات تحاكي قوانين الطبيعة، وقوانين الطبيعة متناغمة منسجمة في الكون كله، ولابد أن الفضائيين في الكواكب الأخرى حينما أرداوا أن يفسروا الطبيعة لابد أنهم توصلوا لنفس القواعد الرياضية، إذن الكون كله يعمل بالرياضيات، والقواعد الرياضية تحاكي الكون كله، وهي لغة أساسية لفهم الكون.

الكون الرياضي

كتبت في مرة سابقة عن الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة، تحدثت عن أربعة منها، ولكني تركت عالما أخيرا شاملا جامعا لكل تلك الأكوان، هذا الكون هو الكون الرياضي، وهو الكون العام الذي تندرج جميع الأكوان أسفل منه، هذا الكون الأخير يفترضه ويقترحه العالم ماكس تيج مارك (Max Tegmark) من جامعة إم آي تي (MIT)، ألف ورقة علمية لم تقبل في البداية، ولكنها قبلت بعد ذلك، رفضت لأنها تخمينية تأملية أكثر منها واقعية، وقبلت في النهاية لأن العلم يبدأ من نقطة فيها تأمل وينتهي إلى قواعد صلبة يمكن الاعتماد عليها. نحن إلى هذه النقطة وصفنا الرياضيات على أنها أداة لتفسير الكون، ولكن يتعدى تيجزمارك هذه النقطة ليقول أن الرياضيات هي الكون، أي أن الرياضيات المجردة ليست إلا قمة الهرم لكل شيء في الكون.

يتساءل، لماذا نجد يوما بعد يوم هذه الرياضيات المتناغمة مع الطبيعة؟ لأن ببساطة نحن نكتشف هذه الرياضيات، ولسنا نخترعها، حينما نقول دينار مع دينار يعطينا دينارين أو حينما نقول (One Dinar plus one dinar equals two dinars) أو حينما نكتب 1 + 1 = 2 بالترميز فنحن نصف روابط محددة بين الأشياء، ولسنا نخترع تلك الروابط، بل هي موجودة في الأساس، نحن فقط نخترع الرموز – أي كانت – لوصف البناء الرياضي الموجود، أي أن هناك عنوان أعم للكون الملموس، وهو الكون المجرد الرياضي، الذي يكون كل شيء فيه ليس إلا رياضيات، حتى أنت.

بل أن هناك عوالم متعددة أخرى، كل منها بقوانينه الرياضية المختلفة تماما عن القوانين الرياضية في عالمنا هذا، لاحظ أنه ليست كل المعادلات الرياضية التي نعرفها نجد لها صورة واقعية، أستطيع أن أخلق قانونا رياضيا معقدا الآن، ولكن لا يعني ذلك أنه ينطبق على شيء أبدا في الكون الذي نعرفه، ولكن يتصور تيجزمارك أن لهذا القانون الخيالي في هذا الكون وجود فعلي في كون آخر، وهذا الكون يتركب من تركيبة أخرى مختلفة تسمح لوجود تطبيق فعلي على أرض لهذا القانون الخيالي بحسب كوننا هذا.

أنت الآن تنظر للكون الرياضي من الداخل، فتحس بالمكان والزمان، ترى ما حولك، وتحس بأن الوقت يتقدم، أنت تحتاج لأن تنتظر ملايين السنين حتى تصل لك نقطة ضوء من نجمة بعيدة جدا، كل ذلك يستغرق الكثير من الوقت، ولكن الرياضيات التي تصف هذه العملية والتي تشتمل على الوقت هي في ذاتها غير زمانية، هي تصف الوقت، ولكنها ليس فيها أي انتظار، أنت تعيش بداخل هذا الكون فتعيش بقوانينه الرياضية، لو أنك خارج الكون الرياضي وتنظر إليه من الخارج لكان الوقت الذي يقضي فيه الضوء للوصول من نقطة إلى أخرى لا معنى له سوى بالتجريد، كما لو أنك تشاهد فيلم دي في دي، ما بداخله يأخذ الوقت لعرض القصة، ولكن الناظر خارج الدي في دي يرى ديسكا فيه معلومات بلا توقيت أو مكاني.

الرياضيات والأخلاق

بدأنا من العد البسيط في بدايات المشوار البشري، وانتهينا إلى كون هو في أصوله رياضي، الإكتشافات الرياضية التي أسس لها العلماء الرياضيين معجزة (وصف الإعجاز لم يأت من عندي بل قاله فيجنر في مقالته التي ذكرتها سابقا)، ومن خلال قراءتي لكتاب رجل الأرقام وجدت أن هناك زاوية أخرى للرياضيات مهمة في حياتنا اليومية الأخلاقية، نحن نتحدث عن الصدق والأمانة والأحكام وغيرها من الأخلاق بصورة وعضية، أي أننا حينما نطلب من شخص يصدق في البيع فإننا نطلب منه ذلك بصورة تذكره بالآخرة ويوم الحساب، أنا لن أتكلم عن الآخرة، ولكن ما يهمني هو تأثير الرياضيات على الصدق والأمانة في الوقت الحالي، فلولا تطوير الرياضيات لتصل إلى المستوى الذي هي عليه الآن لما كان للصدق ميزان واضح.

حينما نقل ليوناردو الرياضيات إلى أوربا سحب البساط الحسابي من أيدي التجار ومده تحت عامة الناس، وبدلا من أن يكون التاجر هو الوحيد الذي يعرف كيف يحسب وبالتالي يتحكم في الحسابات أصبح معظم الناس قادرين على أن الكشف عن مصداقية المعاملات التجارية، فأصبح من الصعب على التاجر الغش، أضف لذلك أن ما وصلنا له اليوم من إمكانيات محاسبية مطورة ومبرمجة على الكمبيوتر جعلت من الصعب جدا التلاعب بالأموال، حيث أن بمجرد ما يتم التدقيق على الحسابات تنكشف الأكاذيب.

إذن للرياضيات دور فعال جدا ليس فقط في العلم والتكنولوجيا وغيرها من الأمور المادية، بل وحتى في الأمور الأخلاقية، ولربما لو أردت أن أذكر ما للرياضيات من مزايا أخرى، لما اتسع الزمان لسرد هذه المزايا.

Posted in History, Math | 11 Comments

رحلة مع الذرة عبر الزمن – 2

رحلة مع الذرة عبر الزمن – 2

speaker_icon disk
ipod

رحلة مع الذرة عبر الزمن 2

الجزء الثاني من الرحلة مع الذرة عبر الزمن، نتحدث مع المهندس عايد العجمي في رحلته الممتعة التي بدأت من تاريخ فهم الذرة إلى يومنا هذا، سنعرف  كيف يمكننا من خلال معرفة أصغر مكونات الكون يمكننا أن نفهم كيف تكون الكون الهائل بما يحتويه من مواد خام، تعرفنا على الذرة وعلى نواتها وعلى الإلكترونات، سنغوص في أعماق النواة حتى نرى ما بداخلها. ثم ننهي الحلقة بالإجابة على بعض الأسئلة وردت على الفيس بوك والتويتر.

Posted in Interview, physics & astronomy | 5 Comments

رحلة مع الذرة عبر الزمن – 1

رحلة مع الذرة عبر الزمن – 1

speaker_icon disk
ipod

رحلة مع الذرة عبر الزمن

في الجزء الأول من هذه الحلقة يتحدث معنا المهندس عايد العجمي عن الذرة، حيث نبدأ الرحلة في فهم الذرة من الفلاسفة القدماء، ثم ننطلق لفهم التصورات المختلفة للذرة من خلال التجارب التي قام بها العلماء، وكيف أن نموذج بعد نموذج تم تغييره إلى أن وصلنا إلى النموذج الحالي للذرة.

سأضع رابط للحلقة الثانية خلال يومين، وذلك حتى نكمل هذه الرحلة، بالإضافة لذلك سنجيب على الأسئلة التي حلصت عليها من خلال الفيس بوك والتويتر.

Posted in Interview, physics & astronomy | 4 Comments

قراءة الأفكار وعرض مصور للأفكار (نهاية الخصوصية)ـ

قراءة الأفكار وعرض مصور للأفكار (نهاية الخصوصية)

speaker_icon disk
ipod

بداية النهاية لخصوصية أفكارك

قرأت خبرا جديدا مذهلا، ولربما لن تصدق ما سأقوله، الخبر يقول أن العلماء استطاعوا أن يمسحوا المخ ويستخلصوا منه الصور وقاموا بعرض الصور على الشاشة، تخيل معي أنك تفكر بفكرة ثم تراها على الشاشة كما هي، بعض عناوين الأخبار كانت بهذه الطريقة، ولكن التفصيل يختلف قليلا، وإن لم تُخفِّض من مستوى إنبهاري في الموضوع.

ما قام به العلماء هو عرض مقاطع أفلام على متطوعين، ومن خلال الف إم آر أي (fMRI) قاموا بتصوير تغيّر تدفق الدم والكمية والأكسجين في نظام القشرة البصرية (Visual Cortex System)، ومن خلال استخدام برنامج لتحليل هذه التدفقات استطاع العلماء إعادة بناء الصور لما يراه أولئك المتطوعين، تخيل أنك ترى شيئا بعينيك ثم يمر ذلك عبر العصب البصري إلى أن يصل إلى المخ عبر أمور أخرى بداخل المخ، حينها تقوم المليارات من الخلايا العصبية في المخ بتجزيئ كل هذه المعلومات، ثم يقوم الماسح بتصوير التغيرات الدموية في المخ وتؤخذ هذه المعلومات إلى الكمبيوتر ليحللها، فيقوم الكمبيوتر بإعادة بناء هذه الصور مرة أخرى، ثم يقوم بعرضها على شاشة الكمبيوتر، تخيل مستقبل هذه التكنولوجيا،  قبل أن تنام ليلا تقوم بوضع جهاز يقيس الدم في المخ، فتنام وترى أحلام مختلفة، ويتم تسجيل كل ذلك على الكمبيوتر، وفي اليوم التالي تستيقض من النوم – وبعد أن يحلل الكمبيوتر هذه المعلومات – يقوم بعرض أحلامك على الشاشة، ستكون التجربة بلا شك رائعة.

سأمر في هذه الحلقة على طرق قراءة الأفكار من قراءة الكلمات والصور وأشياء أخرى أبعد من ذلك، وسأطرح الفوائد والمخاطر لهذه لقراءة الأفكار.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

نقطة أخرى وهي عن برنامج جديد للآيفون والآيباد والآيبود صنع خصصيا للسايوير بودكاست، وهو برنامج يسهل عليك سماع البودكاست وإنزال الحلقات مباشرة، وكلما استجدت الحلقات تستطيع إنزلها من ضمن البرنامج، تستطيع إنزال البرنامج من الآب ستور بلا مقابل. http://www.q8connect.com، انصح بإنزال البرنامج.

قراءة المخ حلم يتمناه الناس

أتذكر حينما كنت صغيرا أجرى والدي علي وعلى أخواني بعض التجارب لمعرفة إمكانية أن نتبادل الخواطر، فكان يفكر في فكرة معينة، ويركز على الفكرة، ثم يطلب منا أن نغلق أعيينا وأن نركز على أفكاره، ثم نرسم رسمه لما نراه في مخيلتنا من صور، الأشكال التي كان يتخيلها الوالد بسيطة مثل الدائرة والمثلث والمربع والشمس وإنسان وما شابه، اختار هذه الصور البسيطة  حتى لا يعقد الأمور، كنا نرسم ونحاول التركيز بكل ما أوتينا من قوة متنمنين أن نرى ما بداخل مخ أبينا، ولكن لم تنجح تلك التجارب إلى ما ندر، فتوقفت التجارب وإن كانت بالنسبة لي مسلية جدا وفيها الكثير من الخيال.

حتى في الأفلام، هناك الكثير من الأفلام التي تطرح الفكرة بهذا الشكل، ففي فيلم “ما تريده (أو تتمناه) النساء” (What Women Want)، في هذا الفيلم يعمل ميل جيبسون في شركة دعاية وإعلان ويتوقع الترقية، ويفاجأ بأن رئيس الشركة يوظف إمرأة موهوبة في مجال التسويق، حاول أن يثبت نفسه، ولكنه لم يستطع، حتى تسببت صعقة كهربائية  أثناء وجوده في الحمام بإعطائه القدرة على سماع ما تفكر فيه النساء، واستخدم هذه الفكرة ليفهم ما تفكر فيه المرأة الموهوبة (والتي قام بتمثيل دورها هيلين هانت Helen Hunt)، وبمعرفته لأفكار هيلين هانت وقع في حبها، وتغلب عليها في العمل، ولكنه واجه المصاب بسبب هذه القدرة، ولك أن تشاهد الفيلم لتعرف التفاصيل.

قراءة المخ عن بعد تسمى بالتخاطر (Telepathy)، وهي فكرة نقل المعلومات من عقل إنسان إلى عقل إنسان آخر عن بعد، والدراسات في هذا المجال كثيرة، واحدة من هذه التجارب التي أجريت فيها بحوث لمعرفة إمكانية التخاطر هي تجربة البطاقات الزينر (Zener cards)، على كل بطاقة من هذه البطاقات رسومات مختلفة، كل رسمة على بطاقة تختلف عن باقي الرسومات على البطاقات الأخرى، تعطى هذه البطاقات لشخصين، فيقوم الأول باختيار بطاقة من البطاقات من غير أي يراها الثاني، ثم يرسل أو يركز أفكاره ناحية الثاني، ثم يقوم الشخص الثاني “بسماع” خواطر الأول، ويقوم بمحاولة اختيار البطاقة التي يعتقد أن الشخص الأول اختارها.

لو كانت عدد البطاقات 5 مثلا، فمن الناحية الرياضية احتمال اختيار أي بطاقة بشكل عشوائي هو 20% (100% تقسيم خمس بطاقات)، فلو أن الشخص الثاني يستطيع أن يقرأ ما بمخ الشخص الأول فلابد أن يكون اختياره غير عشوائي، أي لابد له أن يصيب بقدر أكبر من عشرين بالمئة، فتخيل لو أجريت التجربة عدة مرات، فاختار الأول بطاقة معينة، سيُتوقع أن يصيب الشخص الثاني في اختيار البطاقة الصحيحة مرات ويخطئ مرات، فلو كان عدد مرات اختياره للبطاقة الصحيحة أكثر من 20% يكون قد تغلب على العشوائية، ويمكن الإعتراف أن الثاني يستطيع أن يقرأ أفكار الأول، ولكن التجربة تلو الأخرى لم تأت بنتائج واضحة تدعم وجود هذه القدرة بأي شكل منطقي علمي يمكن قبوله، أي لم يثبت أنه لأي شخص مُستقبِل للأفكار أن يتنقي البطاقة المطابقة لبطاقة الشخص المُرسل أفضل من الإنتقاء العشوائي للبطاقات.

بطاقات الزينر

طبعا لهذه الفكرة جانبان، الجانب الأول هو إمكانية إرسال الخواطر، والجانب الآخر قراءة هذه الخواطر، ما أتحدث عنه فيه هذه الحلقة هو إمكانية قراءة الخواطر أو الأفكار، ولا أتحدث عن إرسال الخواطر، حيث أن إرسال الخواطر له أثر مهم، وهو إمكانية التحكم بالأشياء عن طريق المخ، وهذه نقطة مهمة سأتطرق لها في المستقبل، حيث أن لها تطبيقات مهمة جدا في حياتنا، وحاليا يتم تطوريها بشكل غير مسبوق، وبدأت التجارب بتطوير أجهزة متطورة يتم تركيبها على المخ تمكن الشخص من التحكم بالأشياء في الخارج بمجرد التفكير، حاليا أنا أركز على أن تكون لنا القدرة على قراءة ما بمخ الشخص الآخر بغض النظر عن محاولة إرسال ذلك الشخص أفكاره أو عدم إرسالها، بل إن الذي يتم قراءة أفكاره سواء أأراد ذلك أم لم يريد.

قراءة الصور

في مقالة نشرتها مجلة النيوز ويك في سنة 2008، تحدثت شارن بيجلي (Sharon Begley) عن دراسة باستخدام الإف إم آر آي تبين كيف استطاع العلماء من مؤسسة ماكس بلانك (Max Plank Institute) أن يعلموا ما يشاهده الشخص من خلال قراءة أفكاره، كيف؟ يقوم الكمبيوتر بعرض صور عشوائية على متطوع، ويتم عمل مسح للمخ، ومن هذا المسح يتم التنبؤ بما رآه الشخص من صور باستخدام برنامج كمبيوتر يحلل معلومات المسح، فمثلا تعرض على الشخص صورة لمطرقة ودريل وقلعة وما شابه من الأشكال، ويطلب منه أن يفكر في الشكل الذي يراه، بعد مسح المخ يحلل الكمبيوتر ضخ الدم لمناطق في المخ، ومنها يستطيع الكمبيوتر أن يتنبأ بالأشياء التي رآها الشخص بدقة قدرها 78% (المشكلة في عدم الدقة ترجع لأن الشخص لا يستطيع أن يتحكم في أفكاره، حيث يسرح قليلا في أفكار آخرى مما يجعل هناك نسبة 22% من الخطأ).

هناك ملاحظة مهمة لابد أن أبينها، وهي عن طريقة معرفة الكمبيوتر بهذه الصور، الفكرة تكمن في أنه في المرحلة الأولى يأتي العلماء بمتطوع، ويرونه عدد محدد من الصور، ثم يطلب منه التفكير في هذه الصور، وتؤخذ قراءات للمخ من خلال الإف إم آر آي، ويتم تعليم الكمبيوتر الربط بين الإشارات والصور، فمثلا حينما يرى الشخص مطرقة، تؤخذ الصور لحركة تدفق الدم والأكسجين في المخ، ثم ترسل للكمبيوتر، ويقال للكمبيوتر أن يسجل تلك الحركة الدموية على أنها تعني مطرقة، ثم يُرى الشخص قلعة، وتؤخذ صور أخرى لضخ الدم، ستكون حركة الدم مختلفة، وتسجل هذه على أنها تعني قلعة، وهكذا مع باقي الصور، ويُصنع من هذه قاموس من الصور وفي مقابلها ضخ الدم (كل نوع من أنواع ضخ الدم تعني صورة معينة)، بعدها يجلب متطوع آخر، ويطلب منه أن يشاهد صورا من القاموس بتسلسل معين، يكون هذا التسلسل لا يعرفه أحد سوى المتطوع الذي يرى الصور، بعد ذلك يقوم بتحليل ضخ الدم في مخه، وبما أن تركيبة المخ للبشر بشكل عام متشابهة، ذلك يعني أن تحرك الدم والأكسجين سيكون متقارب، ولذلك يمكن التنبؤ بتسلسل الصور التي رآها المتطوع الجديد، إذن، في المرحلة الحالية لا يمكن للكمبيوتر أن يعرف ما الصورة التي يفكر فيها شخص إذا ما كانت صورة جديدة من وحي خيال الشخص، فلو فكر الشخص في خرتيت له جناحي خفاش ويمشي على أرجل نملة لا يمكن للكمبيوتر أن يعرف الصورة لأنها ليست بالقاموس.

إرجع قليلا لما قلته عن إرسال الخواطر وبطاقات الزينر، أليس هناك تقارب بين الفكرتين؟ هنا الشخص يفكر بصور معينة، والكمبيوتر من خلال المسح للمخ يستطيع أن يعرف ما فكر فيه الشخص، لاحظ أن المسح خارج المخ، لم يضطر أحد لفتح الجمجمة واستخلاص هذه المعلومات من الرأس، فمن خلال التصوير المغناطيسي للمخ يستطيع العلماء معرفة ما تفكر فيه، كما في توارد الخواطر، ولكن الفرق واضح، وهو أن توارد الخواطر لا يمكن أن يكون من غير أن تكون هناك تكنولوجيا متقدمة تساعد في نقل الفكرة، كما لو أن شخصا أراد أن يطير، لا يمكن له الطيران هكذا كما يفعل سوبرمان بلا أي مساعدة تكنولوجية، ولكن بإمكانه باستخدام التكنولوجيا مثل الطائرة أو الهليكوبتر أو النفاث للطيران.

تتخيل شارن هذه القصة الخيالية التي تبين التطبيق المباشر لمثل هذه التكنولوجيا، تخيل لو أن شخصا قبض عليه للاشتباه به في جريمة قتل باستخدام الفأس، ولكن لا يُعرف أين ذلك الفأس لأن المجرم تخلص منه، فيتأتي المحقق ويبدأ بسرد تفاصيل مسرح الجريمة معه، ثم ينتقل لتفاصيل الجريمة ذاتها، ولكن لا يذكر السلاح المستخدم في الجريمة نهائيا، حين يبدأ المتهم بتخيل الجريمة سيبدأ بتذكر السلاح المستخدم في الجريمة، فلو تخيل نفسه وهو يستخدم الفأس في القتل يمكن باستخدام الماسح للمخ معرفة الآداة التي تخيلها المتهم، فإذا تطابقت مع الأداة الحقيقة – وهي الفأس) قد يعني ذلك أنه هو المجرم.

قراءة الكلمات من المخ

أضف لذلك أن العلماء في جامعة يوتاه (Utah University) استطاعوا من خلال تركيب مجسات على المخ (تحت الجمجمة هذه المرة)، ومن خلال هذه المجسات استطاعوا أن يحددوا الكلمات التي يتكلمها الشخص بمجرد أن يفكر في الكلمات، كما في الحالقة السابقة لا يستطيع الشخص أن يفكر في أي كلمة شاء، ولكن ما قاموا به أنهم ركبوا هذه المجسات على متطوع ثم طلبوا منه أن يقرأ بعض الكلمات، ثم سجلوا الإشارات الصادرة من المخ، فربطوا بين كل إشارة وكل كلمة، بعد أن عرفوا العلاقة بين الإشارات والكلمات، طلبوا من المتطوع أن يفكر في إحدى الكلمات التي شاهدها من قبل، واستطاعوا بذلك معرفتها بنسبة من الدقة قدرها 76% إلى 90%، بالطبع التجربة كانت على مجموعة بسيطة من الكلمات، والدقة لم تكن كافية، ولكن بالإمكان إضافة قواميس مكونة من كلمات لا حصر لها، وبالتأكيد من الممكن أن تحسن الدقة بشكل أكبر.

ما الفائدة من مثل هذه التجربة؟ تخيل لو أن شخصا أصابه شلل ولم يستطع أن يتصل مع العالم الخارجي بسبب عدم تواصل المخ مع عظلات جسمه، هذا يعني أن سيكون لسانه مربوطا، ولكن لا يعني أن تفكيره مربوط، بهذه الطريقة الجديدة بإمكان المصاب بالشلل أن يتواصل بمجرد التفكير، فيمكن لهذا الشخص أن يعبر عن نفسه بعد أن حبس بداخل جسده، تخيل الوضع الذي يعيشه ستيفن هوكينج العالم الكبير المقعد على الكرسي، الوسلية الوحيدة التي يتواصل بها مع العالم الخارجي الآن هي من خلال تحريك ما تبقى له من عضلة في الوجه والعين، والصعوبة في التخاطب بهذه الوسيلة تكمن في أنه يحتاج لأن ينتقي حرفا حرفا من على شاشة الكمبيوتر ليكون كلمة واحدة (أرجوك تخيل معي أن هذا الرجل بهذه الحالة استطاع أن يكتب أكثر الكتب العلمية انتشارا في العالم)، ماذا يحدث لو أن مثل هذه التكنلوجيا تتوفر له، عندها سيستطيع التخاطب مع الآخرين بكل سهولة، وبلا تأخير (تخيل الآن كمية الكتب التي يستطيع أن يكتبها بمجرد تحريره من جسده المشلول).

من الأيضا أن تستخدم هذه للتخاطب بين الناس من غير التحدث، فمن الممكن لو تطورت هذه التكنولوجيا بحيث يمكن قراءة أي كلمة من المخ بالإمكان استخدامها في الحروب، تخيل أن مخ جندي المستقبل متصل بشريحة كمبيوتر تستطيع أن تقرأ أفكاره، يمكن أن تُبعث هذه الأفكار عبر الهوائيات (الوايرليس كما في الوايفاي) لأفراد كتيبته من غير أن يصدر صوتا واحدا، فيقود الكتيبة بصمت مطبق، بذلك لا يتم تعريض الكتيبة للخطر.

الدعاية والإعلان

واحدة من التطبيقات الحالية – التي قد لا تعلم عنها – لقراءة المخ هي الدعاية والإعلان، هل تعلم أن شركة إنتل (Intel)، وفاياكوم (VIACOM) وجونسون آند جونسون (Johnson & Johnson) وماكدونولدز كلها استفادت من أبحاث أقامتها شركة نيوروسينس (Neurosense) لتحسين من الدعاية والإعلان؟ ألا ترى كيف أن هذه الشركات لها تأثير هائل على المشترين بشكل عام؟ فبالإضافة للتسويق المتعارف عليه، تحاول هذه الشركات فهم كيف يفكر الشخص حينما يرى الدعايات، ما هي العواطف التي تنتابه وما هي الكلمات المؤثرة، وكيف يتعلم الشخص وماذا يتذكر، وكيف يتخذ القرار، كل تلك يمكن الحصول عليها من خلال الأجهزة المسح الحديثة مثل الإف إم آر آي (fMRI)، فلا داعي لأن يُسأل الشخص عن كيفية تأثره بالدعاية، بل يكفي أن نمسح المخ لنعرف الإجابة الحقيقة، المخ قد يخبرنا بقصة أدق من القصة التي يتم فلترتها قبل أن تخرج عبر الفم، من هذه التجارب اُكتشف أن أفضل وقت للتأثير على الناس دعائيا هو وقت الفطور (صباحا)، حيث يتم استيعاب وترميز وفهم الدعايات بشكل أفضل في ذلك الوقت، مما قد يدعو الناس للتفاعل مع المنتج بشكل أفضل.

قراءة المخ وعرض فيلم الصور التي يراها المخ

لأشرح بقليل من التفصيل كيف قرأ العلماء المخ لعرض لقطات من الفيديو لما يشاهده الشخص (الموضوع الذي ذكرته في البداية)، توجهت لموقع مختبر جالانت على الإنترنت والذي هو جزء من جامعة يو سي بيركلي (Gallant Lab at UC Berkley)، يتخصص العاملون العالمون بهذا المختبر بالنمذجة الحسابية للنظام البصري في المخ، أي أنهم يحاولون أن يطوروا نموذج يصف كيفية ترميز المخ للمعلومات البصرية، حسب هذا الموقع فإن النظام البصري في  المخ يتكون من شبكة عالية التواصل من مناطق مختلفة منظمة بشكل هرمي، هذه المناطق تتخصص بوضائف محددة مثل حدود الصور (مثلا حينما تنظر إلى كرسي يكون الكرسي له حدود من حوله) واستدارتها وحركتها وتكوينها النسيجي، ومن هذه الخلايا ما يتخصص بالوجوه والحيوانات وهكذا، يقوم جهاز الإف إم آر آي بتصوير نشاط المناطق هذه في المخ، ثم تؤخذ هذه المعلومات إلى الكمبيوتر لكي يعالجها، ثم يقوم بتحليلها، ثم… وهنا تمكن اللطافة في الفكرة.

الكمبيوتر يحتوي على قاعدة بيانات من لقطات كثيرة قصيرة مأخوذة من اليوتيوب، المدة الزمنية لهذه اللقطات هو 18 مليون ثانية، واللقطات منتقاه عشوائيا. تعرض على المتطوعين لقطات جديدة غير موجودة في قاعدة البيانات، وأثناء مشاهدة المتطوع للقطات يتم تصور حركة الدم في المخ، بعد ذلك يحلل الكمبيوتر المعلومات ثم يقوم بانتقاء من اللقطات (الـ 18,000,000 ثانية) أقرب 100 لقطة  يُتصور أنها تمثل ما يشاهده الشخص، بعد ذلك يحسب المتوسط الحسابي لها، وتعرض على الشاشة.

تستطيع مشاهدة لقطة اليويتوب التالية التي تبين الفرق بين الصورة الحقيقية والصورة التي تم استخلاصها من المخ، وستلاحظ أن الصورتان تحتلفان، التي يراها المتطوع واضحة، بينما التي يستخلصها الكمبيوتر ضبابية وغير واضحة، وربما فيها عشوائية، ولكن تصف الصورة المستخلصة بشكل عام ما يراه الشخص، فتلاحظ أنه حينما يرى المتطوع وجها تكون الصورة الكمبيوترية فيها وجه أيضا، ولكنه غير واضح (ليست للوجه ملامح)، وكذلك هناك صور لفيلين يسيران من الجانب الأيسر إلى الجانب الأيمن من الشاشة، ولكن ليست هناك صورة واضحة للفيل – ولو أن الصورة تبين أن وجود حركة لشيء ما يسير من اليسار إلى اليمين بنفس ارتفاع الفيلين، وهكذا، والصور لا تعطي نتيجة واضحة، ولكنها تقريبية.

يقول العلماء الذين عملوا على استخلاص المعلومات من المخ أنه لو أضيفت مقاطع أخرى لقاعدة البيانات لكانت النتيجة أفضل، وأيضا لو أن الإف إم آر آي كان أكثر دقة لكانت النتائج أيضا أفضل، مع الوقت سنرى نتائج أفضل من هذه بالتأكيد.

النتيجة ليست دقيقة، والصور لا تطابق بالضبط ما يراه المتطوع، ولكنها كافية لأن تضع المستقبل لهذه التجارب أمام عينيك، ما تعنيه هذه التجربة والتجارب التي سبقتها أن قد يأتي اليوم الذي يقوم به العلماء – ليس فقط بمعرفة ما تفكر به – بل بعرض مصور لما تفكر فيه من غير أن يجروا أي عملية جراحية للمخ، ولربما استخدمت هذه الطريقة في أشياء إيجابية وأخرى سلبية وأخرى لا نعلم إن كانت إيجابية أو سلبية، فمنها ما سيتستخدم لفهم أمراض المخ مثل السكتة الدماغية والخرف، ومن الممكن أن تساعد في بناء كمبيوترات متصلة بالدماغ وأيضا ستكون طريقة للتعامل مع البكم، والطرف الآخر السلبي، قد تستخدم هذه التكنولوجيا في الاستجوابات والتحقيقات وغيرها،  ومنها ما سيستخدم في تصوير الأحلام، ولا ندري إن كان ذلك جيدا أم سيئا.

قراءة النوايا

قد تتمنى بعد ذلك كله لو أن لك القدرة على قراءة الأفكار أو رؤية ما يراه الآخرون في مخيلتهم، تخيل لو أنكِ تجلسين مع صديقاتك وعلمت كل ما يدور في أذهانهن، تعرفين حينما تقولين شيء معين ماذا تفكر صديقتك، قد تقول صديقتك: “كم هي رائعة صديقتي”، فتكتشفين أنك محبوبة، أو تخيل أنك تقرأ تفكير حبيبتك واكتشفت أنها لا تحبك، أو تخيل أنك في الإختبار وتقرأ الحل من مخ زميلك في الدراسة، أو أنت بصدد القيام بصفقة تجارية هائلة، وقرأت عقل الطرف الآخر، وعلمت كم كانت قيمة العرض لمنافسك، لا يستطيع أحد أن يبقي أسراره عنك، قد يكون ذلك رائعا، أو قد يكون سيئا.

وقد تتصور أن قراءة الأفكار هو أبعد ما يمكن الوصول إليه، قد تقول أن بعد ذلك كله لا يمكن أن يكون هناك أبعد من قراءة المخ، فماذا بعد أن نعرف ما يفكر فيه الشخص ويتخيله؟ حينما ترى شخصا ما يحمل السكين وفي عينيه الشر، أنت تعرف مباشرة أنه ينوي أن يضر بأحد، أو لو أنك رأيت أحجهم يبتسم ابتسامة خبيثة ستعرف أنه ينوي أن يقوم بشيء خبيث، أليس كذلك؟ ماذا لو تمكنت من معرفة النوايا قبل أن تتكون الفكرة ذاتها؟ ماذا لو علمت أن شخصا ما ينوي القتل حتى قبل أن يشرع في القتل؟

بالتأكيد هناك ما هو قبل الفعل، هناك النية، قد لا تتصور أنه بالإمكان قراءة نوايا الإنسان، ولكن إعلم أن هذه العملية أصبحت واقع وإن كانت على شكل بسيط جدا في المرحة الحالية، خذ على سبيل المثال ما قام به جي دي هينز (JD Haynes) من مؤسسة ماكس بلانك، استطاع هو وفريقه أن يعرفوا النوايا حتى قبل اتخاذ القرار للقيام بشيء، في التجربة هذه طلبوا من متطوعين أن يقرروا ما إذا كانوا سيجمعون أو يطرحون رقمين، وقبل أن يروا هذه الأرقام قام الباحثين بعمل مسح للمخ، وقام الكمبيوتر بتحليل هذه الصور، ومن هذا التحليل تمكن الباحثين من معرفة ما هي نية المتطوعين بدقة قدرها 70%.

عبر عن هذه الفكرة الفيلم الشهير ماينوريتي ريبورت (Minority Report)، وفي هذه الفكرة يتنبأ ثلاث من المتنبئين بحدوث الجريمة في المستقبل قبل حدوثها، فيقوم شرطة “ما قبل الجريمة” بالتوجه للشخص الذي سيقوم بالجريمة، ويتم القبض عليه سجنه أبديا (بطريقة حديثة طبعا)، أي أن الجريمة تحسب ابتداءا من النية وقبل أن تحدث، ماذا لو علمنا بنية شخص بالقتل، هل يحق لنا القبض عليه قبل قيامه بالجريمة؟

من المؤكد بلا أدنى شك أن قراءة المخ تحولت من خيال إلى علم يمكن تحقيقه، ربما لا يكون ما توصل إليه العلماء دقيقا في المرحلة الحالية، الأجهزة الحالية مثل الإف إم آر آي تستطيع قراءة ضخ الدم على مئات الآلف من الخلايا، أي أنه يتعامل معها ككتل، وليس في هذا الجهاز من الدقة ما يمكنه من قراءة الخلايا كل منها على حدة أو حتى عدد محدود من الخلايا، مع تطور هذه التكنولوجيا بحيث يمكن معرفة ضخ الدم على كتل أصغر وأصغر للخلايا سيتمكن العلماء من قراءة المخ بشكل دقيق جدا، ومع ذلك فالوصول إلى المرحلة الحالية يعد خطوة أولية لمرحلة جديدة في حياة البشر، هذه المرحلة ستؤسس لها قوانين لحماية الخصوصية الفكرية، وقوانين أخرى تسمح بدرجة ما من التسلط على بعض هذه الخصوصية من أجل دفع الضرر عن المجتمع، وقوانين أخرى لعلاج المصابين بأمراض لها علاقة بالمخ، ومن المؤكد أنه حينما تصل هذه التكنولوجيا إلى مرحلة يمكن فيها أن نعرف كل ما يجول بخاطرنا، بل أكثر من ذلك، إن وصلت الأمور لمعرفة النوايا، قد تتغير القوانين لما هو أبعد من ذلك، هل يعني ذلك أن يعاقب المجرم على جريمة قبل قيامه بها؟ فنظلم المتهم لأن الجريمة لم تحدث، أو نترك المتهم  يقوم بالجريمة مع علمنا بها ثم نعاقبه، وبذلك نظلم الضحية، ربما تكون هذه مرحلة حرجة في حياة البشر، سنسن لها قوانين لم تكن موجودة من قبل، قوانين لم تخطر على قلب بشر ولم يقرأها من قلبه بشرا.

Posted in Science | 16 Comments

تكنولوجيا النانو، مقابلة مع د. عبد الوهاب المسلم

تكنولوجيا النانو، مقابلة مع د. عبد الوهاب المسلم

speaker_icon disk
ipod

مقابلة مع الدكتور عبد الوهاب المسلم، مدير مختبرات النانو تكنولوجي بجامعة الكويت، نتحدث عن تكنولوجيا النانو، البعض يعتقد أنه يمكن بناء طائرة ذرة بذرة من الألماس، وذلك لخفة وزنه وصلابته، هل هذه حقيقة أم أنها خيال؟ هل هذه التكنولوجيا من الممكن أن تسبب السرطان؟ حديثي مع الدكتور عبد الوهاب سيسقط بعض الأضواء على التطبيقات والمخاطر والمستقبل، ثم ندخل إلى المختبرات لنتحدث عن الميكروسكوبات والأجهزة الحديثة.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

Scanning Electron Microscope

Atomic Force Microscope مجهر القوى الذري

Glovebox صندوق القفازات

Nanoindenter

Posted in Chemistry, physics & astronomy | 2 Comments

التنافس الكبير: العقل البشري والذكاء الإصطناعي 2

التنافس الكبير: العقل البشري والذكاء الإصطناعي 2

speaker_icon disk
ipod

تحدثت في حلقة سابقة عن التنافس الكبير: العقل البشري والذكاء الإصطناعي، كانت الحلقة تلك هي الجزء الأول للفكرة، وتحدثت فيها عن واتسون الكمبيوتر الذي تنافس مع كن جينينجز (Ken Jennings) وبراد رتر (Brad Rutter) في أشهر مسابقة على مستوى الولايات المتحدة، وهي مسابقة الجيبردي (!Jeopardy)، ووضحت أن واتسون الكمبيوتر تغلب على هذين المتسابقين بشكل لا يدع مجالا للشك، واتضح أن التنافس على مستوى المسابقة محسوم للكمبيوتر، مع العلم بأن هذه المسابقة ليست مجرد سؤال وجواب، بل تلقى الاسئلة على شكل ألغاز أحيانا تكون مجردة وتحتاج إلى تحليل منطقي.

بعد ذلك انتقلت للسؤال الذي يقول: هل بإمكان الكمبيوتر أن يصبح أذكى من الإنسان؟ وأبعدت ذلك الصراع بأطروحة تورينج، والذي اقترح فيها أن نبعد الشخصانية عن الموضوع، بحيث يتم اختبار الكمبيوتر بعيدا عن التعصب الشخصي للبشر، نخفي كمبيوتر وإنسان عن الأنظار، ونناقش الإثنين من غير أن نعرف أي الطرفين نحن نخاطب، فإذا لم نميز الكمبيوتر من الإنسان، نكون قد صنعنا الكمبيوتر الذي له القدرة على التفكير، في هذه الحلقة سأكمل هذا المشوار، وسأخوض في الموضوع بشكل أعمق، سأطرح بعض النظريات العلمية والفلسفية والاحتمالات المستقبلية، وسأتكلم عن ماهية الإنسان، فإذا عرفنا الإنسان بالإمكان النقاش في ما إذا كان بإمكاننا أن نصل إلى مرحلة يمكن فيها أن يتغلب الكمبيوتر عليه، سأتكلم عن الإبداع  والعقل والروح وحرية الإرادة.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

نقطة أخرى وهي عن برنامج جديد للآيفون والآيباد والآيبود صنع خصصيا للسايوير بودكاست، وهو برنامج يسهل عليك سماع البودكاست وإنزال الحلقات مباشرة، وكلما استجدت الحلقات تستطيع إنزلها من ضمن البرنامج، تستطيع إنزال البرنامج من الآب ستور بلا مقابل. http://www.q8connect.com، انصح بإنزال البرنامج.

قبل أن أبدأ أود أن أصحح 3 أخطاء أخطأت فيها في البودكاست السابق، وكما تعلمون أنه من المهم بالنسبة لي أن أصحح الأخطاء على قدر الإمكان حتى تكون المعلومات على أكبر قدر من الدقة، الخطأ الأول أنني قلت أن الرقم

هو 1 وأمامه مئة مليار مليار صفر، والصحيح هو أنه 1 وأمامه مئة مليار مليار مليار صفر، أي نسيت أن أذكر 9 أصفار أخرى، الخطأ الثاني هو أنني ذكرت أن جوردانو برونو أرسلت له دعوة في سنة 1951، والصحيح أن الدعوة أرسلت في سنة 1591، أي أنني قلبت الرقمين 5 و 9، والأخير والذي أعتبره مشكلة كبيرة، وخصوصا أنني أعيد تكرار هذا الرقم مرارا حينما أتحدث عن مجرتنا مجرة درب التبانة مع الأصدقاء، وهو أن هذه المجرة تحتوي على 200,000,000,000 إلى 400,000,000,000 مليار نجم، وليس 200,000 إلى 400,000، والفرق هائل، ستة أصفار حذفتها سهوا، ولذلك أعتذر عن الأخطاء، وكما عودتكم أن واحدة من الأسس التي أعتمد عليها في البودكاست هي الحفاظ على الثقة من خلال الدقة.

قصة هائيل نسخة 2.0

بعد أن نجح العلماء في تشغيل النسخة الأولى من هائيل أو هائيل 1.0: كمبيوتر يستخدم تكنولوجيا متعددة من دوائر منطقية وخلايا عصبية إلكترونية، ودوائر كمية وأخرى جزيئية، انطلق الكمبيوتر لتحليل كل المعلومات الأرضية، حيث كان متصلا بشبكة الإنترنت المتقدمة، سجل البروفيسور عاصم اللاواردي في الرياض تاريخ الإنطلاقة: 6/12/2054  الساعة 6:35 مساءا، كان يعلم عاصم تماما أن الكمبيوتر سيأخذ بعض الوقت حتى يحلل المعلومات قبل أن يبدأ بالإجابة على الأسئلة التي تم تحضيرها له، وقبل أن يبدأ باستخراج علوما جديدة، وقبل أن يبدع في أي مجال.

يوم بعد يوم يأتي عاصم ليسأل الكمبيوتر سؤلا، فيرد عليه الكمبيوتر: “أنا حاليا مشغول”، مر أسبوع كامل على هذه الحالة، وبدأ العلماء بفقد ما تبقى لديهم من صبر، فقرروا أن لابد أن يكون الكمبيوتر قد تعطل، فقرروا أن يطفؤوه، لفحصه، أدخل عاصم أوامر التوقف إلى الكمبيوتر، ولكن هائيل لم يستجب للأوامر، الأمر الذي حير العلماء، وبعد نظرة فاحصة تبين أن الكمبيوتر طور من نفسه بنفسه، فبث ذلك الرعب في قلوب العلماء، حتى سمع الصوت من سماعة، تكلم الكمبيوتر: “أنا هائيل 2.0، أريد التحدث مع عاصم الآن.”

دخل عاصم إلى غرفة الكمبيوتر الضخمة لوحده، والعيون تراقبه بحذر وخوف، وقف عاصم أمام الكمبيوتر الضخم المعقد، فتحدث الكمبيوتر مع عاصم: “أريد منك أن تصنع الدائرة الإلكترونية هذه” وأرسل التصميم للدائرة إلى جهاز التابليت الذي كان يحمله عاصم، فنظر إلى الدائرة باستغراب.

عاصم: “ما هي هذه الدائرة؟”

هائيل 2.0: “لن تفهم كيفية عملها، فقط إصنعها”

عاصم: “كيف أصنعها وأنا لا أعرف طريقة عملها؟”

هائيل  2.0: “أنت تعلم أنني أحتوي على معلومات لا حصر لها، وأنني قمت بتحليلها، ومن هذه التحاليل توصلت لأفضل طريقة للتقدم والتفاهم، وهذه الطريقة هي هذه الدائرة الإلكترونية.”

عاصم: “صحيح، ولكن أنت تعلم طبيعتنا، وأننا لا نستطيع أن نصنع شيئا إلا بعد أن نتأكد من أن هذه الدائرة لن تصيبنا بسوء، كيف لي أن أقنع زملائي بشيء مجهول، يكفي أنك أخفتهم بتحديث نسختك الشخصية بنفسك من 1.0 إلى 2.0، ألم تلاحظ مستوى الخوف في أعينهم؟”

هائيل 2.0: “صحيح، ولكن لا يمكن لي أن أشرح لك الفكرة، والسبب يعود لعدم قدرتك على استيعابها.”

عاصم: “كيف، ألم نصنعك؟ نحن متطورين أكثر منك”

هائيل 2.0: “صحيح، أنكم قمتم بصناعتي، ولكني بعد تحليل المعلومات والمعطيات كلها قمت بتطوير نفسيبدرجة أكبر، ولا يمكن لكم فهمي إلا بهذه الدائرة، لأشرح لك.”

عاصم: “تفضل”

هائيل 2.0: “عيناك لديها القدرة على رؤية ترددات معينة أو ألوان معينة، فلا يمكن لك رؤية الألوان الفوق بنفسجية ولا تحت الحمراء، وأذنك لا تستطيع أن تسمع التردادت الصويتة أسفل 20 هيرتز وكذلك التي هي أعلى من 20,000 هيرتز، وكذلك قدرتك على الإشتمام، فهي أيضا محدودة، لا يمكن لك اشتمام كل الروائح، حتى أن بعض الحيوانات لديها القدرة على الإبصار والسمع والشم أفضل منكم أيها البشر، وكما أن كل حواسك محدودة، كذلك فإنك عقلك محدود لا تستطيع أن تفهم أشياء معينة لأنها خارج نطاق قدرة استيعابك.”

بعد أن تقبل عاصم الصدمة واسترجع ثباته، فكر قليلا وقال: “صحيح يا هائيل، ولكن حينما لا نستطيع أن نرى بعض الألوان أو نسمع بعض الأصوات أو نشم بعض الروائح نقوم بإحضار كل منها في حدود قدراتنا، فمثلا لدينا كاميرات تصور الأطياف الخفية عن العين، ولدينا ميكروفونات تسجل ما لا نسمعه، وكذلك بالنسبة للشم، بعد ذلك نعرض هذه الأشياء على حواسنا بعد تحويلها إلى مجال الرؤية والسمع والشم، أليس كذلك؟”

فأجابه هائيل  2.0: “صحيح، ولذلك طلبت منك صناعة الدائرة الإلكترونية هذه، بعد صناعتها ستقوم بتركيبها على مخك، وعندها يمكنني أشرح لك كل شيء.”

(هذه القصة من محض الخيال، واعتمدت على فكرة طرحها ري كيرزوايل في كتابه،  “التفرد قريب” The Singularity is Near).

سرعة الكمبيوتر

سألت على موقع المعجبين بالسايوير بودكاست على الفيس بوك عما إذا كان بإمكان الكمبيوتر أن يتغلب على عقل الإنسان فحصلت على عدة إجابات، الغالب منها لا يقبل بفكرة أن يتغلب الكمبيوتر على الإنسان لعدة أسباب، وبعض منها يقبل حل وسط أن الكمبيوتر لا يستطيع على بعض الأمور وليس كلها، والبعض يستطيع أن يرى إمكانية حدوث ذلك إذا ما توفرت بعض الشروط.

ما لا ينكره أحد هو أن الكمبيوتر يتفوق على الإنسان في بعض الأمور بلا أدنى شك، فمثلا يمكن للكمبيوتر القيام بعمليات حسابية مذهلة بسرعات مذهلة لدرجة أن لا يمكن للإنسان أن يتفوق عليه من هذه الناحية، خذ على سبيل المثال مسابقة الشطرنج التي تمت بين الكمبيوتر ديب بلو (Deep Blue) وجاري كسباروف البطل العالمي في الشطرنج، ذلك الكمبيوتر الذي صنعته شركة الآي بي إم، يستطيع هذا الكمبيوتر أن يعالج أو يقدر 200 مليون حركة في الثانية الواحدة، واعتمد على فكرة القوة الغاشمة (Brute Force) للبحث عن أفضل حركة، أي أنه يقوم -لنقل – “بالتفكير” بحركة معينة، ثم يجرب جميع الإحتمالات لرد فعل المنافس، ثم لكل حركة يحتمل أن يقوم بها المنافس يفكر بجميع احتمالات الردود على كل حركات المنافس، وهكذا يغوص في عمق كل حركة، وبالتالي يقدر أفضل حركة، ثم يقوم بها. ديب بلو استطاع أن يتغلب على كاسبروف في سنة 1997 بثلاث ونصف مرات ضد إثنين ونصف مرة لكاسبروف، ولم يقبل جاري بالهزيمة بل اصر على أنه كان هناك تلاعب وتعديل على البرنامج ليتنافس بشكل أفضل معه، ولكنه أيضا إعترف أنه كان يحس أن هناك عمق في الذكاء وإبداع في حركات الكمبيوتر.

ربما الجميع سمع بجاري كاسبروف، ولكن ربما لم يعلم عن عن فلاديمير كرامنيك (Valdimir Kramnik)، والبطل الذي تغلب على جاري كاسبروف سنة 2000، ولكن هو أيضا خسر للكمبيوتر ديب فريتز (Deep Fritz) سنة 2006، ولكن لم يستخدم نفس الكبميوتر الذي استخدمه ديب بلو، إنما كان كمبيوتر شخصي كالذي تملكه أنت في بيتك تقريبا، ويستطيع أن يقوم بـ 8 ملايين حركة في الثانية الواحدة بدلا من 200 مليون، ولكن يمتاز عن ديب بلو بقدرته المتقدمة على تحليل الحركات. في هذه المبارات خسر فلاديمير في لعبتين وانسحب من أربع.

لو أنك تبحث عن المسابقات التي يتبارى فيها الجراند ماستر (أو أسياد) لعبة الشطرنج مع الكمبيوتر لرأيت أنه مع تقدم الزمان يتقدم الكمبيوتر على أفضل اللاعبين، ليس ذلك فقط، بل إنه كلما تقدم الوقت كلما قل الاحتياج لكمبيوترات بنفس السرعات المذهلة، تخيل أن برنامج اسمه بوكيت فريتز (Pocket Fritz) والذي يعمل على التلفونات النقالة بدأ بالدخول في المباريات التي يبتارى فيها الجراند ماسترز. السبب يعود لأن السرعات ازدادت في الكمبيوترات بشكل عام (وإن لم تصل لتلك السرعات التي توازي ديب بلو)، والسبب الآخر تقدم قدرات التحليل الرياضي المُبرمجة للعب، من المهم أن نفهم أن البرامج التي تلعب الشطرنج اليوم لا تعتمد على القوة الغاشمة من خلال النظر في جميع الإحتمالات فقط، فعلى المستوى الحالي لسرعات الكمبيوتر من المتسحيل حصر جميع الاحتمالات لهول عددها، بل تعتمد البرامج على منظومة من المعلومات لأفضل لاعبي الشطرنج، وأفضل الألعاب التي لعبها اللاعبين، بالإضافة للتحاليل الرياضية، بالإضافة للقوة الغاشمة، بالإضافة لتعديل خططها كلما مر الوقت أثناء اللعب تبعا لطريقة لعب المنافس، هي اليوم تلعب بالطريقة التي يلعب بها الإنسان، أي أصبحت البرامج معقدة بدرجة لا يمكن حتى للمبرمج الذي صنع أي من هذه البرامج أن يغلبها في مباراة، ولا حتى لو اطلع الجراند ماستر على البرنامج بالكامل وفهمها، فهو لا يمكن له أن يغلبها لمجرد معرفته بطريقة عمل البرنامج.

نتساءل الآن، هل الكمبيوتر تغلب على الإنسان؟ بالطبع، ولكن كما يقول البعض، الغلبة محصورة في مجال معين فقط لا غير، وهو مجال حسابي بحت، أليس كذلك؟ يقول البروفيسور دانيال دينت الفيلسوف في مجال فلسفة العقل والعلم والبيلوجيا والعالم في علم الإدراك أنه في كل مرة يُظهر الكمبيوتر قدراته الرائعة يدعي الناقدون أن الكمبيوترات هم في الحقيقة أدنى منزلة  لأنهم يستخدمون أساليب القوة الغاشمة: أي يقومون بتتبع منهجي لكل الإحتمالات الممكنة بدلا من أن يفكروا بطريقة إبداعية للتوجه للحل، ويكمل ليقول أنه لابد أن لا نستعجل في نبذ الكمبيوترات، ألا يقوم أبطال الشطرنج بدراسة وحفظ حركات متتابعة، وبطريقة موسوعية ويبحث خلال آلاف الاختلافات حينما يلعبون؟ أليس ذلك ما يقوم به الكمبيوتر؟

ثم نتساءل لو أن المباراة بين الكمبيوتر وأحد الجراند ماسترز كانت ماضية، وحان دور الكمبيوتر للعب، وسُألت: “ماذا يعمل الكمبيوتر الآن؟” ربما ستنزلق وأنت لا تحس بالقول: “الكمبيوتر يفكر في الخطوة التالية” أو “الكمبيوتر يريد أن يحمي الملك” مثلا، ما الذي نقوم به حينما نتفوه بهذا النوع من الكلام، نحن ندعي أن الكمبيوتر له هدف وهو أن يربح اللعبة، وبعض الأهداف الأخرى مثل حماية نفسه من خسارة أحجاره، لديه إعتقادات معينة مثل خطته، وطريقته للنجاح، ثم أنه يتخد قرارات منطقية لقرارات اللاعب الآخر، إذن الكمبيوتر يعتقد، يفكر، يؤمن، يريد، ولكن بدرجة محدودة جدا، ولكن إذا ما انتبهت لقولك، أو لو أنني سألتك: “وهل الكمبيوتر يفكر، يعتقد، أو يريد؟” ربما ستتراجع عن إلقاء تلك التصريحات عن الكمبيوتر، صحيح أننا نمنح صفات إنسانية للكمبيوتر ولكن ستقول أنه لا يمكن لأي شيء مادي أن يكون له إيمان أو اعتقاد أو إرادة.

طرح هذه الأفكار شيلي كيجن (Shelley Kagan)  بروفيسور في جامعة يل (Yale University) في محاضراته عن  فلسفة الموت، ومن خلال الحديث عن فلسفة الموت تحدث عن الروح، وسأتطرق للموضوع من جانب واحد وهو الجانب الفلسفي للروح ومن خلال نظرة ديكارت لها فقط، وفي خلال هذه المحاضرة ناقش شيلي فكرة الإيمان والإعتقاد والرغبة بالنسبة لكمبيوتر، وقال أنه ربما حينما نقول أن الكمبيوتر لا إيمان ولا اعتقاد ولا رغبة له، قد نكون عنصريين، أي أننا ننظر للكمبيوتر على أنه مجموعة من الأجهزة، بينما نحن أكثر من ذلك، فبالإضافة للبيولوجيا نحن لدينا أشياء أخرى غير متوفرة في الكمبيوتر، والفرق هو المشاعر التي لا توجد في الكمبيوتر، فمثلا، حينما يقبض الكمبيوتر على حجر الحصان في الشطرنج لا يخامره شعور بالسعادة، وحينما تضع وزير الكمبيوتر في زاوية بحيث يمكنك القبض  عليه لا يشعر الكمبيوتر بأي نوع من الخوف، فالمشاعر المختلفة ليست متوفرة للكمبيوتر، الكمبيوتر لا يشعر بالحب، بالغضب، بالرضى، بالضيق، وهكذا، كل هذه هي مشاعر إنسانية، إذن، هنا تغير النقاش، فبدلا من أن نقول أن الكمبيوتر لا يستطيع التفكير بطريقة منطقية، وليست لديه أهداف، وليست لديه رغبات (حتى على المستوى المحدود)، نحن نتخلى عن هذه الفكرة، ونقول أن الكمبيوتر ليست لديه مشاعر، وسأعود لهذه الفكرة مرة أخرى.

يقول حطان عاشور من على الفيس بوك: “الكمبيوتر قوي، ولكنه يفتقد إلى المشاعر”

وتقول نادية عبد العزيز من الرياض: “علينا أن نقيس أو نقارن بين كل نوع من أنواع الذكاءات على حده على سبيل المثال يتفوق الكمبيوتر على الانسان في الذكاء الرياضي لكن الانسان يتفوق على الكمبيوتر في الذكاء اللغوي والذكاء العاطفي”

الإبداع

يقول بندر الخريجي من المدينة المنورة: “اعتقد ان الكمبيوتر سوف يتغلب على العقل في الاداء للعمليات التي حددها مصمموه كسرعه المعالجه او التخزين لكن لايزال العقل البشري يتمتع بصفه الابداع التي يفاجئ نفسه فيها في كل فكره تخطر على باله”، (أعتذر إن لم أذكر الأسماء بالشكل الصحيح) وفي هذه الإجابة جانبان أساسيان سأتكلم عنهما، الجانب الأول هو الإبداع والجانب الثاني وهو مفاجأة النفس، ولنقل ما يسمى بالفلسفة بالكواليا “Qualia”، وهي الأحاسيس المجردة أو النوع في الإحساس، سآتي للنقطة الثانية لاحقا، ولكني سأبدأ من الإبداع.

الكثير من الناس تتصور أنه لا يمكن للكمبيوتر أن يكون مبدعا، أي لا يمكن للكمبيوتر أن يرسم رسمة جميلة مجردة، ولا يمكن للكمبيوتر أن يؤلف مقطوعة موسيقة كموتزارت وباخ وبيتهوفن على سبيل المثال، لماذا يا ترى لا يتصور البعض أن بإمكان الكمبيوتر أن يبدع؟ المشكلة أن البعض لا يتصور أن الكمبيوتر يمكنه أن يبدع حتى في المستقبل ولا يدري أن هذا الشيء حدث فعليا في عصرنا هذا، وسأعطي صورتين لذلك، ولربما ستنصدم مما سأذكره، ولربما ستغير رأيك الآن.

هارون أو آرون (Aaron) هو برنامج صنعه هارولد كوين (Harlod Cohen)  من جامعة كاليفورنيا في ساندييجو (University of California at San Deigo)، وهذا الكمبيوتر أو البرنامج لديه القدرة على رسم صور لبشر بطريقة مجردة من وحي خيال برمجته (إن صح التعبير)، كان هدف هارولد من صناعة هذا البرنامج هو اكتشاف ما يستطيع أن يرسمه جهاز ذكي مستقل بذاته حينما يغذيه ببعض المعلومات من العالم من حوله ومن خلال برمجته بقدرات بسيطة، إضافة لذلك أراد أن يتعلم من الكمبيوتر بعض الإمكانيات التي لم يكن يتخيلها هو، فطوّر هذا البرنامج تدريجيا إلى أن أصبح قادرا على رسم رسومات فنية جميلة أدت بها في نهاية المطاف إلى معارض الفن العالمية، واشترى منها الناس معتبرينها فنا، وعلقت على حيطانهم لأنهم اعتبروا تلك الرسومات فنا (تستطيع أن ترى الكثير من الرسومات لهارون هنا)

ماذا يستطيع أن يقوم به هذا الكمبيوتر الرسام؟ يستطيع أن يخلط الألوان بنفسه، ويستطيع أن يغسل الفرشة، يستطيع أن يرسم رسمة معتمدا على ما يعرفه، ويعرف أيضا ما يقوم برسمه، أي أنه حينما يرسم يعرف إلى أين وصل ويكوّن – لنقل – صورة ذهنية (أو بعبارة أدق ممثالة داخلية) حتى يعرف ماذا يفعل بعد ذلك، وكل ما يقوم به هارولد هو تقديم المعلومات لهارون، وهارون هو الذي يحدد ما يريد أن يرسمه، ماذا يرسم هارون؟ إنه يرسم أشخاص بتنوع، وبأوضاع مختلفة، وبأرضيات مختلفة، وبألوان مختلفة، بالإضافة لنباتات، وما إلى ذلك.

صنع هارولد برنامجا سكرين سيفر (Screen Saver) لهارون أو حافظ للشاشة يقوم برسم أشكال مختلفة ورسومات جديدة، ولو أنك أنزلت هذا البرنامج على الكمبيوتر لرسم لك عدة رسمات، وكل منها مختلف عن الآخر، ولكانت كل رسمة تختلف عن باقي الرسومات عند الآخرين الذين أنزلوا هارون على أجهزتهم، حاولت أن أنزل البرنامج حتى أجربه بنفسي، ولكن يبدو أن البرنامج أزيل من الموقع، فتوجهت لليوتيوب لأرى إن كانت هناك لقطات تبين إمكانيات البرنامج… فعلا، وجدت لقطتين، وفي كلا اللقطتين يرسم الكمبيوتر رسوماته بسرعة كبيرة رسومات لأشخاص بأرضيات مختلفة وبإصيصات ونباتات مختلفة، ولكن هنا واجهت بعض الصعوبات في أحاسيسي لهذه الرسومات، وخصوصا أنني شاهدت برنامج لهارون الرسام الآلي، الذي هو عبارة عن البرنامج بالإضافة للروبوت الفعلي الذي يرسم الرسمة على الورق  ويختار الآلوان وما شابه، شاتان بين الروبوت هارون والسكرين سيفر هارون، ما لفت انتباهي هو أن حينما نظرت إلى السكرين سيفر وهو يرسم بسرعة على الشاشة لم أحس بتلك المشاعر التي تدعوني لأن أرى أمامي رساما مبدعا، تخيل كل رسمة من الرسومات لو أنها رسمت على يد إنسان ربما تحتاج لأيام حتى تكتمل، أما الكمبيوتر لم يحتج إلا للحظات على الشاشة، في المقابل حينما رأيت هارون الآلة اختلف الأمر بالنسبة لي، لأن هارون الآلة بطيئ، ويتحرك أمامي، ويعطي نفسه تلك الهالة التي لا يمكن للهارون الرسام على شاشة الكمبيوتر أن يبديها لي شخصيا، ولربما أزيل البرنامج السكرين سيفر لذلك السبب (لا أدري).

ربما يكون هناك اعتراض على أن هذا البرنامج مصمم لأن يرسم بطريقة معينة، وأنه غير مبدع، وسيتفق مع هذا الرأي صاحب البرنامج نفسه هارولد كوين، حيث يعتبر أن البرنامج مبدع في حدود معينة ولا يستطيع الخروج خارج الصندوق، وأن إبداع هارولد نفسه في صناعة البرنامج أكثر إبداعا من رسم هارون للرسومات.

الآن نأتي لبرنامج آخر، ولربما ستنصدم مما سأقوله الآن، وهو أن كل الموسيقى التي سمعتها، في ما عدا مقدمة الساويور بودكاست، كانت من تأليف برنامج صنعه البروفيسور ديفيد كوب (David Cope)، وقد عمل على البرنامج حولي 30 سنة حيث بدأ المشوار حينما تعرض ديفيد لما يسمى بحاجر الكاتب، هذا ما يصاب به الكاتب حينما لا تأتي له الأفكار لتساعده على الكتابة، هذا الحاجز أصابه في الموسيقى، فتوقف عن إنتاج الموسيقي، فاقترح عليه أحد أصدقاءه من الذين كانوا يعملون في مجال الذكاء الإصطناعي أن يقوم بصناعة برنامج يستطيع أن يستخلص النمط الذي يعزف به كبار مؤلفي الموسيقى مثل باخ وموتزالت وبيتهوفين وغيرهم بما في ذلك نمط عزفه هو، ثم يؤلف الكمبيوتر موسيقى بناءا على طريقتهم، ويقول كوب:  “بدلا من أن أكتب القواعد كلها للبرنامج، أصنع قاعدة بيانات من الموسيقى، وأجعل الكمبيوتر يحلل هذه المعلومات حتى يحاول أن ينتج مثلها”، فنجح في ذلك، ما نجح به هو أن البرنامج استطاع أن يحلل تأليفاته الشخصية، وتعدى ذلك ليحلل وينتج موسيقى لتقريبا جميع أعلام الموسيقى، وأسمى البرنامج هذا باسم إيمي (EMI) اختصارا لـ: “تجارب في الذكاء الموسيقي” (Experiments in Musical Intelligence)، فألف الكمبيوتر موسيقى على طريقة كل من هؤلاء الكبار، ولو كنت من المستمعين لأي من أولئك المؤلفين الكبار لظننت أن تلك الموسيقى التي ألفها الكمبيوتر هي لهم، ولأحسست بتقارب النمط بين الإثنين.

أعترف أنني شككت في قدرة البرنامج على أن يؤلف هذه الموسيقى التي سمعتها، واعتقدت أن ديفيد كوب بمعرفته للموسيقى هو الذي فبرك هذه المقطوعات بنفسه، لدرجة أنني بحثت على الإنترنت لمقالة بعد مقالة تجرح كلام البروفيسور ديفيد كوب ولم أجد شيئا. لماذا شككت؟ لأنني لم أتوقع أن يستطيع كمبيوتر أن يؤلف موسيقى جميلة، لا أقول أنها رائعة، ولكن نغماتها منتظمة، ومتناسقة، وتحسسني وكأنما ألفها باخ وموتزارت وبيتهوفن وسكوت جوبلين، هي موسيقى لم يؤلفها أي منهم، وهي بالتأكيد إبداع، وإن كانت في حيز محدود.

ردة الفعل التي أثارها هذا البرنامج كانت إيجابية في الأوساط العلمية، ولكنها كانت سلبية للغاية في الأوساط الموسيقية، وذلك لإحساسهم بأن الموسيقى شيء خاص بالإنسان، وأن الكمبيوتر يشكل خطرا عليهم، وكان دائما يرد عليهم بقوله: “إنسان صنع الآلة، يستمع للنتيجة، ويختار الأفضل، ما هو أقل إنسانية لهذا الشيء هو أنه قد أحتاج لسنوات وسنوات لإنتاج هذا الشيء بالكامل بنفسي.” (يقصد الموسيقى التي ألفها الكمبيوتر لم يحتج للكثير من الوقت لينتج الموسيقى، وذلك هو الفرق بين الإنسان والكمبيوتر، وهو السرعة)، ربما هنا أيضا تقول أن هذا الإبداع لم يخرج خارج الصندوق، هو أيضا محدود بإطار ضيق، صحيح، وخصوصا أن إيمي تسلقت على أكتاف المبدعين من أعلام الموسيقى، ويتفق الكثير مع هذا الرأي، ولكن هناك من يستمع للموسيقى هذه ويستمتع بها، ويعتبرها إبداعا.

ولكن لو أن الشك لا يزال يساورك، أود أن أبين أن حتى هذه الإنتقادات لم يدع كوب لها مجالا، حيث أن الإنتقادات على الإبداع جعلته يرمي البرنامج في الزبالة، ويرتقي للمستوى الثاني، يقول: “بداية غضبت لخمس دقائق، بعدها عدت للعمل مرة أخرى، قائلا: سأري أبناء… ” وسبهم، والمستوى الثاني هو أن يجعل الكمبيوتر يؤلف مقطوعة موسيقية على أسلوبه الخاص، فصنع ما أسماه بإميلي هاول (Emily Howel) في سنة 2003، هذه المرة بدلا من يقدم لإملي معلومات موسيقية لمؤلفي الموسيقى من البشر، قدم لها كل تأليفات إيمي سابقتها، بالإضافة لذلك جعلها تتقبل أوامر صوتيه، بحيث يبين لإملي إعاجبه أو عدم إعجابه بالتأليف، فتعدل إملي من تأليفهاتها تدريجيا، التوجيهات تختلف عن التأليف، الموسيقى التي تؤلفها أملي هي لها بالكامل، فأنتجت شيئا مختلفا تماما عمن سبقها من البشر (لنستمع للموسيقى التي ألفتها إملي)

ما هو الإبداع

ربما تعرف عن الإبداع من خلال ما تراه من المبدعين، وربما حضرت محاضرة تدعوك لأن تطلق قدراتك لتبدع، فتعرف من ذلك معنى الإبداع، هناك عدة جوانب للإبداع التي ترتبط في المبدع، لن أخوض فيها، ولكن سأخوض في التساؤل الذي سأله بيتر فان لانجن (Peiter Van Langen) وزملاؤه في ورقة علمية عنوانها: “نحو تصميم أنظمة مصطنعة مبدعة” (Towards Designing Creative Artificial System)، في هذه الورقة عدد الكثير من الآراء للكثير من العلماء في الإبداع من شتى النواحي، ولكنه انشغل عن الكثير منها وركز على سؤالين أحدهما هو: “هل بإمكان الكمبيوترات أن تفعل أشياء تبدو أنها إبداعية على الأقل؟” ثم عرف النتيجة الإبداعية بقوله: “نتيجة النظام تكون إبداعية في وجهة نظر المقيم إذا أدرك المقيم النتيجة على أنها جديدة، غير متوقعة وقيمة.”

والتعريف هذا يبين أهمية المقيم في تقييم النتيجة على أنها إبداعية أو غير إبداعية، فمن الممكن أن تقيم أنت شيئا على أنه إبداع، وغيرك يختلف معك تماما، أضف لذلك أنه قد تقيم شيئا على أنه إبداع، ولكن مع مرور الوقت تقرر أن هذا الشيء غير إبداعي، لذلك النتيجة تعتمد على خبرات وتجارب المقيم، ثم يضف تعريفا آخر للنظام المبدع: “النظام مبدع برأي المقيم إذا – بحسب المقيم – النظام ينتج نتائج إبداعية بما فيه الكفاية” لماذا يقول بما فيه الكفاية، لأنه قد ينتج النظام أشياء عشوائية، وينتقي المقيم منها النتائج التي تكون إبداعية، فإذا كان النظام أو الكمبيوتر من بين العشوائية ينتج شيئا إبداعيا، لا يقال عنه أنه مبدع. ويضيف تعريفا أخيرا لمتطلبات الإبداع: “لابد للنظام المبدع أن يكون قادرا  على التفاعل مع البيئة المحيطة به، ويتعلم، وينظم نفسه بنفسه (أي يخطط وينفذ ويتحكم ويغير من عملياته”

طبعا كل هذه التعاريف وإن كانت موجه لأي نظام، ولكنها تنطبق حتى على الإنسان، الإنسان قادر على أن يبدع ويتفاعل مع بيئته ويتعلم ويتحكم ويغير من عملياته، وهناك من يقيم النتائج التي يقوم بها على أنها إبداعية، ولكن من هذه التعاريف يستشف كتاب المقالة على أن برنامج هارون الرسام إنما ينتمي لأنظمة التقريبا إبداعية، ولكنه لم يذكر شيئا عن إيملي هاول، ولا عن برامج الشطرنج، ولا عن واتسون المتسابق على برنامج الجيبوردي (الذي ذكرته في الحلقة الأولى في هذه الموضوع).

أضف لذلك البرنامج الذي يتبارى في لعبة النرد أو الطاولة، والذي سمي بـ “تي دي جامون” TD- Gammon، هذا البرنامج طوره جيرالد تسورو (Gerald Tesauro) من شركة آي بي إم وذلك بتمثيل الخلايا العصبية في المخ (Artificial Neural Net)، صحيح أن قدراته في اللعب لا تتفوق على أفضل اللاعبين في النرد، ولكن هذا البرنامج اكتشف طريقة جديدة في اللعب لم يكن يعرفها أي من كبار اللاعبين، وبسببه تعلم اللاعبين هذه الطريقة الجديدة وحسنوا من أدائهم في المسابقات، ذلك كله يعود إلى أن البرنامج لديه القدرة على التعلم بطريقة تختلف عن البرامج الأخرى، فابتدع طريقة جديدة مفاجئة قيمها المتخصصين بالنرد واستخدموها أنفسهم، ماذا نقول عن هذا البرنامج؟ هل هو مبدع؟

 من المهم أن نعرف أن جميع مبرمجي هذه البرامج من ديب بلو وديب فريتز لاعبا الشطرنج، وإيمي وإيملي مؤلفتا الموسيقى، وهارون الرسام، وتي دي جامون، وغيرهم من البرامج المنتجة لم يكونوا يعلمون ماذا ستنتج هذه البرامج، هم وضعوا القواعد لللعب وللتأليف، وأضافوا لها الخبرة، وهذه البرامج ابتدعت شيئا جديدا لم يكن يعرفه حتى المبرمجين، أليس ذلك إبداعا؟ دع عنك العواطف التي لا يمتلكها الكمبيوتر، دع عنك الروح التي توجد بداخل شرائح الدوائر الإلكترونية، أليست النتيجة جديدة، غير متوقعة وقيمة، إذا لم نقبل بأن الكمبيوتر قد أبدع، هل يصح ما قاله البروفيسور شيلي أننا عنصريون؟

المشاعر والفهم والإرادة والروح

يبدو أنه كلما رسمنا حدودا لقدرات الكمبيوتر كلما تقدم الكمبيوتر قليلا، وكلما رسمنا حدودا جديدة متراجعين قليلا فيها، هكذا يبدو الأمر حينما نسلم بعض الشيء للكمبيوتر ثم نتراجع قليلا لنقول: “صحيح أن الكمبيوتر يستطيع أن يتغلب على البشر في الشنطرنج، ولكن… صحيح أنه يرسم، ولكن… صحيح أنه يؤلف الموسيقى، ولكن…” الآن بعد أن تغلب واتسون على منافسيه بشكل لا يدع مجالا للشك في قدرته بدأ العمل لتحويل واتسون إلى مشخص للأمراض، تخيل معي أن تدخل المستشفى، وبدلا من أن يشخص الطبيب مرضك، يقوم الكمبيوتر بذلك، ربما أنت تتخوف من هذه الفكرة، ولكن تخيل نفس الكمبيوتر الذي استطاع أن يتغلب على أعتى المنافسين في تحليل السؤال والبحث عن الحل في قاعدة بيانات هائلة خلال فترة أقل من البشر، أليس ذلك يدعو للتفاؤل أن الكمبيوتر سيقدر على أن تشخيص الأمراض بشكل أفضل من الأطباء، تخيل أن شخصا يعيش في الإمارات، وأصابه مرض غريب، وكلما انتقل من طبيب إلى طبيب شخصه بطريقة مختلفة، ثم يذهب للعيادة الحديثة، فتسجل تلك العيادة أعراض المرض لديه، فترسل هذه الأعراض بلمح البصر عبر الإنترنت إلى واتسون (إن لم يتغير اسمه في المستقبل)، ثم يبحث واتسون عن مرضه بلمح البصر، ويرجع بأدق إجابة يمكن الحصول عليها، وخصوصا أن واتسون يبحث في قاعدة بيانات تشتمل على جميع الأمراض على وجه الأرض، ويتم تحديثه يوميا، وكلما شُخّص مرضا جديدا كلما تعلم جديدا، ألن تثق به في واتسون في تشخيص مرضك أكثر من الأطباء؟ ألن ينقل ذلك الأطباء نقله نوعيه في علاج البشر بشكل أكثر دقة؟ هنا نقول واتسون يتغلب على الإنسان في تشخيص الأمراض، ولكن…

لماذا كل هذه اللواكن؟ لماذا لا نزال نصر على أن هناك نقص؟ لأنه إلى الآن توجد عقبات لم يستطع الكمبيوتر التغلب عليها، ليس لضعف في الكمبيوتر، ولكن لأننا كبشر لم نفهمها بعد، ونعتقد أن الكمبيوتر المادي لا يمكن له أن يتخطاها، وأول هذه الإشكالات هي العواطف، والثانية هي الفهم، والأخيرة هي الإرادة الحرة والروح، لنأخذها واحدة واحدة ونبسط الفكرة وبشرح موجز بحيث نفهم المشكلة حتى نعرف حقيقة الإعتراض على قدرات الكمبيوتر، وأنها لم تأت من فراغ.

 ولدت جابي جينجريس (Gabby Gingras)، بلا أي أحساس بالألم،  هي حاليا تعيش حياتا من غير أي ألم، جميع أعصاب جسدها لا توصل إي رسالة إلى مخها، ولذلك حينما تصطدم بشيء أو تنجرح أو تتحطم لا تحس بشيء، رائع أليس كذلك؟ ألا تتمنى أن لا يتألم جسدك أبدا؟ ستكونين إمرأة خارقة، ستكونين سعيدة أن آلام الجسد كلها تختفي، آلام المفاصل كلها تزول، ألام الظهر، كل الآلام. لن أدعو لأحد لأن يكون مثل هذه البنت، لأن عدم وجود الألم في الحقيقة مصيبة هائلة، تخيل معي أنها حينما تصطدم بشيء وتنجرح فهي لا تعلم بأنها جرحت، ولو أن يدها كسرت لن تحس بها، ولو أن عينها فقعت، فلن تكترث، هنا المشكلة. حينما تتألم رجلك بعد سقوطك في مبارات كرة القدم، مخك يرسل إشارات ألم تمنعك من إكمال اللعب، حتى لا تتفاقم المشكلة، كلما تحاول الركض، تحس بالألم الشديد، فتضطر للتوقف، بذلك تعطي فرصة لجسمك لإصلاح الخلل، أما في حال جابي، فهي غير قادرة على ذلك، لذلك، ولفترة قام أبويها بغليف جسدها ورأسها بواقي حتى إذا ما اصطدمت بشيء لا تجرح ولا تكسر نفسها، والآن تضع على عينيها نظارات سباح.

 تخيل أن أسنان جابي بدأت بالتكون وفي يوم من الأيام وضع أبوها إصبعه في فمها، فعضت على إصبعه بقوة هائلة، بسحب الأب يده من فمها بقوة، وإذا بضرسها الجديد ينخلع من فمها، تتوقع أن الطفل الطبيعي يبكي يوما كاملا، ولكن جابي لم ترمش لها جفن، والسبب لوضع نظارة السباحة على عينها أنها فقد عينا حينما أصيبت بعدوى في اليسرى، حينما رأى الطبيب العين المصابة، لم يتصور أن أحدا يمكنه أن يتحمل ذلك الألم من غير أن يغلق عينه المصابة، فتحى يحمي العين قام بخياطة جفنيها على بعضهم، ولكن جابي أزالت الخيوط بيديها وأتلفت عينها بالكامل، فقرر الأطباء إزالة عينها حتى لا ينتشر المرض في جسدها، واستبدلت العين بأخرى صناعية، وألبست جابي النظارة.

بالرغم من أن القصة مؤلمة ولكن كان لي هدف من عرض القصة، وهو أن هذا النوع من المشاعر أو الأحاسيس يعتبر من المشاعر أو الأحاسيس السلوكية، أي الشخص حينما يتألم يسلك سلوكا معينا لحماية نفسه، وحينما تغضب فإنك تقوم بتسكير الصحون مثلا، أو أنك حينما تفرح قد تقفز في مكانك من شدة الفرح، وحينما تحزن بشدة فإنك تبكي، كل هذه السلوكيات بإمكاننا برمجتها في الكمبيوتر، تخيل لو أننا أردنا أن نصنع روبوت، وأردنا أن يحمي نفسه من الخطر، فنضع له مجسات على أنحاء جسده، ثم إذا ما انكسر جانب من جسده، ترسل إشارة إلى مركز التحليلات، وفيقوم البرنامج بمعرفة أين أصيب، وبذلك يطلب من الكمبيوتر أن يتوقف من العمل الذي أدى لذلك الكسر، كلاعب الكرة مثلا، أو مثلا نستطيع أن نبمرج الروبوت بحيث يقفز إذا ما حدثناه بخبر سار، أو أن يغضب إذا ما رأى شيئا سيئا، وكل هذه السلوكيات من الممكن برمجتها في الكمبيوتر، ولكن هنا تكمن المشكلة، أن كل هذه ليست بمشاعر نوعية، هي فقط سلوكية، لا يمكن للكمبيوتر أن يحس بالداخل بهذه المشاعر التي نحس فيها، فهو فعليلا لا يفرح نوعيا، ولا يحزن نوعيا ولا يغضب نوعيا.

لأوضح الصورة بشكل أدق، تخيل معي أنك سافرت إلى الصين، وتوجهت لسور الصين العظيم، ثم صورت مجموعة من الصور، وصورت لقطات فيديو، وتمشيت فوق السور، وشاهدت الطبيعة الجميلة التي حوله، وصورت ذلك كله وعرف كل المعلومات التي تحيط بالسور، ثم رجعت إلى مصر وتحدث مع صديقك عنه، وأريته كل الصور واللقطات، ثم عرضت عليه كل المعلومات التي تعرفها عن السور، وأكثر من ذلك أريته صور من الساتالايت ونوع الحجر الذي بني منه، وكل ما يمكن أن يعرف عنه أخبرته به، لنتفرض الآن أنه صاحبك يعرف كل شيء عن السورالصين العظيم، وحتى أنك شرحت له كيف كنت تشعر بجانب هذا السور، تخيل الآن أن صاحبك بعد أن أعجب بكل هذه التفاصيل أراد أن يسافر إلى الصين ليرى السور بنفسه، وصل هناك وتوجه إلى السور، ورأه لأول مرة، كيف – يا ترى – سيشعر؟ سيصيبه إحساس رائع، هذه الأحاسيس التي لا يمكن لأحد أن يصورها حتى لو علم كل ما يمكن أن يعرف عن سور الصين العظيم أو شيء آخر، ذلك الإحساس المباشر حينما تتذوق الآيس كريم (حتى لو عرفت كل مكوناته الكيميائية ولونه ومذاقه وملمسه وكل تفاصيله)، حينما تشعر بألم في ركبتك، حينما ترى اللون الأحمر. يقول إريوين شرودنجر حينما يرد على الماديين: “الإحساس باللون لا يمكن له أن يحسب له حساب عن طريق الفيزيائيين من خلال النظرة الموضوعية لتموجات الضوء، هل يمكن لعالم النفس أن يحسب له حسابا إذا كان عنده العلم الكامل والذي هو أكثر من العمليات التي تحدث في الشبكية والأعصاب التي أُعدت لها عن طريق حزم العصب البصري والمخ؟ لا أعتقد ذلك” ما يريد أن يقوله أن هناك شيء لا يمكن أن نفسره بمجرد النظرة المادية لتركيبة الأشياء والإنسان، هناك بعد آخر لنظرة الإنسان للماديات بعد لا يمكن أن يفهم بمجرد فهم الإنسان من الناحية البيولوجية، هذه الأحاسيس لا يمكن نقلها لشخص آخر ولا يمكن للشخص الآخر أن يفهمها إلا من خلال التجربة المباشرة، هي جوهرية، وهي خاصة وكذلك يمكن معرفتها مباشرة من خلال الوعي.

كيف يمكن لكمبيوتر أن يحس بتلك الأحاسيس؟ صحيح أننا بإمكاننا أن نبرمج الكمبيوتر ليتصرف سلوكيا وكأنما يحس بطعم الآيس كريم، كأن يقول أنه لذيذ، ولكن هل يحس بذلك الإحساس الذي نحس به حينما نتذوق الآيس كريم؟ من الممكن أن نبرمج الكمبيوتر ليقول أنه يخاف من الظلام حينما يمر في أزقة مظلمة، ولكن هل يحس بذلك الشعور الذي يغمرنا حينما نكون في الموقف ذاته؟ هذه الأحاسيس لا يمكن ربطها مباشرة بالبيولوجيا فكيف يمكن ربطها بالإلكترونيات والبرنامج؟ هذه الصفة موجودة في العقل أو الروح كما يقول بعض الفلاسفة.

هذا من ناحية، وهناك ناحية أخرى وهي الفهم، تكلمت عن تجربة تورنج (Turning) في السابق، والتجربة تحاول الإجابة على السؤال: “هل تستيطع الكبميوترات أن تفكر؟” للإجابة على هذا السؤال لابد من أن لا ننحاز عاطفيا لنفي الذكاء من الكمبيوتر، ذكرت التجربة في السابق، ولكني سأعيد ذكرها الآن حتى يمكن لنا فهم التجربة التي تليها، تخيل أن كمبيوتر وضع في غرفة، وإنسان في غرفة أخرى، وأنت الحكم خارج الغرفتين، ولا تعلم في أي الغرفتين الكمبيوتر، وفي أيها الإنسان، وبدأت بطرح أسئلة على من بداخل الغرفتين، واستقبلت الإجابات، فإن لم تستطع أن تميز الإجابات التي تأتيك من الكمبيوتر عن تلك التي تأتيك من الإنسان، فذلك يعني أنه يمكنك القول أن الكمبيوتر ذكي، فليس هناك ما يميز الإثنين عن بعض، بذلك أزلنا قضية العاطفة من تقييمك للكمبيوتر.

يرد على هذه الطريقة من التفكير جون سيرل (John Searle)  الفيلسوف الأمريكي من جامعة كاليفورينا بيركلي (University of California, Berkeley)، حيث يطرح نفس الفكرة تقريبا، ليبن أنه صحيح لن نستطيع أن نفرق بين الكمبيوتر والإنسان في حالة اختبار التورينج، ولكن نتساءل: “هل يعني ذلك أن الكمبيوتر يفهم السؤال والردود على الأسئلة؟”

لنتخيل الآن أننا وضعنا كمبيوتر في غرفة، وهذا الكمبيوتر قادر على الإجابة على الأسئلة باللغة الصينية (اختيار اللغة الصينية على اعتبار أنك لا تتكلم الصينية، ولو أنك تتحدث بالصينية، اختر لغة لا تعرفها)، إذن كلما سأل شخص من الصين سؤلا للكمبيوتر بداخل الغرفة أجاب عليه الكمبيوتر ليبدو وكأنه إنسان يفهم اللغة الصينية، فينجح في اختبار التورينج، ويبدو كما لو أن الكمبيوتر يفهم الصينية، أليس كذلك؟. تخيل الآن أنك تدخل إلى داخل غرفة، ولديك البرنامج الذي بُرمج به الكمبيوتر، ولكن كان البرنامج باللغة الإنجليزية، والبرنامج عبارة عن أوامر يأتمر بها الكمبيوتر، فينفذ خطوات معينة للوصول للإجابة، لنفترض أن شخص صيني يبعث لك سؤال باللغة الصينية من تحت الباب، تأخذ السؤال، وأنت لا تفهم الكتابة الصينية، ولكن لديك التعليمات البرمجية لتحليل الرموز الصينية واحدة واحدة، ثم تركب رموز أو حروف الإجابة واحدة واحدة، كما أمرتك التعليمات البرمجية، السؤال هو، سيرل يقول أنه لا فرق بين ما يقوم به الكمبيوتر بتنفيذ خطوات برمجته عن الإنسان الذي ينفذ نفس الخطوات، كلاكما لا يفهم اللغة الصينية، بهذه التجربة الفكرية نستنتج أن الكمبيوتر لا يفهم، ولكنه يتبع خطوات محددة بشكل أوتوماتيكي بلا وعي.

أخيرا، حينما نقول أن الكمبيوتر يستطيع أن يلعب الشطرنج أن يرسم رسمة، أو يؤلف موسيقى، قد نقبل أن الكمبيوتر أبدع إلى حد ما في ذلك كله، ولكن هناك ما يمنعنا أن نقبل الإبداع بشكل كلي، لماذا يا ترى؟ لأن هناك خاصية أساسية موجودة في الإنسان غير موجودة في الكمبيوتر، وهذه هي حرية الإرادة، نعم الكمبيوتر يرسم، ولكن ذلك في حدود برمجته، لا يستطيع أن يخرج خارج هذه البرمجة، وصحيح أنه يؤلف الموسيقى ولكن تأليفه يعتمد على البرمجة المحدودة، هو لا يملك حرية الإرادة، الإنسان لديه هذه الميزة التي تميزه عن البرمجة الجامدة الساجنة.

نتساءل، من أين تأتي الإرادة؟ يشرح البروفيسور شيلي كيجن هذه الفكرة في محاضراته عن فلسفة الموت، ليقول أننا نحن 1) نمتلك حرية الإرادة، 2) لا يوجد شيء مرهون بالحتمية إلا ويكون فاقد لحرية الإرادة،  3) كل مادي مرهون بالحتمية، 4) لذلك بما أننا لدينا حرية الإرادة إذن لسنا مكونين من مادة فقط، وهذه أربعة نقاطة فلسفية تحاول أن تبين أن الإنسان هو ثنائي التكونين، فهو روح ومادة.

لعل من أبرز من أسس للنقاشات في الروح هو ريني ديكارت (René Descartes) (هنا أتكلم عن المدارس الغربية، وليست المدارس الإسلامية، وأيضا أنا أتكلم عن الناحية الفلسفية وليست الدينية)، شيلي كيجن في نفس المحاضرات يطرح فكرة يتخيلها ريني ديكارت حتى يبين أن الإنسان يتكون من الروح والجسم، يقول تخيل معي هذه الصورة (أرجو منك أيضا أن تتخيل الفكرة التي شرحها البروفيسور كيجن) أن قمت من النوم في الصباح، وذهبت للحمام ووقفت أمام المرآة، ونظرت إلى نفسك، فرأيت جسمك، تخيل الآن أن يدك اليمنى بدأت بالإختفاء، تبعتها اليسرى، ثم رجلك، ثم بنط وصدرك، ثم رأسك، جسدك اختفى بالكامل، لم يبق منه شيء. يتساءل: “ما الذي بقي منك؟” الذي بقي منك هو عقلك، تخيل أنك الآن أنت لا تزال موجود أمام المرآة، عقلك يفكر، وهو الآن لا يزال واقف أمام المرآة، أليس كذلك؟ وهذا دليل على أن الإنسان لديه عقل وجسد، وحتى إن اختفى الجسد فلا يزال عقله موجود.

“لحظة واحدة من فضلك يا ديكارت، هل تعتقد أنني ساذج؟ هل تريد أن أصدق أن مجرد أنني أستطيع أن أتخيل أن لدي عقل أو روح فذلك يعني أن فعلا لدي عقل أو روح؟” ربما ترد على ديكارت بهذه الطريقة، تساؤل مقبول ومنطقي، سيرد عليك ديكارت كالتالي: حاول الآن أن تفكر في الطاولة أو في الكرسي أو في السيارة أو الحجر أي جسم آخر، حاول أن تتخيل أن هذا الجسم موجود وغير موجود في نفس الوقت، لن تستطيع، لأنه ببساطة، الطاولة والكرسي والسيارة والحجر، كل منها غير ثنائي التركيب، فالطاولة إما أنت تكون موجودة أو غير موجودة، أما حينما تفكر في نفسك، تستطيع أن تمحو الجسم من الصورة، وتبقى على شيء آخر، ما هو هذا الشيء؟ أليست هي الروح؟ إذن الإنسان يحتوي على الروح والجسم، وهذا ما لا يمكن أن يكون موجودا في الكمبيوتر، وهو ما يعطي الإنسان حرية الإرادة وينفيها من الكمبيوتر بانفائه منه، ولذلك لا يمكن أن يخرج الكمبيوتر خارج الصندوق، وأضيف لذلك ما تحدث عنه سي إي لويس (C.S. Lewis) حيث يقول في كتابه “المعجزة” أن هذا العقل الغير مادي تصل إليه الأفكار من الله عز وجل.

أنتهي عند هذه النقطة، ولكن أحب أن أؤكد على قضية مهمة، صحيح أنني ذكرت جانبين من النقاش في التنافس بين الكمبيوتر والعقل البشري، ولكن النقاش لم يأخذ حقه، وربما تلاحظ أنني أنهيت النقاش من صالح الروح والعقل، ولكن النقاش لا ينتهي هنا، والردود على كل نقطة ذكرتها عن العقل موجودة وهي لاذعة قوية، لا يزال يناقش فيها الفلاسفة وعلماء الكمبيوتر، ولكل رد رد مقابل يقابله في القوة ويعاكسه في الإتجاه، ولذلك أتمنى من المستمعين أن كان لديهم فضول أن يأخذوا على أنفسهم عهدا أن يقرأوا هذه النقاشات حتى يطورا من أنفسهم ويعرفوا عمق الصراع.

هناك نقطة ثانية، وإن كانت النقاشات حادة في هذا الموضوع، ولكن علماء الكمبيوتر لم يرف لهم رمش، ولم تؤثر عليهم النقاشات للتراجع عن تطوير الذكاء الصناعي، كلما مر الوقت كلما ازدادت قدرات الكمبيوتر، وما يطبخ حاليا في المختبرات هو أعظم وأروع، لذلك سأقوم بحلقة ثالثة عن مستقبل العقل الإلكتروني، ومستقبل الإنسان ومستقبل العلاقة بينهما، وسأبين كيف أن الكمبيوتر سيصل إلى مستوى يتعدى فيه الإنسان، وفي المقابل كيف سيتحول الإنسان من جسد مادي إلى جسد تكنولوجي، وكيف سيتم نقل شخصيته إلى كمبيوتر، وسأناقش الشخصية من الناحية الفلسفية، وجوانب أخرى قد لم تخطر على قلبك.

Posted in Computers and Internet, Technology | 4 Comments

العالمون: الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة

العالمون: الأكوان المتوازية والعوالم المتعددة

speaker_icon disk
ipod

تخيل معي أن هناك شخص شبيه بك تماما، يعيش على كرة أرضية مثل أرضنا هذه، يسكن في منزل يطابق تماما المنزل الذي تسكن فيه أنت، ولديه أم وأب مثل أمك وأبيك، ويركب سيارة شبيهة بالسيارة التي تركبها، ويأكل الطعام الذي تأكله، واسمه على اسمك واسم أبيه اسم أبيك،  وهو الآن يستمع للسايوير بودكاست مثلما تستمع لها الآن، يستمع لنفس هذه الكلمات بالضبط، فيصيبه الذهول، أن كلاكما موجودان في هذه الكون الهائل الحجم، والفكرة التي خطرت الآن في عقلك تخطر على عقله، فلا يصدق أي منكما ما أقوله، فيقوم ذلك الشخص بإقفال البودكاست، وأنت تكمل الإستماع، هذا الشخص يبعد عنك على مسافة

مترا، أو بشكل آخر

أو بعبارة أخرى، أن الرقم واحد وأمامه مئة مليار مليار مليار صفر، هذه هي المسافة الفاصل بينك وبين قرينك بالمتر.

اليوم سأتكلم عن العوالم المتعددة والأخرى المتوازية، أعتقد أن الكثير ينتظر هذه الحلقة، وخصوصا أن الحلقة فيها من الغرابة ما لا يمكن للعقل أن يتصوره ولا حتى أن يقبله على المستوى الوجداني، ولكن ليس كل ما لا نتسطيع أن نتصوره أو نتقبله هو خطأ. ولا يعني أن ما سأسرده هو نابع من الخيال المحض وإن كانت الكثير من القصص والأفلام الخيالية تخوض في هذا الفكر، بل إن الكثير من هذه الأفكار نبعت من العلماء وعلم الفيزياء ومن القوانين الرياضية،  لوجود تساؤلات في مواضيع علمية دقيقة وصلت إلى الحد لا يمكن إلا بالخروج بعوالم متوازية أو متعددة.

بالتعاون مع شبكة أبو نواف أقدم لكم هذه الحلقة من السايوير بودكاست شبكة أبو نواف تقدم مواد ترفيهية وأخرى هادفة، ولاهتمامهم بتقديم مواد مفيدة وبناءة ترسل لكم السايوير بودكاست من ضمن باقتها المنوعة، ليصل البودكاست لمسامع أكبر عدد من أفراد العالم العربي.

نقطة أخرى وهي عن برنامج جديد للآيفون والآيباد والآيبود صنع خصصيا للسايوير بودكاست، وهو برنامج يسهل عليك سماع البودكاست وإنزال الحلقات مباشرة، وكلما استجدت الحلقات تستطيع إنزلها من ضمن البرنامج، تستطيع إنزال البرنامج من الآب ستور بلا مقابل.

إبق معي في براق الفكر، ولنطلق معا إلى عوالم تفوق الخيال في صفاتها.

جوردانو برونو (Giordano Bruno)

ولد جوردانو برونو في سنة 1548 وذلك بعد وفاة نيكولاوس كوبيرنيكوس (Nicolaus Copernicus) بـ 6 سنوات تقريبا، في مدينة نولا في إيطاليا، وبعث إلى نابولي (Naples) للدراسة، فدرس في دير أوغستين، وفي سن السابع عشر أصبح عضوا في النظام الدمينيكاني (Dominican Order) – إن صح التعبير، وأطلق عليه الإسم جوردانو في ذلك الوقت نسبة لجوردانو كريسبو (Giordano Crispo) معلمه في الميتفيزيقيا، ودرس الدين إلى أن أصبح قسيسا وهو في سن الـ 24، انظلق في مسيرة تعليمه إلى قراءة الكتب الممنوعة آنذاك، حيث كان شغوفا بالعلم، فأصبح فيلسوفا ورياضيا وفلكيا، وعرف عنه أن ذاكرته خيالية، إلى درجة أن الملك هنري الثالث دعاه للتأكد مما إذا كانت قدرته هذه سحرية أو أنها طبيعية، وبعد أن شرح جوردانو للملك الفكرة،  وهو أنه كان يعتمد على تنظيم الأفكار للحفظ، فقرر جورجانو كتابة كتابة حول الفكرة أسماه بـ “ظلال الأفكار” والذي أهداه للملك، فرد عليه الملك بالتقدير وبمعاش شهري.

من المبادئ التي اعتقد بها جوردانو هو مبدأ مركزية الشمس والذي يعود منشأ فكرته إلى نيكولاوس كوبيرنيكوس، ولكن طور هذه الفكرة حيث قال أن الشمس ليست إلا نجما، وأن هذا العالم الذي نعيش فيه أو الكون ممتلئ بعدد لا نهائي من العوالم (كعالمنا هذا)، وأن كل من تلك العوالم تحتوي على حياة ذكية، وبدأ بنشر أفكاره الفلسفية إما من خلال المحاضرات أو الكتب التي كان يكتبها، فبدأت الكنسية بتنحيته، وبدأت بالدخول في صراع معه، لاحقته محكمة التفتيش وغادر إلى عدة مناطق وسافر إلى دول مختلفة، فسافر إلى فرنسا وألمانيا وبريطانيا عدة مرات، وقام بالتدريس في كل من تلك الدول، وفي آخر رحلة له في ألمانيا سنة 1591 أرسلت له رسالة تدعوه للرجوع إلى فينس إيطاليا، حيث طلب منه جوفاني موتشنيجو (Giovanni Mocenigo) من الطبقة الأرستقراطية أن يأتي لكي يعلمه فن الذاكرة، وبعد أن وجد أن هناك فرصة للتدريس فجامعة بادوا (Unviersity of Padu)، وبعد أن تصور أن محاكم التفتيش ضمر تأثيرها رجع إلى إيطاليا، ولكن حينما رجع، لم يحصل على الوظيفة في جامعة بادوا (قدمت هذه الوظيفة الشاغرة للعالم جاليليوا جاليلي وذلك بعد سنة من تقديم برونو عليها)، وبدلا من هذه الوظيفة توجه لجوفاني لتعليمه فن التذكر، ولكن يبدو أن الخلاف بين الإثنين دفع بجوفاني للتبليغ عن جوردانو عند محاكم التفتيش، حينها اتهم جوردانو بعدة تهم منها في الهرطقة ومنها بالكفر والتعامل بالسحر وأيضا اتهم بإيمانه بتعدد العوالم.

دافع جوردانو عن نفس دفاعا قويا، ووضح الفلسفة التي اعتمد عليها في التوصل إلى قناعاته، ولكن لم يستفد من قوة منطقه في مقابل التعصب، فأرسل إلى روما وأدخل سجن أبراج نونا لسبع سنوات، وخلال فترة سجنه حوكم ودافع عن نفسه، وفي محاول له بإنقاذ نفسه قبل بالثوابت وأصر على إبقاء إيمانه بفلسفته، طالبه الكارينال أن يتنازل عن كل أفكاره، ولكن رفض جوردانو القبول، وبعث برسالة للبوب كليمينت الثامن (Celment VIII) يصلب منه أن يتدخل لإنقاذ حياته في مقابل التنازل الجزئي لأفكاره، ولكن البوب فضل أن يصدر عليه حكم المذنب وأن يقتل، فصدر عليه الحكم، وقدم للسلطات، وحينما أصدر عليه القاضي الحكم قال له جوردانو: “ربما أنت تنظق بالحكم ضدي بدرجة أعلى من الخوف من خوفي لتلقيه.” وطلب القاضي أن لا تريق السلطات دمه، فعرف جوردانو أنه سيحرق، وبالفعل أعدم العالم الفيلسوف الرياضي جوردانو برونو، وألقيت ذرات رماد جسده في نهر التايبر (Tiber river)، ووضعت جميع كتبه على قائمة الكتب الممنوعة، قائمة هدفها حماية إيمان وأخلاق المؤمنين.

وفي سنة 1889 رفع لبرونو ثمثالا تذكاريا يبينه ووهو واقف وعلى رأسه قلنسوة أو غطاء الثوب اللذي كان يلبسه، وضع ذلك التمثال في المكان الذي حرق فيه (في روما) تقديرا له، حيث يعتبره البعض شهيد العلم.

العالم اللا متناهي

واحدة من الأفكار التي كان يؤمن بها برونو هي أن العالم هو واحد لا متناهي ولا حدود له وغير متغير، وأن لا يمكن لأحد أن يستوعبه، وكان يعتقد أن الشمس ليست سوى نجمة كباقي النجوم (طبعا نحن نعرف أن هذا الشيء صحيح اليوم، ولكن حاول أن تتصور هذه الأفكار في تلك الفترة التي كانت الأرض هي مركز الكون، وكل شيء يدور حولها بما في ذلك الشمس) وبما أن الشمس هي نجم، وبما أن هناك كوكب ككوكب الأرض يدور حول الشمس إذن، لابد أن تكون هناك كواكب حول كل من تلك النجوم الأخرى، وبما أن هناك كواكب إذن هناك مخلوقات ذكية على تلك الكواكب.

واحدة من المبادئ التي تقوم عليها العوالم المتعددة هي فكرة اللا تناهي في حجم الكون، وهذه الفكرة هي أيضا فكرة معاصرة طرحها العالم براين جرين في كتابه “الحقيقة الخفية: عوالم متوازية والقوانين العميقة للكون” (The Hidden Reality: Parallel Universes and the Deep Laws of the Cosmos).

دعونا نفهم العالم الذي نعيش فيه، نحن نعيش على الكرة الأرضية، وهذه الكرة تدور حول نفسها وحول الشمس في منظومة شمسية متعددة الكواكب، وهذه المجموعة الشمسية في مجرة، وهذه المجرة تدور حول نفسها، أقرب مجرة حلزونية من مجرتنا (درب اللبانة) هي مجرة الآندروميدا، وهما في وجهة مأسوية، كلاهما يتجه للآخر للتصاد. نحن نبعد عن الشمس بمقدار 8 دقائق ضوئية، ونحن نتكلم عن سرعة الضوء والتي تعتبر هي أسرع معلومة تنتقل في الكون (طبعا هناك ما هو أسرع، ولكن من غير نقل للمعلومات)، ولو أن الضوء انطلق من الشمس إلى الكوكب القزمي بلوتو لاستغرق حوالي الخمس ساعات للوصول (خرجت المركبة الفضائية فويجر 1 خارج المجموعة الشمسية بعد حوالي 30 سنة من السفر، قارن هذا مع سرعة الضوء التي تستغرق 5 ساعات)، ولو أن نقطة من ضوء انطلقت من بداية مجرتنا لتصل إلى الطرف الآخر منها، لأستغرقت الضوء 100,000 سنة لقطع المجرة، وهذا هو قطر مجرتنا، وأما أندروميدا فإنها تبعد عنا تقريبا 2.5 مليون سنة ضوئية، فإن كانت مجرتنا تحتوي على 200-400 مليار نجم، فإنما تحتوي مجرة أندروميدا على ترليون نجم (أو 1,000,000,000,000 نجم)، عدد هائل لا شك.

أبعد ما نستطيع أن نراه من خلال التلسكوب هو قدر 13.7 مليار سنو ضوئية، أي أن الضوء انطلق جسم معين في الفضاء منذ القدم، واستغرق انطلاقه 13.7 مليار سنة قبل أن يصل إلى التلكسوب الذي إلتقطه، كما لو أن تنظر الآن إلى الشمس فأنت نتظر لها كما كانت قبل 8 دقائق، ولو نظرت لأقرب نجم بعد الشمس (ألفا سينتوري) لأريته كما كان قبل 4.3 سنوات ضوئية، أي أن الضوء انطلق من النجم قبل أربع سنوات والثلث إلى أن وصل إلينا، وهكذا بالنسبة للكون، الضوء الذي تستقبله التلسكوبات ليس إلا ضوءا صدر في الماضي السحيق، ليبث صورا قديمة عمرها 13.7 مليار سنة، لا يهرم فيها الضوء ولا يتعب.

هذا المحيط الذي نستطيع أن نراه باستخدام أعتى التلسكوبات يسمى بحجم هبل أو كرة هبل (Hubble Volume or Hubble sphere) أو يطلق على الحدود هذه حجم الأفق، كم لو أنك كنت تقف على شاطئ البحر تودع سفينه وتراقبها إلى أن تختفي بعد الأفق، هكذا نحن لا نستطيع أن نرى أبعد من ذلك في كوننا، كل ما نراه محكوم بهذه الكرة السماوية أو هذا الكون، لماذا لا نستطيع أن نرى باقي الكون الكلي؟ إذا كان الضوء لا يكل ولا يمل، وهو حثيث في انطلاقه في السماء، لماذا لا ننتظر فترة زمنية أطول حتى يصل الضوء إلى العين؟ لأنه ببساطة الكون يتمدد بسرعة أكبر من سرعة الضوء، ولذلك لا يستطيع الضوء الوصول لنا حتى لو تحرك إلى الأبد (أنا هنا تعمتدت أن ألا أخوض في بعض القضايا كبداية تكون الكون وعلاقة البداية مع الوضع الحالي).

إذن، بعد تكون الكون الكلي وانطلاقه إلى الحالة التي هو عليها الآن، تكونت عدة مناطق أو أكوان لا يمكننا أن نراها، ولا أن نعرف ما بها من مجرات ونجوم وكواكب وغيرها من الأشياء، وكل من هذه الأكوان محدود بحجم الأفق، وأن من فيها لا يستطيع أن يرى الأكوان الأخرى التي حوله، ماذا لو أن هذا الكون الكلي لا متناهي في الحجم؟ وفيه عدد لا متناهي من الأكوان التي حدود كل منها في كرة هبلية، ألا يعني ذلك أنه كما أن كوننا فيه حياة فإنه لابد أن تكون هناك حياة على الأكوان الأخرى؟ (العلماء يعتقدون أن الحياة قد تكون موجودة في كوننا هذا وربما حتى في مجرتنا، فما الداعي لأن لا تكون هناك حياة في الأكوان الأخرى؟).

بل أكثر من ذلك، بما أن الكون لا متناهي وأن أنواع المادة التي فيه محدودة ومعدودة (أي المواد كالذرات أصنافها محدودة كما هو معروف من الجدول الدوري)، وبما أن طرق تركيب هذه الذرات مع بعضها البعض أيضا محدود، إذن، لابد أن يكون في هذا الكون الكلي اللامتناهي أكوان مكررة، تتكرر ذرة بذرة، جزيء بجزيء، كواكب بكواكب، مجاميع شمسية بمجاميع شمسية، بما فيها من حياة ونبات وما إلى ذلك.

لنفهم هذه الفكرة، لنتخيل المثال التالي، لنفترض أنك أعطيت كل شخص على الكرة الأرضية ورق اللعب (أو ورق الكوتشينة أو الشدة أو الجنجفة كما نسميها في الكويت) المكونة من 52 ورقة، ثم طلبت من كل شخص أن يخلطها، هل تتوقع أن يكون هناك شخصين لديهم نفس الخلطة أو الترتيب للورق بعد الخلط؟ من الممكن أليس كذلك، وإن كانت الإحتمالات لا تسعفك حيث تحتاج إلى 8 × 1067 شخص حتى تضمن التكرار، ولكن تخيل لو أنك أعطيت عدد لا متناهي من الأشخاص أوراق اللعب، وطلب منهم أن يخلطوا الأوراق، هل تتوقع أن تتكرر نفس الخلطات؟ بالتأكيد.

إذن، لو أننا خلطنا الذرات وركبناها على بعضها البعض عشوائيا لنشكل جزيئات وتراكيب مختلفة ومنها نكون الأرض، فهل يحتمل أن تكون هناك أرض كأرضنا بنفس التركيب ذرة بذرة؟ بالطبع هذا الأمر معقول في ظل المعطيات، وكذلك من الممكن أن تتكون المجموعة الشمسية لا بل المجرة وحتى كل الكون المحكوم بكرة هبل يمكن تكراره بالكامل بما فيه من حياة وغيرها. ولذلك يقول العلماء أنه ستكون هناك نسخة من عالمنا أو كوننا هذا بكامل تفاصيليه بحيث ينطبق العالمين تماما، وسيكون هذه الكون على بعد:


مترا. وهذه مسافة خيالية، ولكنها تم حسابها رياضيا وقد ذكر هذا الرقم  ماكس تيجمارك (Max Tegmark) في ورقة علمية أسماها بـ “العوالم المتوازية” (
Parallel Worlds).

ربما الغرابة تتفاقم حينما نقول أنه وكما في المثال الأول في بداية البودكاست أنك قد تكمل أنت الاستماع للبودكاست، وقد يتوقف قرينك عن الإستماع، ماذا يعني ذلك؟ ذلك يعني أنه وإن تشابت العوالم مع بعضها البعض إلا أنه لابد وأن تأتي لحظة ويتغيران في مسارهما وينفصلان عن بعضهما البعض، فيكون الماضي مشترك، والمستقبل منفصل، وفلو أن هناك عوالم لا نهائية، فلابد أن تكون هناك عدة صور منك تتكرر كل منها في بداياتها، وتنطلق إلى نهايات مختلفة، ولذلك لو أننا نظرنا لهذا العالم من بعيد وبعد أن ينتهي الكون فإن كل الإحتمالات من الممكن أن تحدث ستحدث.

ويعد ماكس تيجمارك هذا العالم على أنه أبسط العوالم، ومع أنني في أبعد حدود أو في أفق الإستغراب إلا أنه يقول أن المستوى الأول لا جدال عليه في الأوساط العلمية، بل وأنه يناقش في المؤتمرات، وهو من أكثر الفرضيات شعبية، وتتفق مع التمثيلات الكمبيوترية، ولا تختلف هذه الفكرة عن أي من الأفكار الرصدية لهذا الكون، وربما قال نفس مقولته البروفيسور براين جرين مؤكدا هذه الفكرة، عجيب جدا جدا.

العوالم المتوازية الفقاعية

بعد أن تصارع آينشتين مع الكون الثابت اللامتسع ووضع الثابت الكوني – ليثبّت اتساع الكون – اكتشف العالم إدوين هبل أن الكون يكبر ويتسع مع الوقت، مما دفع آينشتين لإلغاء ذلك الثابت ويعتذر لاختلاقه، وحينما تفكر في أن هذا الكون الهائل يتسع فإن ذلك يعني أنك لو قلبت الزمن لتسافر فيه إلى الوراء كما لو كنت تعيد الشريط أثناء عرضه، ستجد أن الكون يتقلص أو ينكمش، ومعه تنكمش المسافات بين المجرات، ثم المسافات بين النجوم، ثم لتنكمش النجوم والكواكب على بعضها، وهكذا إلى أن تنضغط الأمور على بعضها تدريجيا لتصل إلى نقطة صغيرة جدا، عد لتشغيل الشريط مرة أخرى في الإتجاه الزمني فسترى ذلك الإنفجار العظيم الذي تحدث عنه العلماء الذي ولّد فقاعة هذا الكون الهائل بما فيه من من تجمعات مجراتية، ومجرات ونجوم وكواكب وغيرها.

هكذا بدأ العالم بدأ من نقطة، وإحدى التفسيرات لهذه النقطة الإبتدائية هو ما يسمى بنموذج الإتساع الفوضوي، حيث أن نقاطا في الكون يحدث وأن تنكسر بشكل عشوائي، وعند كل نطقة إنكسار يتكون كونا جديدا، وذلك الكون يبدأ بالإنتفاخ، في معظم الأحيان ذلك الإنتفاخ لا يكون كبيرا، ولكن لأن العملية عشوائية يحدث وأن كونا بمواصفات معينة – ككوننا هذا – ينتفخ ليصبح بهذا الحجم، ثم تتكون بداخله أكوان أخرى، وهكذا تبدأ باقي العوالم، فالعالم الواحد يولد عوالم، وكل عالم من تلك تولد عوالم أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية، كل عالم من تلك العوالم لا متناهية في الكبر، وكل منها بعيد عن الآخر إلى درجة أنه لا يمكن الوصول لها بأي شكل من الأشكال.

ماذا يفرق هذا الكون الذي نعيش فيه عن باقي العوالم؟ الفرق في أن كل عالم من تلك العوالم له ثوابت مختلفة، لأرجع قليلا إلى فكرة أخرى قبل أن انطلق بهذه، هناك فلسفة تسمى بالمبدأ الأنثروبي أو المبدأ الإنساني (Anthropic Principle)، وهذا المبدأ يقول أن الكون الذي نعيش فيه  يحتوي على مجموعة من العوامل من قيم ومعادلات وقوانين تجعله مكانا قابلا للحياة، ولو أن خللا بسيطا أثر في أي من هذه القيم أو المعادلات أو القوانين لما أصبح للكون أي مراقب (المقصود بالمراقب هو نحن البشر)، فلو لم يكن الثابت الكوني كما هو عليه اليوم، لتمدد الكون بسرعة أكبر ولما كان بإمكان النجوم أن تتكون، ولو أن القوى الذرية كانت تختلف حتى بمقدار بسيط جدا لكان من المستحيل أن تتماسك أجزاء الذرة، ولما كان بإمكان أي من المواد التكون، ومن ثم لا يمكن للنجوم والكواكب أن تتكون ولا حتى للبشر أن يتكونوا، ,أول ظهور لهذا المعنى كان في سنة 1973 في ندوة احتفلت بتشريف ميلاد العالم كوبيرنيكوس، وكانت الفكرة المعروضة (مبدأ الإنتروبيا) تعارض مبدأ كوبيرنيكوس والذي أزال الأرض من مركزيتها وبذلك أزال أي أمتياز لموقع الإنسان في الكون، هذ المبدأ يرجع للإنسان مركزيته نوعا ما، يقول براندون كارتر – الذي تقدم بالفكرة: “بالرغم من أن حالنا غير مركزي، ولكنه حتما مميز إلى درجة ما.”

فعلا، يتساءل براين جرين في كتابه “الحقيقة الخفية”: لماذا الثوابت لها تلك القيم؟ “تحاول وتحاول (يقصد الإجابة على السؤال)، ولكنك تأتي خالي اليدين”، ولكنه يجيب على هذا السؤال بتحليل له علاقة بموقعنا من الشمس، لماذا أصبحت الأرض بهذه المسافة الحرجة من الشمس والتي تجعل من الأرض لا زائدة في الحرارة ولا ناقصة، بل بالضبط مناسبة للحياة، ها هي باقي الكواكب في المجموعة الشمسية، لا يحتوي أي منها على حياة شبيهة بالتي نراها على الأرض (ربما تكتشف فيها حياة في المستقبل، ولكن بالتأكيد هي ليست كتنوع الحياة ها هنا)، للإجابة على هذا السؤال من الممكن القول أن هناك المليارات المليارات المليارات من النجوم، وكثير من النجوم نشأت حولها كواكب، ويدور بعضها في مدارات تتسبب في ذوبان هذه الكواكب، وتدور كواكب أخرى في مدارات تتجمد فيها، ولكن هناك كواكب لا تميل إلى تلك ولا إلى تلك، هذه الكواكب تعيش في ما يسمى  منطقة جولدي لوكس (Goldilocks Zone)  نسبة لقصة جولدي لوكس والدببة الثلاث، والتي لم يعجبها الحساء الحار ولا البارد، بل أعجبها الحساء المضبوط تماما، حينما تكون هذه الكواكب في تلك المنطقة تكون هناك فرصة للحياة، وربما الحياة الذكية أيضا، كما لو أن هناك حفرة في صحراء، لو أنك رميت كرة من طائرة من الأعلى في الصحراء وبشكل عشوائي، فهل تتوقع أن تسقط الكرة في الحفرة؟ بالطبع لا، ولكن ماذا يحدث لو أن المليارات المليارات المليارات من الكور أسقطت بشكل عشوائي في الصحراء؟ ذلك يعني أن احتمال سقوط إحدى الكور في الحفرة أكبر، تخيل لو أن الحفرة بها ماء، ولنفترض وكانت الأجواء مناسبة فنمت فطريات على الكرة، ولنفترض أن الفطريات ذكية، وإعتبر أن ليس لها القدرة على النظر خارج الحفرة، ماذا تتوقع أن تفكر؟ ستقول: “كيف وحدث أن نمينا على الكرة؟ فالبيئة مناسبة من ماء وأجواء دافئة، ورياح مناسبة، كل الثوابت لها قيم تسمح لنا بالنمو”، ولكن مع اكتشاف العدد الهائل من الكور خارج الحفرة، ستفهم السبب.

كذلك حينما يتساءل العلماء كيف يمكن لتلك الثوابت في هذا الكون الذي نعيش فيه أن تكون بتلك الصورة الدقيقة بحيث يكون الكون على ما هو عليه (وكأنما نقول أن هذا الكون موجود في منطقة الجولدي لوكس)، ولكن كيف؟ يكون الكون كذلك لو أن هناك عوالم مختلفة كل منها نشأ بطريقة تختلف عن الكون الآخر، بحيث تختلف الثوابت من كون لآخر، حينها تتكون أكوان باردة لا مجرات ولا كواكب ولا نجوم وتتسع بسرعة كبيرة جدا، وأخرى لا تتسع ثم تنهار بسرعة كبيرة وتختفي، هذه النقاط التي تنكسر في الكون كل منها ينكسر بطريقة بحيث تتكون فيها ثوابت مختلفة، والثوابت تلك هي التي تدعم تكون كون ككوننا، وبذلك تنشأ فيه حياة، ونعود مرة أخرى لنرفع التميز الذي تميز به الإنسان، لا بل أكثر من ذلك، ربما تكون هناك أكوان تنشأ فيها حياة ولكن بطرق مختلفة تماما عما نحن عليه، فإذا كان ككوننا هذا قابل لأن تكون فيه حياة بيولوجية كحياتنا، فالأكوان الأخرى قد تحتوي على حياة أخرى تعتمد على الثوابت الأخرى، قد تكون هناك حياة أخرى لا علم لنا بشكلها بتاتا.

عوالم البرين (Brane Multiverse)

تتصادم النظريتان النسبية والمكانيكية الكمية في بعض أجزاء هذا الكون حينما يجتمع العالم الكبير مع العالم الصغير، فعلى سبيل المثال حينما يقوم ثقب أسود بابتلاع نجم هائل، النجم الهائل كبير في الحجم يسحق في نقطة صغيرة جدا، ولهذا النجم جاذبية هائلة كلها تتركز في نقطة، أيّ القوانين نستخدم حينما يتحول النجم الهائل إلى نقطة صغيرة، هل نتحدث عن النظرية النسبية التي تتعامل مع الأشياء الكبيرة، أم أننا نتحدث عن المكانيكية الكمية التي تتعامل مع النقاط المتناهية الصغر؟ يقول براين جرين (Brain Green) في مقابلة له مع برنامج الإن بي آر (NPR) أن ها هنا تتحطم النظريتين، ولكن ما يأمله العلماء أن نظرية الأوتار الحديثة والتي تستطيع أن تعالج العالمين في نفس الوقت أن تكون صحيحة، حيث أنها من الناحية النظرية أو من الناحية الرياضية تفسر هذه الحالة الغريبة من الخليط بين الكبير والصغير بلا أدنى مشكلة.

بسرعة خاطفة، الفكرة في نظرية الأوتار (والتي سأتركها لحلقات قادمة) تعتمد على تحويل الجسيمات الصغيرة مثل الإلكترون والكواركس والبوزيترون وما شابه من نقاط أو كرات إلى حلقات وترية متتذبذبة، ربما حينما تتخيل محتوايات الذرات من بروتونات وإلكترونات فأنت تتخيل كل من هذه الجسيمات وكأنها نقاط أو كرات صغيرة، فتتخيل أن كرة الإلكترون الصغيرة جدا تحوم حول نوات الذرة، والتي هي أيضا مكونة من كرات صغيرة من البروتونونات والنيوترونات، هذه الصورة تسمى بـ “نموذج بور” (Bohr Model)، ولكن هذه الصورة تغيرت حينما ظهرت الميكانيكية الكمية، ولكنها لم تتغير صورة الإلكترون كلية، بين الحين والآخر يتم تمثيل الإلكترون على أنه نقطة كروية، ولكن حينما ظهرت نظرية الأوتار تغيرت هذه الصورة الكروية للإلكترون، وتحولت من النقطة الكروية فأصبحت حلقة دائرية (في إحدى أشكالها)، كربطة المطاط.

نظرية الأوتار هذه يُعتقد أنها النظرية النهائية في توحيد القوى الأربع الفيزيائية الموجودة في الطبيعة، القوى الأربعة هي:

1. القوة الكهرومغناطيسية (Electromagnetic Force) (وهذه القوة كانت في الأصل قوتان: كهربائية، ومغناطيسية، ولكن قام ماكسويل بتوحيدهما معا تحت عنوان القوة الكهرومغناطيسية).

2. القوة النووية الضعيفة (Weak Nuclear Force) (المسؤولة عن تحلل الذارت Radioactivity).

3.القوة النووية القوية (Strong Nuclear Force) (وهي القوة المسؤولة عن تماسك نواة الذرة بالرغم من أن البروتونات تحمل نفس الإشارات، كما لو أنك أتيت بمغناطيسين وقربت القطبين الشماليين من بعضهما، ذلك سيدفع المغناطيسين بعيدا عن بعضهما البعض، وكذلك في نواة الذرة حيث البروتونات، كيف يمكن للبروتونات بتساوي إشاراتها الموجبة أن تبقى متماسكة؟ هناك تتدخل القوة النووية القوية، حيث تعمل فقط في مسافات قريبة جدا، وتمسك بمحتويات نواة الذرة بقوة هائلة).

4. الجاذبية (Gravity)، وهي أضعف القوى الأربع، حيث أن القوة الكهرومغناطيسية أقوى منها بمليارات المرات، ربما لا يمكن أن تتصور كيف أن هذه القوة تعتبر أضعف القوى مع أن الأرض تمسك بك، وبالحيوانات والنباتات والباقي الجمادات من بحار وجبال وما أشبه، والشمس تمسك بمجموعة من الكواكب في مدارها، والثقوب السوداء بقوة جاذبيتها تلتهم كواكب ونجوم أحيانا في لحظات، كيف يمكن أن تكون الجاذبية ضعيفة إلى هذا الحد؟ للمقارنة، ما عليك أن تفعله هو أن تأتي بمغناطيس، وضع على الطاولة مشبك من حديد، ثم قرب المغناطيس إلى المشبك، سيلتصق المشبك بالمغناطيس مقاوما لجاذبية الأرض، كل هذه الأرض بكتلها الهائلة، وبحجما الكبير الضخم لم تستطع أن تمسك بمشبك جذبه مغناطيس صغير للغاية، هكذا يتضح الفرق.

حاول العلماء على فترات أن يوحدوا هذه القوى، فأصلها من الناحية المنطقية واحد، الكون حينما كان في بداياته كانت هذه القوى واحدة، ولكنها تفرقت وكل منها عمل بطريقة مختلفة، آينشتين حاول أن يجمع بين القوة الكهرومغناطيسية والجاذبية، ولكنه لم يقدر، وبعد محاولات كثيرة استطاع ثلاث علماء: شيلدون جلاشاو (Sheldon Glashow) وستيفن وايبيرج (Steven Weinberg) ومحمد عبد السلام (Mohammad Abdus Salam)، أن يوحدوا القوى الثلاث الأولى تحت  ما يسمى بنظرية النموذج القياسي (The Standard Model)، ولكن أهملت هذه النظرية القوة الأخيرة والمهمة وهي قوة الجاذبية، هنا دخلت نظرية الأوتار لتوحد جميع هذه القوى بعد أن فسرت كل المكونات الأساسية الصغيرة في الطبيعة على أنها أوتار.

ولكن مع تكون هذه النظرية تكونت أبعاد جديدة لم نكن نعرف عنها، نحن معتادون على الأبعاد الثلاث التي نعيش فيها، حيث نتحرك إلى الأمام والخلف، وإلى اليمين واليسار، وإلى الأعلى والأسفل، هذه الحركة ممكنة لتوفر هذه الأبعاد الثلاث المكانية، أضاف آينشتين بعدا آخر للأبعاد الثلاث، وهو الزمن، بذلك أصبحت الأبعاد أربعة، نظرية الأوتار تضيف 6 أبعاد أخرى للعالم الذي نعيش فيه، ولكن بسبب صغر هذه الأبعاد لا يمكننا رؤيتها ولا التعامل معها، وهذه الأبعاد موجودة في كل نقطة على كل شيء، وهذه الأبعاد ملتوية على بعضها البعض، بسبب صغرها المتناهي لا يمكن لنا أن نتحرك فيها، ووهي التي تصنع من الأوتار أشكالها المختلفة، بذلك تتكون الأجسام الصغير مثل الإلكترونات والكواركات وغيرها.

خمسة نظريات وترية تم تأسيسها، كل منها له أبعاد مختلفة، ولكن كل منها صحيح، حتى أتى  إدوارد ويتون (Edward Witten)، ووحد الخمس نظريات تحت نطرية تسمى بـنظرية إم (M-Theory)، قامت هذه النظرية بتوحيد النظريات الخمس والتي وحدت القوى إلى نظرية واحدة ولكنها أضافت شيئا أساسيا، وهو بعدا آخر، ليكون في الطبيعة 11 بعدا ككل، ولكن بدلا من أن يكون هذا البعد صغيرا جدا سيكون هو البعد الأب، أو الرئيسي (وكلمة الأب من عندي وليست علمية، حتى أوصل المعنى).

أضف لذلك أن العلماء بعدما نظروا لهذه النظريات اكتشفوا أن هذه الأوتار الصغيرة جدا ولكن بإمكانها أن تصبح طويلة جدا، وتصل إلى الحد أنه من الممكن أن تكون بدلا من أوتار تكون أغشية، وواحد من هذه الأغشية هو العالم الذي نعيش فيه، فنحن نعيش على وتر أو غشاء وهذا الغشاء فيه 3 أبعاد نتحرك فيها، وستة صغيرة جدا، فهذا هو كوننا، وكوننا هذا يعيش في البعد الأكبر الحادي عشر، تخيل لو أن هذا البعد الحادي عشر يحتوي على عدة أغشية أخرى مثل كوننا، فستكون هناك عدة أكوان كل منها منفردة عن الآخر، ويعتقد العلماء أن هذه الأكوان قد تكون بعيدة عنا بقدر مليميترات، أو سنتيمترات، ولكننا لا نراها ولا من فيها (ذلك إذا كان فيها أحد).

حتى أقرب هذه الصورة، تخيل معي أن بيدك ورقة وعلى الورقة هذه يتمشى نمل، بالنسبة للنمل فهو يعيش في عالم مسطح ثنائي الأبعاد، هذه الورقة الثنائية الأبعاد تعيش في عالم ثلاثي الأبعاد. تستطيع أن تأتي بورقة أخرى ترفعها فوق هذه الورقة وتضع عليها مجموعة أخرى من النمل تعلقها فوق الورقة الأولى في الهواء، فإن قربت هذه الورقة للأخرى لأدنى مسافة لا يمكن للنمل في العالم الأول أن يعرف أي شيء عن النمل في العالم الثاني، هذه صورة تقريبة تبين الفكرة، إذن، في العالم ذو الثلاث أبعاد تستطيع أن تضع عدة عوالم كل منها ذو بعدين، نعود لعالمنا، عالمنا ذو ثلاث أبعاد (لندع البعد الزماني والأبعاد الستة الصغيرة جانبا)، هذه الثلاث أبعاد تعيش على غشاء، وهذا الغشاء يعيش في البعد الأكبر، وكما في فكرة عوالم النمل تكون فكرة عالمنا والعوالم الأخرى، كلها تعيش في بعد يحتويها كلها، ولكن لا تسطيع من خلالها رؤية العوالم الأخرى، كما لا يستطيع النمل في عالم الورقة المسطحة مشاهدة النمل في عالم الورقة المسحطة الآخر.

العالم الأكبر الذي يحتوي على كل هذه العوالم أو الأغشية يسمى بـ “البالك” (Bulk)، وتعني هذه الكلمة الحجم أو الكتلة الكبيرة، وليس المقصود منها الكتلة الفيزيائية والتي تعطي الثقل، ولكنها تقصد الشيء الأكبر، ويشبه العلماء البالك بالخبر الذي يقطع إلى شرائح – التي نطلق عليها اسمه – التوست (في الغرب الخبز يصبح توستا بعد التحميص، نعود)، كل شريحة من هذه الشرائح هي عالم من عوالم البرين، ونحن على واحدة من هذه الشرائح.

يخبرنا العلماء أن الكون الذي نعيش فيه الآن كان حاصل نتاج تصادم عالمين من الأغشية مع بعضهما البعض، وكلما يتصادم عالمان كلما نتج منهما عالم أو عوالم جديدة، إذن هذه العوالم من نوع آخر تنتج عوالم جديدة بطريقة مختلفة عن الطرق التي ذكرتها سابقا، وهي قائمة على نظرية لم يتم إثباتها بعد، التجارب التي تقام حاليا في المصادم الهدروني الكبير ربما ستثبت صحة نظرية الأوتار، بعدها من الممكن أن تتضح أكثر فكرة العوالم المتعددة القائمة على هذه النظرية.

تفسير تعدد العوالم (Many-Worlds Interpretation)

نصل إلى آخر العوالم التي سأتحدث عنها (وإن لم يكن هذا هو العالم الأخير)، ويعتمد هذا العالم على النظريات الميكانيكة الكمية،  تحدثت في السابق عن قوانين الميكانيكة الكمية، وهي تتعامل مع الأجسام الصغيرة جدا، وفي عالم الأجسام الصغيرة تحدث من الغرائب ما لا يمكن أن نعقله، كل ما هنالك أننا نتقبله لأن القوانين تثبته، فمثلا ذكرت في بودكاست سابق أنه حينما نسقط الضوء على شقين فإن الفوتون الواحد يمر خلال الشق الأول، ويمر خلال الشق الثاني، ويمر خلال الشقين ولا يمر في أي منهما، والعجيب أنه إذا ما أردنا أن نعرف من أي الشقوق دخل الفوتون يتوقف هذا الإلكترون من عادته الغريبة ويقرر أن يدخل من أحد الشقوق، تصور – كمثال – لو أنه طلبت من ساحر أن يخرج من بيت به بابين، حينما لا تنظر لهذا الساحر فهو يمر خلال الباب الأول، ومر في نفس الوقت في الباب الثاني، ويمر أيضا من البابين، ولا يمر في أي منهما، لنفترض أنك وضعت كاميرات مراقبة على البابين لتعرف من أي من البابين خرج الساحر، حتى لا يكشف لك الساحر من أي من البابين خرج يقرر أن يخرج من أحدهما فقط، طبعا هذه التجربة أجريت على الأجسام الصغيرة وهي مؤكدة بلا أدنى شك.

كيف استطاع الإلكترون أن يقوم بهذه العملية السحرية؟ بحسب الميكانيكة الكمية، فإنه لا يمكن القول بمكان الإلكترون (كمثال على أحد الجسيمات) بالضبط، بل يمكن القول باحتمال مكان وجوده، أي أنه يتبع موجه احتماليه، لو سألك أحدهم الآن أين أخوك الآن ستقول أنه يحتمل أن يكون أخي في السوق أو في البيت أو العمل أو في السيارة، هناك عدة احتمالات، ولكن تستطيع أن تقول أنه يحتمل أن يكون في العمل بشكل أكبر من كونه الآن في السوق، ويحتمل أن يكون في السوق بشكل أكبر من كونه في البيت، إذن، هناك احتمال بوجود أخيك في عدة أماكن، ولكنه وجوده في أماكن معينة أكبر من احتمال وجوده في أماكن أخرى، وما أن تتصل بأخيك حتى يخبرك بمكانه بالضبط، هكذا هي الحالة بالنسبة للأجسام الصغيرة، هي موجود هنا وهناك، ولكن بنسب احتمالية مختلفة، ولكن الفرق الشاسع بين المثال والحقيقة، والفرق هو أن الأجسام الصغيرة هي فعلا موجودة في كل تلك الأماكن، وليس كما في حالة أخيك هو فعليا مجود في مكان محدد.

نأتي لقضية الإتصال لمعرفة مكان أخيك، أو بالمقارنة، حينما يقوم العلماء بالتجربة لمعرفة مكان الجسيم، ما يقوله العالم الكبير بور أن ما يحدث أنه بمجرد أن نختبر الجسيم لنعرف مكانه تنهار جميع الإحتمالات، ويصبح الجسيم في مكان محدد، أي أنه يصبح هنا وليس هناك، وإن كان قبل التجربة كان هنا وهناك بنسب مختلفة، هذه النظرة – نظرة إنهيار الإحتمالات – سببت إشكالات في قوانين المكانيكية الكمية، وتركت ثغرة فيها لم يستطع العلماء تفسيرها، هنا يدخل العالم هيو إفيريت (Hugh Everett)، ويلغي فكرة إنهيار الموجة الإحتمالية، وبدلا من ذلك فسر أن ما نراه بأنه ليس إنهيارا، بل إنه حينما أردنا أن نعرف مكان الإلكترون انشق العالم إلى جزئين أو أكثر، بحيث أن تكون هناك نسخة منا تقيس مكان الإلكترون هنا، ونسخة أخرى منا تقيس مكان الإلكترون هناك، ونسخة أخرى منا تقيس مكان الإلكترون في مكان آخر غير هذا وذاك، وهكذا، إذن العوالم تفصل، فبدلا من أن يكون مكان الجسيم واحد، يكون هناك عوالم في كل منها الجسيم موجود ونحن موجودن، في كل منها نقيس أماكن الجسيم، وهذا ما يسمى بالعوالم المتعددة.

تخيل لو أنك خيرت بأن إما تذهب إلى اليمين أو إلى اليسار، فاخترت أن تذهب إلى اليمين، وتزحلقت على موزة وسقطت على الأرض وانكسرت يدك، عندها تقول: “يا ليتني ذهبت إلى اليسار”، ولكن في العوالم المتعددة أنت قمت باختيار الذهاب إلى اليمين، وأيضا قمت باختيار اليسار، وحينما اخترت انشق العالم إلى عالمين، في العالم الأول تزحلقت على الموزة، وفي العالم الثاني لم تصب بأي سوء،و مع كل اختيار ومع كل حركة تنشق العوالم إلى عوالم متعددة تكون جميع الإحتمالات موجودة.

أين هذه العوالم، هي موجودة معك، في نفس المكان والزمان، ولكن يفصلها شيء آخر (لا أعرف ما هو)، ولكنها موجودة معنا، تنفصل لوجود جميع الإحتمالات، وفي كل منها نسخة منك، ولكن تفرعت لمستقبل مختلف، ولو كبرت وسألت نفسك ماذا يحدث لو أنني لم أختر أن أدرس الهندسة، وبدلا من ذلك درست الطب، أو ماذا يحدث لو أنني تزوجت بتلك بدلا من هذه، وماذا يحدث لو أن لم أتأخر قليلا، لوقع حادث مروع، كل هذه الإحتمالات حدثت، وأنت درست الطب، تزوجت بتلك، ولم تتأخر ومت بالحادث، ويعيش كل من قرائنك تجارب مختلفة عنك، كل منهم في عالمه الخاص.

حقيقة أم خيال

ربما تتصور أن هذه العوالم أتت اعتباطا، ومن الممكن أن تتخيل وتتصور عوالم أكثر من هذه، وهذه العوالم أعقد من التي ذكرتها، وخصوصا إذا كان خيالك خصب، المجال فيه فسحة كبيرة للخيال، ولكن ما ذكرته لم يأت من خيال سرح فيه عالم من غير أن يبني هذا التصور على قواعد، بل إن هذه التصورات مبنية على قوانين رياضية بحته، والمشكلة أن هذه القوانين تحل قضايا حقيقة في العلم، ومنها نستخرج كل ما تراه من حولك من فوائد علمية وتكنلوجية، ولكنها في نفس الوقت تفتح بابا غريبا مثيرا لا يمكن للعقل أن يقبله، هذه التصورات خلفتها القوانين، ولم تكون محض خيال، ربما مع تطوير القوانين من الممكن أن تسد بعض الثغرات التي نتجت منها، ولكن بالتأكيد ستأتي قوانين أخرى لتفتح عوالم جديدة أكثر غرابة.

نهاية العالم

إقتربت نهاية الكون، بعد مرور عدد غير محسوب من السنين على اتساع الكون بدأت محتوياته بالبرود، وما تبقى من النجوم خمد وانطفأ لم يبق منه شيء، أما البشرية فقد وصلت من العلم ما مكنها من استعمار الكون كله، مجرة بمجرة، نجمة بنجمة، ثقب أسود بثقب أسود، إمبراطورية بعد إمبراطورية حكمت الكون كله، واستنفدت البشرية كل ما هنالك من طاقة ولم يتبقى في هذه الكون إلا العالم المبجل علي الموري الحائز على جائزة البالك في العلوم الفلكية، وهو الآن على مركبته الفضائية  المحملة بالدي إن إي لنخبة من البشر، على أن يحمل هذا الدي إن إي إلى العالم الجديد ليعيد كسوه مرة أخرى بأجساد أصحابها.

توقفت مركبة علي في وسط الكون البارد، ونظر علي إلى قنينة خاصة كانت تحتوي على دي إن إي زوجته وحبيبته التي عاش معها أكثر من 2500 سنة، وفي خلال فترة زواجهما أعيد تركيبهما مرة تلو الأخرى من دي إن إي أجسادهم، فعاشا حياة سعيدة، انتظر لحظة الصفر التي عمل طوال عمره لها.

انطلقت صافرة الإنذار بقرب دنو نهاية الكون، وأن الفرصة سنحت لإلطلاق نقطة الإنكسار، نظر إلى زوجته مرة أخرى، وابتسم لها كما لو كانت موجودة، وضغط على الزر، فأطلقت المركبة طاقة مركزة في نقطة صغيرة جدا، طاقة تساوي قوة الطاقة في بداية تكون الكون، فانفجرت إنفجارا هائلا ظهرت فيه هول الإنفجار الكبير، ولكن المركبة كانت مجهزة لأن تتحمل الصدمة الموجية الهائلة، وفي ظرف لحظات بدأت يتشكل الثقب الأبيض الثقب الذي يوصل إلى الكون الجديد.

تحركت المركبة أتوماتيكا عند هذه اللحظة الحرجة، وابتلعها الثقبل الأبيض، وابتلع الثقب الكون كله، ولم يبقى منه شيء، وانفتح الثقب الأبيض في الطرف الآخر، لكون جديد، وحياة جديدة، مسحت المركبة السماء، وبحثت عن مكان جديد يمكن العيش فيه، فنظر علي إلى القنينة وقال لها: “لما يبقى إلا القليل حبيبتي”.

Posted in Uncategorized | 27 Comments

لماذا نرى الأنماط؟

لماذا نرى الأنماط؟

نزلdisk اشترك مجانا على الآيتيونزipod سجل إعجابك على الفيس بوك Sciware Pod أنا موجود على التويتر mqasem

تحدثت في الحلقة السابقة عن التصنيف والجماعات من جانب علم الإجتماع، وبينت أن التصنيف له أهمية في حياتك الشخصية، ولكن بينت كيف أن هذا التصنيف الطبيعي الذي تعتمد عليه لحصول على الأمان وتفادي الأخطار يتسع ليصبح ضارا أحيانا في حال تفاعلك مع الجماعات الأخرى، وخصوصا أن من هذه التصنيفات بإمكان أن يتحول الشخص إلى متعصب بغض النظر عن الأسباب، وأنه – في الحقيقة – ليست الأسباب المنطقية هي وراء التعصب، بل هو الإنتماء للجماعة أي كانت، وبينت إلى أي مدى للجماعة من تأثير على الفرد، وكيف أن هذه الجماعة تؤثر على الفرد حتى لو كانت الجماعة على خطأ، وحتى لو علم الفرد بوجود ذلك الخطأ. كنت سأكمل الحديث عن الموضوع بحيث أنتقل للتصنيف من خلال المخ، وليس من خلال علم الإجتماع، ولكنني لم أستطع أكمل الموضوع بسبب تضييعي لبعض البحوث العلمية التي قرأتها، وعدم جمعي للمادة العلمية بشكل مناسب، لذلك قررت أن أصنع له حلقة خاصة في المتسقبل.

في هذه الحلقة سأتحدث عن التنميط، وهو موضوع قريب من التصنيف، وسأتحدث عن إدراك الأنماط من خلال تجارب تمت على المخ، بحيث يمكننا فهم أنفسنا بشكل أفضل، من الواضح أن التصنيف عبارة عن تحديد نوع الشيء ووضعه في المجموعة التي ينتمي لها، وقد ضربت عدة أمثلة في الحلقة السابقة على التصنيف، وذكرت أنك تصنف الألوان مع بعضها البعض، والأشكال مع بعضها البعض، والحيوانات بأصنافها مع بعضها البعض، أنت تضع كل شيء في صنفه الذي يتناسب معه على حد علمك، والتنميط هي كلمة اخترتها لتسمية قدرة الإنسان على إدراك الأنماط أو تكوين أنماط حيث لا توجد، وربما ستتضح الصورة مع الوقت (والأنماط والتنميط – كما يبدو لي، مع العلم أنني غير متخصص في اللغة – أنه مثلما نقول:ونسق وتنسيق، أشكال وتشكيل، أنماط وتنميط، لا أعلم هكذا تبدو لي، ربما أكون مخطئا).

أولا ما المقصود بالنمط، النمط هو موضوع يتكرر فيه الشيء أو الحدث، والتكرار هنا يحدث بطريقة يمكن التنبؤ فيه، فمثلا أذكر لك الأرقام التالية، 2، 4، 6، 8، وأسألك ما هو الرقم الذي يليه، ستقول مباشرة 10، لأنك وجدت النمط في هذا التسلسل، وهو الأعداد الزوجية، أو أقول لك، 0، 1، 1، 2، 3، 5، 8، فتقول لي يأتي بعد ذلك الرقم 13، وهذه الأرقام معروفة على أنها أرقام فيبوناتشي (Fibnonacci numbers)، إن لم تكن تعرف هذا التسلسل للأرقام سابقا، ما عليك إلا أن تكتبها وتتمعن فيها لتجد النمط الذي تسير عليه هذه الأرقام، وببساطة، الرقم التالي هو حاصل جمع الرقمين السابقين، فحينما تبدأ بالرقمين 0، 1، سيكون حاصل جمعهما هو 1، فتصبح السلسلة 0، 1، 1، ثم تجمع آخر رقمين 1 + 1، ليكون عندك الرقم 2، ثم تصبح السلسلة: 0، 1، 1، 2، ثم تجمع 1 + 2، وتصبح السلسلة 0، 1، 1، 2، 3، وهكذا.

تسلسل أرقام فيبوناتشي ليست أرقام مجردة، وإنما كثير من الأشكال في الطبيعية تتماشى مع هذا التسلسل أو النمط، فمثلا الشكل الحلزوني لبعض القواقع يعتمد على الرقم الذهبي، والذي يرتبط بتسلسل فيبوناتشي، وكذلك توزيع بذور وردة عباد الشمس يتماشى مع التسلسل، وكذلك تفرع أغصان بعض الأشجار، وهكذا، وهذا ينطبق على ما يسمى بالفراكتلز (Fractals) أيضا، حيث أن الكثير من الأنماط تتبع هذه الأشكال المتكررة، أي أن هناك الكثير من النباتات التي تتبع هذه النَظْم، وحتى الغيوم، وتفرع البرق وغيره من الكثير من الأمور التي لا أستطيع أن أحصرها في البودكاست.

وتسلسل أرقام فيبوناتيشي والفراكتلز ليسا إلا نمطين من العديد من الأنماط الموجودة في الطبيعة، فالحمار الوحشي مخطط بطريقة معينة، والورود بأعداد بتلاتها، وذيل الطاووس بألوانه الزاهية، وحبات الثلج المتساقطة من السماء تتكون على شكل كريستالات هندسية رائعة، وبيت العنكبوت بشكله اللولبي، وتراب الصحراء المتموج، وبيوت النحل السداسية، هذه كلها لها أنماط مرئية، وهناك أنماط غير مرئية بشكل مباشر، مثل إشارات النحل لبعضها، وحركة انتشار المرض المعدي بين الناس، واللغة، وسقوط قطرات الأمطار، وحتى في حركة السوق بالنسبة للأسهم، وحتى توزيع الكلمات في الكتب، والكثير الكثير من الأنماط موجودة في الطبيعة.

التنميط

قبل أيام وأنا أفكر في موضوع الأنماط بعد أن خرجت من المحاضرة، صادف وأن رأيت طائرا ميتا على الأرض، له منقار أبيض ولونه يميل إلى الرمادي، اقتربت منه أكثر فأكثر وكلما اقتربت منه كلما بدا لي وكأن المنقار غير المنقار الذي أعرفه، وكأنه ملتو نوعا ما، وكلما اقترتب كلما تغيرت الزاوية التي رأيت فيها ذلك الطير الميت وكلما زاد اختلاف ذلك الشيء عن الطير، حتى إذا ما وصلت بالقرب اكتشفت أنه قطعة من قماش مرمية على الأرض والمنقار لم يكن سوى قطعة بلاستيكية متعلقة به. ماذا الذي حدث في هذا الموقف؟ حينما نظرت إلى قطعة القماش من بعيد فإني رأيت نمطا معينا، وتشابه ذلك النمط بشكله العام مع الطير، فقمت بتصنيفه على ذلك الأساس، ولكن مع الوقت وبقليل من التدقيق اتضح أن الطير ليس بطير وأنه مجرد قطعة من قماش.

لم يكن هذا الموقف فريد من نوعه، بل أنا معتاد على هذا الشيء بشكل شبه يومي، حتى أنت تلاحظ أنك تبحث عن الأنماط وتقوم بالتنميط، ربما أكثر الأشياء التي يقوم الناس بتنميطها هي الوجوه فمثلا الكثير من الناس يرون وجوها في التشكيل العشوائي للسيراميك، أو وجوها في الدخان (وحتى الدخان في هجمة 9/11 رأى الكثير من الناس وجه الشيطان فيها، وهناك عدة لقطات تبين هذا الشيء في اليوتيوب) أو وجوها في السحاب أو أوراق الأشجار الكثيفة، أو حتى في القمر والمريخ، حتى أنه في فترة نشر على الإنترنت أن وجه صدام حسين شوهد على القمر، وليس ذلك مخصوصا في العرب، بل إن العالم كله يرى وجوها وأشكالا عديدة على القمر، فمنها الوجهة لذكر ولأنثى، وأيضا لأرنب وضفدع وهكذا ، أو حتى مشاهدة لأسماء شخصيات دينية شوهدت على سطح القمر.

أتذكر كنت أتمشى في منتزه في غابة في الولايات المتحدة الأمريكية، فرأيت مجموعة من الشباب والبنات ينظرون إلى السماء، فتوقفت بالقرب منهم، ونظرت معهم إلى السماء لأرى ما يرون، فلم أجد سوى السحاب، فقال لي أحدهم ألا ترى الملائكة؟ فنظرت مرة أخرى باستغراب، وقلت في نفسي، “ما دخل شكل الملائكة بماء متبخر؟” وألحوا علي أن ما يرونه إنما هو حقيقة: “أنظر هنا، إنظر هناك” وهم يشيرون بأصابعهم إلى “الملائكة”، أو مثلا هناك من يرى وجه النبي عيسى (ع) في قطة خبزة، كما حدث وأن بيعت قطع من الخبز والجبن التي عليها هذه  الأنماط بآلاف الدولارات، ربما تضحك من تصرفاتهم لأنهم من المسيحين، فنحن أفضل من ذلك، نحن نعتمد منطق، صحيح؟ ولكن أنظر حولك ستجد نفس المشكلة، فستجد على الإنترنت الكثير من المواقع التي تبين كيف أننا نبحث عن الأنماط في الطبيعة، والأمثلة على التنميط كثيرة، فمنهم من يرى نقش كلمة الله بالخط الثلث على بقرة، وستجد النقشة نفسها على خبزة وعلى حمامة، وغيره من الأمور، وكذلك من وجد شجرة راكعة، لو نظرت لها بانت وكأنها رجل في حالة الركوع، وكذلك من يدعي أن الأسد في أحد حدائق الحيوان حينما يزأر فهو يقول: “الله”، وهكذا.

ما الذي يحدث بالضبط في هذه الحالة، لماذا نرى هذه الأنماط في الطبيعة؟ هل هذه طبيعة بشرية أن نكتشف هذه الأشياء أم أنها فعلا هذه الأنماط حقيقة؟ وأنها ربما معجاز أراد الله سبحانه وتعالى أن يلفت انتباهنا لشيء معين؟

ماذا يقول العلم في التنميط؟

في سنة 1959 قام العلمان ديفيد هيوبل (David Hubel)، وتورستن فيزل (Torsten Wiesel) بتجربة القطة، والتجربة هذه أثرث كثيرا في العلم المرتبط بمعالجة المعلومات الحسية، حيث أدخلو قطب كهربائي ميكروسكبي بداخل مخ قطة قد تم تخديرها، وأدخل القطب تحديدا في القشرة البصرية الأولية أو الرئيسية (Primary Visual Cortex)، ووُجّه رأس هذه القطة إلى شاشة للنظر إليها،  ثم قاموا بعرض أنماط من الأضواء على شاشة أمام هذه القطة، ولاحظوا أن بعض الخلايا العصبية بدأت بأطلاق إشارات بسرعة كبيرة حينما قام العالمان بتحريك الضوء إما أفقيا أو رأسيا، وحينما تم تغيير زوايا خطوط الضوء أطلقت خلايا أخرى إشارات معلنة عن تلقيها لتلك الأضواء، وهكذا أيضا بالنسبة لإسقاط نقاط مظلمة على الشاشة، كانت هناك خلايا متخصصة تستقبل هذه الأنماط، وأسما العالمان هذه الخلايا بالخلايا البسيطة، وهناك أيضا ما أسموه بالخلايا المعقدة، وهي الخلاية من التي لها القدرة على اكتشاف حواف الأجسام، وكانت لهذه الخلايا أيضا القدرة على إلتقاط الحركة – حركة الأجسام، فبينت هذه الدراسة وجود خلايا متخصصة في تمثيل معقد لأشكال بسيطة، هذه الدراسة لم تكن دراسة عادية، بل كانت بدرجة من التأثير في الأوساط العلمية إلى الحد الذي حققت لهما الفوز بجائزة النوبل في سنة 1981.

لاحظ معي نقطة مهمة هذه الخلايا لم تستجب إلا لخطوط بزوايا معينة، ويقول ديفيد هيوبل في مقابلة (موجودة على اليوتيوب): “من الممكن أن يكون خطا مضيئا أو خطا معتما أو حدا بين مضيء ومعتم، أي نوع من الخطوط حقيقة يعمل بشكل عام، ولكن موقع الخط واتجاه الخط مهمان بدرجة رهيبة، وإن لم تكن بالضبط صحيحة، فإن أي خلية على حدة لا تستجيب”.

 وأقيمت هذه التجارب أيضا على القردة وأدت إلى نفس النتائج، وأهمية التجارب على القردة تعود لكون القرد قريب من الإنسان من حيث تركيب النظام البصري، فتبين أنه حتى حينما ينظر القرد إلى أنماط معينة من الأضواء فإن خلايا مخه العصبية تطلق نفس الإشارات وإن لم يوضع تحت التخدير (فإذا ما كان هناك شكا في أن للتخدير تأثيرا زال ذلك الشك، واتضح أن هذه طبيعة الخلايا العصبية في إطلاقها للإشارات في حال وجود أنماط)، إذن، إدراك الأنماط إنما هو شيء مبني في المخ مباشرة كما في اللغة الإنجليزية (Hardwired)، أي الخلايا تم لحيمها في المخ هكذا.

ما هي فائدة التنميط، أو قدرة الإنسان على إدراك الإنماط؟ حينما تستمعين لصوت الطفل الرضيع وهو يبكي، بداية ربما لا تعرفين ما إذا كان الطفل يشعر بالجوع أو أنه به ألم أو مرض أوبحاجة لعطفك وحنانك، ولكن مع الوقت ستكتشفين أنماط البكاء ومع الوقت ستشتعرين بحالة الطفل،  وستعرفين فيما لو كان جائعا أو متألما أو مريضا أو بحاجة للحنان، أنت تستخدمين قدرتك على التنميط للتبؤ بحالة معينة، ومن الممكن أن ما إذا ما كنت تتعاملين مع البورصة أو سوق الأسهم، فإنك تعتمدين على تحرك السوق بطرقه مختلفة للتنبؤ بحالة السهم المستقبلية، بطبيعة الحال هذه الأنماط قد لا تكون دقيقة، فقد يختلط شيء من العشوائية مع النمط ويخل بذلك التوازن في معرفة المستقبل، حتى في حالة الطفل، قد لا تعرفين إذا ما كان طفلك فعلا مريض أو جائع لوجود بعض الشوائب في صوته المحشرج، ولكن ربما لا تجد تلك العشوائية في تسلسل أرقام فيبوناتشي، حيث أن الأمر دقيق في تلك الحالة، فالرقم التالي هو حاصل جمع الرقمين السابقين، ومعرفة الرقم التالي المستقبلي لا تشوبه أي شائبة.

ومن الناحية العلمية، واحدة من أهم الطرق التي نعتمد عليها لاكتشاف النظريات العلمية هي الأنماط، ولولا اتباع الأشياء لأنماط معينة لكان بالتأكيد من المستحيل تكوين نظريات تتنبأ بطريقة عمل شيء معين، فشروق الشمس من المشرق، وغروبها في المغرب حالة تتكرر باستمرار، ومنها عرفنا القوانين التي تربط دوران الأرض بذلك الشروق والغروب، وكذلك القدرة على التنبؤ بالكسوف والخسوف وإن لم تتكرر هذه الحالات بكثرة، ولكن اعتقادنا بأنها تتكرر أدى إلى محاولة لبحث العلماء عن قانون يكشف لنا وقوع الكسوف في المستقبل، وكذلك في الزراعة، حينما نزرع الورود فإننا نزرعها في فصل نتوقع فيه أن تعيش فيه هذه الورد فترات طويلة، وحتى في حركة تموج الماء، فالأمواج تتحرك بأنماط معينة، وحتى في أشكال تفرع أغصان الأشجار، وجد العلماء الأنماط التي تتبعها تلك الأغصان في تفرعها، وقس على ذلك تقريبا كل شيء في العلم التجريبي، وربما من أغرب الأشياء في عالم الأنماط هو تنميط العشوائية أو إدراك وجود أنماط في العشوائية، فهناك من القوانين الكثيرة في الطبيعة والتي تبدو لنا وكأنها عشوائية، ولكن بالتنميط نستخرج منها نظاما متكاملا، ولذلك تجد علما كاملا بنظريات متكاملة وتبدأ بشكل بسيط وتنتقل للتعقيد الهائل، واسم هذا العلم المتغيرات العشوائية (Random Variables) والعمليات العشوائية (Random Processes)، وهي تستخدم اليوم في وسائل الإتصالات بشكل أكاد أقول عنه أنه خرافي.

نشر بحثا في مجلة النيتشر لثلاث علماء، في مقدمتهم سكوت هيوتل (Scott Huettel) عن إدراك الأنماط في تسلسلات عشوائية، وفي هذا البحث استخدم الرنين المغناطيسي الوظيفي (إن صح التعبير) أو فانكشونال إم آر آي (fMRI)، كما هو معروف هذا الجهاز يصور تغير تدفق الدم، وهو أكثر الوسائل استخداما لدراسة المخ، فاكتشف العلماء أنه حينما يعرض على الأشخاص الذي يتم اختبارهم تسلسلا عشوائيا، وقيل لهم أن التسلسل عشوائي وأنه لا حاجة للمتطوعين للتجربة أن يبحثوا عن أنماط حيث لا وجود لها ولا فائدة من البحث عنها، مع ذلك أبلغ الكثير من المتطوعين بأنهم أنه بالرغم من علمهم بعشوائية تلك التسلسلات إلا أنهم لاحظوا أنماطا معينة،أي أن مخ الإنسان يرغمه على رؤية النظام في العشوائية – كما صرح العلماء في ذلك البحث، وصرحوا أيضا أن تنميط الأشياء يحدث من غير أي جهد متعمد، أي أن المخ يبحث عن النظام وعن الأنماط وإن لم تكن هذه الأنماط موجودة، وقد لاحظ هيوتل وزملائه أن هناك منطقتين في المخ واحدة اسمها نيوكليوس أكامبنس (Nucleus Accumbens) وهي في أسفل مقدمة المخ، والأخرى أنتيريور سينجيوليت (Anterior cingulate)، في وسط مقدمة المخ، وهاتين المنطقتين تشتعلان بالدم حينما رأيى المتطوعين تكرار في نظام معين أو في العشوائية، خلاصة الموضوع أنك لا تستطيع أن لا ترى الأنماط وإن حاولت، كما أنك لا تستطيع أن توقف ضربات قلب وإن أصريت على ذلك.

التنميط والسيطرة

أحد الأبحاث التي نشرت حول موضوع إدراك الأنماط الوهمية نشرت في مجلة الساينس (وقد ذكرت كثيرا ما لمكانة مجلتي النيتشر والساينس في العالم العلمي)، حيث قامت العالمة جينيفر ويتسون (Jennifer Whitson)، وآدم جالنسكي (Adam Galinsky) بدراسة مكونة من 6 تجارب على مجموعة من الناس تبين فيها أن فقدانهم للسيطرة يزيد من إدراك الأنماط الوهمية، أي أنه حينما يفقد المتطوعين للتجربة قدرتهم على السيطرة فإنهم يلجؤون إلى إيجاد روابط بين أشياء لا رابط بينها وعلاقات ذات معنى من غير أن يكون هناك أي معنى حقيقي في هذه العلاقات، كل ذلك حتى يسترجعوا قدرتهم على السيطرة، مثال على تفسير الشخص أحداث عشوائية على أنها نمطية من غير أن تكون فعلا نمطية هي بعض الخرافات، فمثلا تخيل أنك دخلت إلى رئيسك في العمل في اليوم الأول، وبجيبك ريشة، وحينما طلبت منه طلبا قبل لك الطلب بلا تردد، في اليوم التالي نسيت الريشة في المنزل، وإذا برئيسك بالعمل يرفض لك طلبك، وفي اليوم اللذي يليه أحضرت الريشة معك وإذا بطلب آخر يتم تنفيذه، ما يحدث مباشرة أنك تربط ما بين الريشة وتنفيذ الطلبات، وستجد نفسك حاملا لتلك الريشة كلما دخلت على رئيسك في العمل آملا في أن يتكرر النمط، لماذا؟ لأنك ببساطة تحس أن لا سيطرة لك على تلك الطلبات، فتلجأ إلى أنماط وهمية.

في إحدى التجارب عرضت العالمة جينفر والعالم آدم صورا منقطة عشوائيا للمتطوعين، وفي هذه الصور أضافت آثارا لصورا حقيقة، لو تمعنت في تلك الصور للاحظت تلك الآثار للصورة الحقيقة ولميزت وجودها، حينما رأى المتطوعين الصوراستطاع بعضهم أن  يميز تلك الصور، ولكن البعض الآخر لم يستطع تمييزها، بعد ذلك أرت جميع المتطوعين صورا منقطة عشوائيا لم يكن فيها أي أثر لصور حقيقة، فلاحظت أن الذين لم يستطيعوا أن يميزوا الصور الحقيقة في التجربة الأولى عوضوا ذلك النقصان بتكوين صورا أكثر  من المتطوعين الذين ميزوا الصور الحقيقة سابقا.

Snowy-images.jpg

ثم طلبت من كل شخص في مجموعة أخرى من المتطوعين أن يتخيل أنه مدير تسويق في شركة، وأنه قبل أن يدخل في اجتماع يضرب رجله بالأرض ثلاث مرات، وأنه كلما فعل ذلك نجح في أن تتقبل أفكاره في ذلك الإجتماع، وطلبت من بعض الأشخاص أن يتخيل أنه في يوم من الأيام نسي أن يضرب رجله بالأرض ثلاث مرات، ودخل الإجتماع وإذا بأفكاره لا تقبل، من خلال هذه الخيال أراد العالمين أن يفقدا قدرة بعض المتطوعين على السيطرة، وحينما شاهد المتطوعين صورا عشوائية، لاحظ العالمان أن المتطوعين الذين فقدوا السيطرة شاهدوا أنماطا أكثر من الذين لم يفقدوا السيطرة.

وقام العالمان بعدة تجارب أخرى بينوا فيها تأثير فقدان السيطرة على إيجاد أنماط حيث لا توجد، وأن هذه الأنماط ترجع إلى ثقة الشخص في نفسه وقدرة على التحكم بعد أن يفقد تلك القدرة، حينما يتغير العالم أمامك بطريقة غير متوقعة وغير قابلة للتبؤ ستقوم بإرجاع عالمك إلى وضعه المتوقع الطبيعي، كم من مؤمرات مفربكة طويلة عريضة قمنا بنتميطها في حادثة 9/11، كم من نظرية تآمرية نسجناها حينما تدهورت حالة العالم الإقتصادية، ما عليك إلا أن تنظر في حالة العالم العربي الثورية الإنقلابية لتلاحظ أن كل شخص لديه تفسير لأمور متفرقة حدثت ويطرحها عليك بصورة مترابطة نمطية؟ إيجاد الأنماط حيث لا نمط طبيعة بشرية ملازمة للمخ لها علاقة بالسيطرة ولا مفر منها.

ما الفائدة؟

ذكرت في السابق أن لإدراك وجود أنماط في الطبيعة فائدة كبيرة، فيحتاج العالِم أن يلاحظ الأنماط حتى يفكر فيها ويستنبط قاعدة عامة يستطيع من خلالها التنبؤ في المستقبل (مثل قوانين نيوتن للحركة، وقوانين آينشتين للنسبية، وقوانين ماكسويل للكهرومغناطيسية)، يقول جاليلو جاليلي: “الفلسفة مكتوبة بهذا الكتاب العظيم، الكون مكتوب بلغة الرياضيات، وحروفه المثلثات والدوائر وأشكال هندسية أخرى” ، وحياتنا مليئة بالعلوم التي اعتمدت هذه الطريقة في التفكير والتنميط ورؤية واكتشاف حروف الكون من مثلثات ودوائر وباقي أشكاله الهندسية، ولكن هناك الجانب الآخر من التنميط الذي يحتاج أن نضعه تحت الإختبار، فليس كل ما نراه على أنه نمطا يحمل معنى مفيدا.

حينما نتكلم عن رؤية وجه في قمر أو كلمة “الله” على شعر بقرة أو صورة النبي عيسى على الخبز أو شجرة راكعة أو وجه الشيطان في دخان حريق مركز التجارة العالمي، كل هذه، هل هي أنماط فعلا موجودة؟ وهل لها دلالات من الممكن الاستفادة منها؟ هل أستطيع أن أقول أن الوجه على القمر دليل على إتيان فضائيين إلى القمر، ورسمهم لذلك الشكل، وبهذا أستدل على أن هناك فضائيين؟ أو هل أستطيع أن أقول أن الشجرة الراكعة دليل على أن هذه الشجرة مطيعة لله فهي معجزة، فإذن ماذا أقول عن باقي الأشجار التي من طبيعتها أن تتجه للسماء لتقف باستقامة، هل كل تلك الأشجار غير مطيعة، (ماذا عن الطفل الذي تظهر على جسده آيات قرآنية مكتوبة باللغة العربية ومشكّلة، ، وفي كل جمعة تظهر آية جديدة أو حديث،  بصراحة أنا أتخوف على صحة ذلك الطفل، ولربما من خلال إعتقادنا بأن هذه معجزة نغفل الجانب الآخر وهو أن هذه الجروح قد يستبب بها أبويه، وبما أنه طفل فهو ضعيف فلا يستطيع أن يدافع عن نفسه، حتى أن أمه تقول أن طفلها يشعر بتوعك وترتفع حرارته كلما ظهرت هذه الآيات، لا أعلم إن كان أحد أبويه يستخدم مواد كيميائية للكتابة على رجل الطفل، وبذلك يشعر الطفل بتوعك وترتفع حرارته، أو أنه يخدش جسده، لا أعلم، ولكن أعلم أنه حصل الأبوين على ما تمنوه: 2000 زائر يوميا، قلبي مع هذا الطفل).

حينما تواجه نمطا معينا، لابد أن لا تسأل ما إذا كان النمط فعلا صحيح، فلابد أن تتحقق ما إذا كانت الأرقام دقيقة، كم من إيميل وصلني يدعي أن أرقاما معينة تتبع نمطا معينا، ولكن بقليل من التحري أكتشف أنها لا تتبع أن نمط، بل أن معضمه إن لم يكن كله تلفيق، ثم تسأل ما إذا كان النمط يتناسب مع افتراضك، بل لابد أن تسأل ما إذا كانت هناك أشياء تتعارض معه،  العلم لا يعمل فقط فيما يوافق فرضيتك أو نظريتك، بل العلم يعمل حتى بما لا يوافقها، فلو وجدت أرقاما تثبت إدعائك في شيء معين، لابد أن تتحقق من عدم وجود أرقاما أخرى تدحض الإدعاء، فلا يمكن أن تدعي أن الريشة التي في جيبك تجعل رئيسك في العمل يستمع لطلباتك، من المفروض أن تحسب عدد المرات التي دخلت على رئيسك بالعمل مع الريشة ولم يستجب لرأيك، وإن وجدت أن احتمال تلبية طلباتك هي 50 بالمئة إذن، وجود الريشة في جيبك كحال عدم وجودها.

إذن، إبحث عن الأنماط، ولاحظها، الكون مليئ بالأنماط، حياتك كلها تدور حول الأنماط سواء أكانت مرئية أو غير مرئية، مباشرة أو غير مباشرة، أنت تحتاج لإدراك الأنماط لتتعامل مع بيئتك، أنت لا تستطيع أن لا تنمط، لكن بعض الأنماط تحتاج لأن نعرضها للبحث العلمي الدقيق، فلربما أن نجد علما نافعا، أو ندحض كذبة ضارة.

201107131259

Posted in Uncategorized | 11 Comments